“الإسلام الحزبي” والاستقرار السياسي

د. عبد الإله بلقزيز

 

لم تكن البلاد العربية، منذ الاستقلال السياسي لدولها، تتمتع بحالة من الاستقرار نموذجية على النحو المبتغى، فلقد مر كثير منها بهزات وقلاقل وأهوال كانت حرب لبنان الأهلية – مثلاً – واحدة من أشد مظاهرها بؤساً وكارثية، وما ضارعتها في دراماتيكية أوضاعها سوى حرب السودان الأهلية . وأقل قليلاً من هاتين الحربين، فتك الاستبداد السياسي بالحياة العامة، بالسياسة والنسيج الاجتماعي والوحدة الوطنية، وصادر ممكنات التطور الطبيعي للدولة والمجتمع، وأعدم السياسة والمجال السياسي، وصادر الحقوق وهضم الحريات العامة . وعلى النحو نفسه كانت ظاهرة الانقلابات العسكرية – بين الأربعينات والثمانينات – مرهقة للحياة السياسية، ومرهقة للاستقرار . هكذا مر على الوطن العربي حين – طويل – من الدهر عانت فيه شعوبه هشاشة حال الاستقرار فيها إلى حدود المخافة الجماعية على المستقبل .

مع ذلك، كان يسع السياسة والحياة السياسية أن تنمو، في هذا الخضم، ولو ببطء شديد، وأن تترشد قواعدها بالتجربة والتصحيح، وتتراكم مكتسباتها بالتدريج (الحرية النسبية للصحافة والرأي، التعددية الحزبية في بعض الأقطار، الحياة التمثيلية النيابية المتدرجة، المشاركة السياسية النسبية، التداول المحدود على السلطة . .) . هكذا كانت علائم الاستقرار تلوح، من وراء حطام فوضى النزاعات الأهلية، وفظائع الاستبداد، ليرتفع معها معدل الشعور الجماعي بأن البلاد العربية تخطو حثيثاً نحو بناء حياة سياسية عصرية، مغالبة عوامل الكبح والتردد والبطء فيها . ومع أن تزايد قوة الدولة ونفوذها، وارتفاع معدلات قدرتها على إنتاج هندسة اجتماعية ناجحة، للمجال السكاني والاجتماعي، قابلة الضبط (ليس بالمعنى الأمني حصراً)، أثمر اتساعاً في نطاق تدخلها في الحياتين الاجتماعية والسياسية، للفئات والجماعات والأفراد، ونمى لدى السلطة منازع استبدادية وكلانية (توتاليتارية)، بقدر ما رفع من منسوب هواجسها الأمنية، إلا أن من فضائل ذلك التزايد في قوتها أنه أفلح في فرض هيبة القانون، والتنظيم المؤسسي للدولة، وقلص كثيراً من نفوذ وسلطان الجماعات الأهلية، وحال – في مناسبات عدة – دون اصطدام تلك الجماعات بعضها ببعض، الأمر الذي ساعد في توفير فرص للاستقرار أكبر كانت هي عينها، فرص التقدم في تحقيق أسباب تلك التنمية السياسية التي وصفناها بالمتدرجة والبطيئة .

غير أن هذا الاستقرار، الذي اهتز في المناسبات التاريخية التي ألمحنا إلى بعض منها، سرعان ما سيصاب بشرخ عميق، في العقود الثلاثة الأخيرة، نتيجة الجنوح المتزايد للصراعات السياسية للتعبير عن نفسها بلغة وأدوات مختلفة عن ذي قبل . في الماضي القريب، كان العمل السياسي في حكم الممنوع، في الأعم الأغلب من البلدان العربية، والنخب الحاكمة تحتكر السياسة و”المجال السياسي”، ولا تتردد في ممارسة شتى صنوف القمع والعقاب ضد خصومها السياسيين . ومع ذلك، كان هناك معارضون يمارسون نشاطهم في أحزاب علنية، أو تنظيمات سرية، ويصدرون صحفاً ومجلات . وفي حالاتهم جميعاً، قوميين ويساريين وليبراليين، لم يردوا على كبت الحريات والاستبداد السياسي بالعنف، حتى عند من أخذوا – نظرياً – بأفكار العنف . وما أن دخل الإسلاميون معترك السياسة، حتى بدأت صورة الموقف تتبدل . وهي تبدلت لأن دخولهم إياه اقترن بدخول عاملين جديدين على السياسة: استغلال رأس المال الديني في العمل السياسي، وممارسة السياسة بأسلوب العنف .

لم يكن إدخال العامل الديني في المنازعات السياسية الداخلية قليل الشأن في ما أصاب تلك المنازعات من احتداد، فلقد استصحب إدخاله إدخالاً لقيم وقواعد عيرت في معنى الصراع السياسي . فلقد كان الصراع يجري بين رؤى مدنية متقابلة في الاقتصاد والاجتماع والسلطة، ثم ما لبث أن تلبسته مفردات عقدية مفاجئة (الكفر – الإيمان، الشرع – الوضع . .) جرى الانقسام – على حدودها – بين “المتمسكين” بالدين عقيدة وحياة وسياسة، وبين الذاهبين إلى حسبان السياسة شأناً بشرياً ليس من الدين . لكن هذا التقاطب الجديد، الذي بدا ثقافياً، سرعان ما أنجب نتائج جديدة مفاجئة: التأسيس للعنف بما هو إنفاذ لمبدأ “الجهاد”: في مرحلة لاحقة – حالية – منه . تحدثنا، في مكان آخر، عن مسؤولية “الإسلام المعتدل” في إنجاب هذه الأجيال الجديدة من قوى “الإسلام القتالي”، بالأفكار التي أشاعها عن التلازم بين السياسة والدين، وعن “الواجب الشرعي” في إخضاع نظام الدولة للدين، وها هي نتائج تلك الأفكار الدينية تثمر، اليوم، جيشاً عرمرماً من الإسلاميين المتطرفين يضع مجتمعاتنا، والاستقرار فيها، على كف عفريت، حتى لا نقول إنه يجعل الحياة شبه مستحيلة في هذه المجتمعات .

:::::

“الخليج”