الديكتاتوريات وانظمة ما قبل البشرية والسيسي

عادل سمارة

هذه اسئلة من صديق وإجاباتي عليها:

اريد ان اخذ رايك في بعض المسائل المتعلقة فيما يجري في الوطن العربي.

ننطلق من القطر المصري:

انت كمفكر اشرت في احد كتبك ان فشل المشروع القومي سببه الديكتاتورية، وهو ما اتبناه انا ايضا كبعثي، ومن هنا كيف نرى نحن كقوميين تقدمييين عبد الفتاح السيسي؟ هل ندعمه ونتخلى عن احدى ركائز الفكر القومي التقدمي الا وهو الايمان

بالحكم المدني و الحكم الشعبي ونبذ تدخل العسكر في الحياة السياسية؟

اليس السيسي خطر على الحياة السياسية المستقبلية في مصر؟

 ●●●

لست متأكدا سيدي اني نسبت فشل المشروع القومي فقط إلى الديكتاتورية. هنا أود التأكيد ان لا فشل منوط بمؤثر واحد وحيد. قد يكون لأحد العوامل تاثيره فوق غيره. وما اقصده تحديداً، أن الوطن العربي هو قيد الاستهداف الدائم من المركز الراسمالي العالمي وبالطبع الكيان الصهيوني. ما من أمة في العالم زُرع فيها مثل هذا الكيان ووضعت تحت مجهر المركز بشكل متواصل ومطلق وجرت تجزئتها قسرا وتم التركيز على بقاء التجزئة واحتضان الدولة القطرية وتحويلها إلى عدو للعروبة وصولا الى اليوم حيث الهجوم المعاكس يأتي من انظمة الريع ضد انظمة قومية الاتجاه بغض النظر عن نقدنا لهذه الأنظمة. بل وأكثر، ألم يدعم ويعترف بالكيان الصهيوني كل من:

         المركز الراسمالي اللبرالي

         قوى الاشتراكية الدولية

         الشيوعية الموسكوفية

ألا يثير هذا تساؤلات؟

تركيزي على عدم نسب الفشل للديكتاتوريات لأن المقصود بهذا نقد الأنظمة القومية البرجوازية وتغييب دور الأنظمة ما قبل البشرية في الخليج!!!

نعم الأنظمة قومية الاتجاه وإلى حد كبير تنموية الاتجاه سقطت في مشكلة مزدوجة :

         اعتماد الدولة الأمنية لتثبيت الحكم في الداخل

         والركون لحماية الدولة السوفييتية من عدوان خارجي امبريالي.

قاد تفكك الاتحاد السوفييتي إلى إزالة الغطاء الدولي فكان احتلال العراق وبعده ليبيا. واختلف حال سوريا بسبب عودة القطبية الى حد كبير، ولكن انكشف ان السطوة الأمنية كتنت فاسدة ولم تر الأعداء الجدد.

وهنا يكمن مأزق الديكتاتورية في الدولة قومية الاتجاه  في عدم الدمقرطة وانفصال الشعبي عن الرسمي رغم انها قدمت اجتماعيا واقتصاديا ما لا يمكن إنكاره. لكنها بقيت في خشية من الشعب، ولا شك ان للفساد دوره في تكريس هذه الخشية.

ما كان ولا يزال في خليج الريع النفطي افظع بكثير، فهي امنية بمخابرات قيادتها اجنبية ومحمية من الشعب بالجيش الإمبريالي ومحمية بها من الخارج إن كان عليها تهديداً.

لكن الفارق في الحالتين هو شعور المواطن في الدول قومية الاتجاه بالغبن وعدم المواطنة لأنه يعيش حالة حزبية وبرلمانية وثقافية..الخ ليست متوفرة في الخليج مما أهله للاحتجاج ناهيك عن أن الخليج بواسطة الريع ظل قادراعلى إطفاء لحظات التوتر بالمال والقوة.

ولعل ما فاقم الوضع في سوريا هو تبني سياسات البرالية الجديدة التي اخرجت الكثير من قوة العمل الريفية من سوق العمل. وهذا خروج من حزب البعث الحاكم على ما انجزه هو نفسه حتى العام 2000 اي بداية التحول الى ما يسمي السوق الاجتماعي. وهكذا، تراجع يسارية البعث مع هشاشة الأحزاب التقدمية الأخرى، انعكس في فقدان قوة العمل الفقيرة الشابة لكل من موقع العمل الإنتاجي ومنظمة الفعل السياسي  مما جعلها خزانا قابلا للانفجار وليس الثورة. وهو ما شكل بيئة حاضنة لإرهاب الثورة المضادة. لا اقصد القول بأن مواصلة السياسة الاقتصادية السابقة على النيو لبرالية كانت ستحول دون اي حراك اجتماي، ولكنني اقصد بأن الاقتصاد محرك  بل المحرك الأساس. أليس الاقتصاد وراء تفكك الاتحاد السوفييتي؟

مسألة السيسي مثيرة للجدل، نعم. وحكم الخليط مثير للجدل، وكثيرون يروون ما حصل في 30 حزيران انقلاباً. دعنا نسميه انفجارا شعبيا آخراً انحاز إليه قطاع قوي من الجيش او حتى خطط له، لكنه ليس انقلابا بل صراع على السلطة بين القوى. وهذا امر طبيعي. ألم تعتمد الثورة البلشفية على الجيش الروسي المعترض على هزيمته في الحرب؟

ليس هذا المهم. المهم هو مشروع شيطنة السيسي قبل أن يُفصح عن جوهره تماماً.  فهو يستخدم التكتيك العسكري حين تكون الذخيرة ضئيلة، لا يُطلق كثيرا سوى حين الضرورة.  بل يطلق في اتجاهات متناقضة كقائد قوة محاصرة تطلق تغطية على كل الجبهات.

ألاحظ أن الإعلام اصابنا نحن العرب بمرض ان يتحول كل مواطن إلى وكالة انباء يتسابق مع كل مواطن على السبق الصحفي وامتطاء الراي العام دون حقائق ملموسة. والأخطر ذلك التدفق والتدافع إلى التشكيك في كل شيء مما يربك الجميع.

يؤخذ على السيسي انه آت من الجيش، وبالتالي فأنه يُعسكر السلطة.

أعتقد أن هذا هراء. أيزنهاور كان جنرالا، وكل قادة الكيان جنرالات  باستثناء  ربما نتنياهو، ديجول كان جنرالاً…الخ فطالما ترك الجيش ولم يقم بانقلاب فمن حقه الترشح . وإذا كان الجيش يدعمه فهذا حقه في مخزونه الانتخابي كما هي الجماهير المؤمنة بالدين السياسي تدعم الإخوان والسلفية. وحتى لو كان 30 يناير انقلابا، ها هي الانتخابات قادمة فلماذا يُؤخذ عليه ذلك؟ إن موضة التحفظ والتشكيك والطعن كموضة بقصد إثبات المعارضة البحتة هي افيون للوعي.

ألا تلاحظ بان نفس التحفظ من مدخل آخر ضد الرئيس الأسد؟ حيث يحاولون منعه من الترشح لانتخابات يراقبها الله والناس!!! إذن هوالاستهداف عزيزي.

حين يلبس البزة المدنية يصبح مثل حمدين صباحي ومرسي وغيرهما.

حتى الآن لم اذكر الإشكالية الكبرى والحقيقية. فالإشكالية هي اننا تعودنا البحث عن المسيح المخلص دون ان نفعل شيئا سوى ان نرمي عليه هممنا ودموعنا وجوعنا. ولذا تظهر الخشية من السيسي. وحتى لو غيره وليس عسكريا سيكون التخوف من عدم حمله للأمانة.

ما يجب ان نقوم به في وجه السيسي هو موقف شعبي واضح برنامج شعبي واضح قوة شعبية واضحة تتجسد في مشروع حرب الشعب. وليس بالمفهوم الماوي المحدود في حينه  الذي صيغ لمرحلة ما في القتال الغواري بل حرب الشعب من حيث:

          برنامج اجتماعي اقتصادي تنموي يقوم على التنمية بالحماية الشعبية

         حرب الشعب  برفض كامب ديفيد

         حرب الشعب باحتثاث السيطرة الأمريكية على مصر.

         حرب الشعب بمعنى تمويل الخزينة من سندات قروض محلية ومن ضرائب على لصوص البلد من البرجوازية الطفيلية والكمبرادورية وحتى المنتجة التي تتمتع بإعفاءات غير صحيحة.

لا أريد الإطالة ولكن اعتقد ان برنامج حركة الديمقراطية الشعبية كما اوصله لي الرفيق سيد البدري  يضع السيسي على المشرحة.

اقصد ان دعم السيسي بمقدار تقاطع برنامجه مع برنامج حرب الشعب والحماية الشعبية. ومواصلة ذلك بعد نجاحه او نجاح غيره.

تذكر معي، عبد الناصر لم يؤمم القناة فورا لكنه قدم مقدمات حاز بها على رضى ومن ثم صبر الشعب عليه.

يصبح المطلوب من الطبقات الشعبية التمترس في قلعة الحماية الشعبية تنمويا وسياسيا وثقافية ووطنيا وقوميا وحرياتيا وطبقيا بلا شك  كي تجر الرسمي إلى الشعبي, فالتحدي هو لهذه الطبقات ولمن يحاول ان يكون حزبها.

بخصوص فلسطين، موقف السيسي او غيره يعتمد على حدود تبني البرنامج أعلاه، ولكن دون مغامرة وتسرعات. فتخريب مصر وطنيا وقوميا واقتصاديا بالطبع لقرابة 50 سنة لا يتم تجاوزه بسهولة. ومن هنا اي وطني يحكم مصر سوف يناور في علاقة ما مع السعودية وحتى مع امريكا والكيان ولكن في الوقت نفسه سوف يناور في تقارب مع البريكس…الخ ويقوم داخليا بما يستقطب الناس اي التشغيل والقطاع العام والحد الدنى للأجور…الخ. هو مشروع تخليص مصر من التجويف الداخلي والتجريف  داخليا وخارحياً. هو البدء حقا بالثوة الأولى ومن ثم الثانية والثالثة. (هذا ما حاولت شرحه في كتابي: “ثورة مضادة، إرهاصات أم ثورة”.

فيما يخص الإعدام السياسي، كانت اعلان عن إعدام 519 شخصا  تجربة فظيعة. أنا لم اقتنع انها محاكمات من اجل التنفيذ. لا أعتقد ان النظام بهذا القدر من الغباء. لقد لاحظت الهجمة على النظام وكأنه قام بالتنفيذ، وقد سألني اكثر من صديق ولم أُجب لأنني رايتهم منفعلين بالخبر وليس بمقدار ما يحمله من حدث. ، وهذا يفتح على وجود قرار بالهجوم عليه بغض النظر عن اية خطيئة. انا ضد الإعدام اصلا سوى ما يخص التجسس للعدو الأمريك-صهيوني، كنموذج وليس لإعدام كل عميل.

إذا كان سؤالك عن (مصر والمجتمع المدني) مقصود به ما اسميها منظمات الأنجزة، فأعتقد أن هؤلاء مزيج من الطابور الخامس (كعميل سري) وما اسميته الطابور السادس الثقافي كعميل علني.  هؤلاء اساساً لا يمثلون المجتمع المدني بمفهومه من هيجل عبر لينين وصولا إلى غرامشي. لأن منظمات المجتمع المدني محلية قاعدية جماهيرية ومن بنية البلد، أما هذه المنظمات فمتخارجة.

أما إذا كان سؤالك حول المجتمع المني بالمفهوم الفعلي، فاعتقد أن مصر ستواجه الصراع الطبيعي بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، بين الدولة ومنظمات المجتمع المدني التي تتوسط بين السلطة والشعب.

ولكن المسألة أعمق. ستواجه مصر الصراع بين الهيمنتين:

 هيمنة الطبقة الحاكمة (الهيمنة الأولى)

 ونقيضها محاولة هيمنة من جانب الطبقات الشعبية (الهيمنة الثانية)

اي النضال ضد سلطة البرجوازية وهذا نتيجته مرتبطة بالصراع الطبقي ساخنا او فاترا.