عزمي بشارة والتلاعب بالأفكار والمواقف والجماهير

فاضل الربيعي

في الرسائل الشهيرة لأنجلز- ماركس، كما ترجمها جورج طرابيشي قبل عقود، ثمة رسالة لافتة تبادلها أنجلز مع زعيم الحزب الأشتراكي الألماني كارل ليبكنيخت. كان ليبكنخت قد طلب من أنجلز أن يكتب مقالاً لصحيفة الحزب السرّية. بعد أيام قرأ أنجلز مقالته في الجريدة وهاله ما اكتشف: لقد تلاعب محرر الجريدة بأفكار المقالة وإلى الحدّ الذي بدت فيه كما لو انها قلبت راساً على عقب. وحين كتب رسالة احتجاج لزعيم الحزب، ردّ هذا بالقول: لقد اضطررنا لأجراء تعديلات على المقالة لكي تلائم برنامج الحزب، فما كان من أنجلز إلا أن كتب الرّد التالي: ومتى علمناكم، ماركس وأنا، ان السياسة أهمّ من الأفكار؟ حقاً، متى كانت السياسة أهمّ من الأفكار؟

الأفكار هي التجسيد الأعلى للسياسة. والمفكرّ في تعريف بسيط للغاية هو منتج أفكار. ولأن الفكر أهم وأعمق وأكثر تأثيراً من( السياسة) بمعناها اليومي كشعارات ومواقف تكتيكية، فقد حظيت مكانة المفكر ووظيفته كمنتج أفكار بإعجاب وتقدير الناس على مرّ العصور.إن دراسة حالة عزمي بشارة، وتشريح ظاهرته، يمكن أن تقدّم لنا فكرة جديدة بالفعل عن الطريقة التي يجري فيها ( تلفيق) المفكر. لقد تمكنّ نصّاب سياسي من أن يقدّم نفسه كمفكر، وكانت محطة الجزيرة- وبفعل الماكنة الغوغائية التي اأنشأتها في غرف التحرير- هي من خلق هذا ( الكائن ) الغريب والفريد في نوعه. ظهر عزمي في قناة الجزيرة كمزيج من محلل سياسي ومناضل فلسطيني، وذلك ما ساهم في تضليل الجمهور العام. وفي الواقع لم يحدث في التاريخ السياسي الحديث للعرب، أن تلاعب مثقف عربي بالحقائق والنظريات والأفكار كما تلاعب عزمي بشارة. كان تأثيره مستمّداً بالكامل من شبكة علاقات عنكبوتية، نسجها مع أنظمة ومؤسسات وأجهزة مخابرات دول عربية كثيرة، لعل نموذج علاقته بسورية وحزب الله أكثرها سطوعاً. كما لم يحدث – منذ ما يسمى بعصر مثقفي التنوير أو النهضة حتى اليوم- أن قام مثقف أو كاتب عربي، بالتلاعب بالجمهور العام بفضل شبكىة العلاقات هذه، كما فعل بشارة؛ إذ اتاحت له اطلالته الأسبوعية في محطة الجزيرة طوال سنوات، والطريقة الاستعراضية التي يفدم فيها نفسه كمفكر، أن يظل على تماس مباشر مع جمهور عريض ومن مختلف الطبقات.

كان نقده للسلطة الفلسطينية ومعارضته ( او ما بدا كذلك) لاتفاق أوسلو، ثم علاقته الصريحة بسورية وحزب الله، وتبنّيه العلني لـ ( خطاب المقاومة والممانعة) وبشكل أخصّ علاقته الشخصية المتميّزة مع الرئيس بشار الأسد، قد اكسبته- كلها ودفعة واحدة- صدقيّة غير مسبوقة في الترويج لخطابه القومي الجديد. إن سرد حكاية هذا التلاعب تستحق بذاتها أن تروى مستقلة ًعن اي اي وقائع أخرى. يروي المؤرخ- والصحفي- المصري الكبير محمد حسنين هيكل، فصلاً منسياً في هذه العلاقة، فقد سأله الرئيس الراحل حافظ الأسد في لقاء جرى في دمشق حول رؤيته للوضع الداخلي الإسرائيلي؟ يقول هيكل، انه نصح الرئيس الأسد الأب،أن يستقبل عزمي بشارة وأن يسمع، فهو الأقرب لمعرفة ما يجري هناك، فبادره الرئيس الراحل متسائلاً بدهشة: أتعني هذا الرجل الإسرائيلي؟ يقول هيكل: فقلت للرئيس الأسد أنه من فلسطينييّ 48 ويحمل الجنسية الإسرائيلية. إن الذين يعرفون الرئيس الراحل حافظ الأسد، لا يشكوّن لحظة واحدة بنفاذ بصيرته ومعرفته الدقيقة والتفصيلية بكل شاردة وواردة، وبأن سؤاله عن بشارة لم يكن برئياً أو ناجماً عن عدم معرفة حقيقية، فقد كان الأسد الأب شديد الحسّاسيّة حيال مسألة اكتساب فلسطينيي 48 الجنسيّة الإسرائيلية، وهو أمر يمكن التاكد منه بدقة من واقعة هامّة للغاية، إذ أدارالرئيس الأسد منذ الثمانينات من القرن الماضي سياسة (رفض الهوية الإسرائيلية) في الجولان السوري المحتل، وكان الإعلام السوري في عهده عنيداً حيال تقبّل فكرة ( زيارة فلسطينييّ الداخل) لسورية أو أي بلد عربي.

جرى اللقاء الأول بين الدكتور بشار الأسد ، وعزمي بشارة، قبل شهرين فقط من وفاة الرئيس حافظ الأسد. بعد ذلك قام بزيارات متعاقبة لسوريا حضر في احداها حفل ذكرى وفاة حافظ الأسد السنوية في القرداحة عام 2001 . وفي هذا الاحتفال التأبيني، ألقى عزمي -بحضورالرئيس بشار الأسد وزعيم حزب الله حسن نصر الله – كلمة تأبينيّة أكد فيها ( على ضرورة مقاومة العرب المشتركة للسيادة الإسرائيلية).في اعقاب هذه الزيارة والكلمة ( الثورية) بدأت في إسرائيل عاصفة من الغضب وطالب أحد أعضاء البرلمان (بتصفيتة بشارة) واتهمه آخر بالخيانة، بينما سارع المدعي العام الإسرائيلي باتخاذ إجرءات ضده أدت إلى رفع حصانته البرلمانية. في هذا الوقت شكلّ بشارة صورته ( الثورية) كمنظرّ للفكر القومي الجديد، وهو أمر وجد صداه المذهل في الإعلام السوري، وفي أوساط حزب الله ثم في أوساط القوميين العرب على امتداد الوطن العربي. وفي لقاء مع صحيفة ( الوطن السورية : 16 أيلول/سبتمبر 2007 ) أبدى بشارة رأيه الصريح بالرئيس بشار الأسد ، وقال ما يلي :

(أعتقد أن الرئيس بشار الأسد أقوى مما يفكرون كثيراً، بشار الأسد هو أحد الأشخاص الموهوبين جداً الموجودين اليوم في العالم العربي، من ناحية المستوى الثقافي ومن ناحية صفاء التفكير أيضاً)

كان تحليل عزمي بشارة للوضع في سورية في هذا الوقت ( 2007) ينطلق من أرضية النقد اللاذع لكل الاطروحات والتحليلات التي لا ترى في سورية قوة قومية قائدة، وبلغت حماسته لدور سورية درجة تفوق الوصف، فقد رأى في المقابلة مع ( الوطن) ما يلي : ( في بعض الصحافة العربية تجذرت المفاهيم القائلة بوجود مجموعة قديمة وأخرى جديدة في سورية: وهذا غير صحيح. فوجئت بأن ذلك مغلوط إلى حد كبير. هناك الكثير من الخيال الصحفي الخصب في تحليل ما يجري وراء الكواليس في سورية، الأمور أبسط من ذلك بكثير. لكنه يظل صحيحاً القول إن الرئيس بشار الأسد يعكف على البحث عن جيل من التكنوقراطيين، ليتولوا المسؤولية عن مجالات معينة ويقوموا بإدخال الإصلاحات فيها، وأن يكونوا حقاً مسؤولين في مكاتبهم ووزاراتهم. وألا يخشوا اتخاذ القرار، الرئيس بشار الأسد يبحث عن نوع من الناس ممن لا يخافون اتخاذ القرار).

هذا ما قاله بشارة حرفياً بحق الرئيس الأسد قبل سنوات.

كانت دعوة عزمي بشارة لتأييد الرئيس بشار وقيادته لسورية الجديدة، قد فاقت- في هذا الوقت- حتى أكثر دعوات الغلاة من الخطباء، الذين يستغلون مناسبات من هذا النوع، لإبداء مشاعر وعواطف شخصية متأججة، ممزوجة بمواقف مثيرة. وقد تتجلى هذه الدعوة في المقتطف التالي من ( مقابلة الوطن ).

يقول عزمي بشارة ما يلي:

( أدار الرئيس بشار الأسد الكثير من السياسات السورية، لكن على نار هادئة، ففي السنوات الأخيرة من حياة الرئيس حافظ الأسد لم يترك بشار الأسد والده دقيقة واحدة وتعلم منه كل ما لديه من حكمة عن الحياة. كذلك تعلم الخريطة اللبنانية بصورة ممتازة، تعلم بشار الأسد جيداً من تجربتين- التجربة الأوروبية الشرقية والتجربة المصرية، وهو يرى التجربة الشرق أوروبية على أنها انهيار اجتماعي، حيث لم تصنع التعددية الديمقراطية، وقد خبر هذه التجربة، وفي مصر توجد أشياء تعجبه، من ناحية نسب النمو، إلا أن الاستقطاب الهائل بين الغنى والفقر لا يعجبه.شخصياً ، فإنني أرى الأمور على النحو التالي: عندما نتحدث عن الرئيس بشار الأسد، فإننا نتحدث عن رجل وصل السلطة في دولة تمر بوضع صعب، تهديدات الحرب، الوضع في لبنان، انهيار الاتحاد السوفييتي، الذي أدى إلى فقدان مصدر للتسلح. لم يأت بشار الأسد على ظهر انقلاب، بل من داخل السلطة، الحديث هنا لا يدور عن مثقف قيادي بل عن رجل دولة، سياسي، من المفترض أن يدير الدولة. ماذا يجب أن أتوقع من ذلك؟ أقول إن لدى الرئيس بشار الأسد أفكاراً جديدة حول كيفية التجديد، ولديه حساسية مفرطة لألم الناس ومعاناة البشر، إنني أرى أملاً كبيراً في ذلك).

اليوم يكتب عزمي بشارة على صفحته في ( الفيس بوك) وبعد سنوات قليلة فقط من هذا اللقاء، ولكن متناسياً ما قاله عن الرئيس السوري ( كمثقف قيادي لا رجل دولة وحسب) ما يلي :

(إن جرائم هذا النظام المنحط ترتكب في وضح النهار، ولا تحتاج إلى هزيمة النظام أو موت الرئيس لكي نكتشف حجمها)

فكيف أصبح الرئيس الذي ( لديه حساسية مفرطة لألم الناس ومعاناة البشر) هو نفسه رئيس ( النظام المنحط)؟ كما يكتب بشارة في ( الفيس بوك ) وأن الشعب السوري لن ( يقبل بأقل من التخلص من عصابة المجرمين والقتلة السفاحين)؟

فأي القولين هو الحقيقي؟ وكيف يمكن تخيّل هذه الدرجة من التلاعب بالجمهور العام؟ وهل يمكن للجمهور نفسه الذي صدّق تحليلات بشارة عن دور سورية المقاوم، أن يصدّق ما يقول الشخص نفسه عن النظام نفسه؟ لكن، كيف أصبح الرئيس الذي( لديه حساسية مفرطة لألم الناس ومعاناة البشر) هو نفسه الرئيس الذي يقود (عصابة المجرمين والقتلة السفاحين)؟ وهل في هذا النمط من التحليلات أي قدر من الصدّقية؟

ليس هذا التلاعب في الصور التي يحللّها ( مفكر الجزيرة) مجرد ردّ فعل عاطفي على أحداث سياسية بعينها أخرجته عن طوره وجعلت منه شخصاً انفعالياً، والأدّق، انه فعل ذلك بدوافع وبواعث خارج عالم الفكر الحقيقي.أي أنه أنجز انتقاله من شعارٍ إلى نقيضه، ومن فكرة إلى نقيضتها، ومن صورة حقيقية إلى صورة أخرى زائفة، فقط بفعل قطيعته مع الفكر وانتقاله الكليّ والشامل إلى السياسة، بوصفها نوعاً من التلاعب والمراوغة بالشعارات. ولو كان بشارة باحثاً حقيقياً أو مفكراً، لكان أجرى تعديلات فكرية جرئية وعميقة على مواقفه السياسية، وتأسيس تصورّات نقدية لكل فكرة روج لها ثم تخلى عنها، قبل أن ينصبّ نفسه ناقداً لمواقف الآخرين، أي قبل ان يبادر إلى جرّ الجمهور إلى شعارات متصادمة بعضها مع بعض؟ لقد انتقل بشارة من صورة إلى أخرى، ومن موقف لنقيضه، بالسهولة ذاتها التي انتقل فيها من الشيوعية إلى الفكر القومي ومن الفكر القومي إلى الوهابية- الأخوانية. الغريب في سلوك بشارة، انه- وهو العضو السابق في الكنيست الإسرائيلي- لا يجد تهمة مناسبة يلصقها بالرئيس السوري الذي يحكم بوصفه مثقفاً ثياديا لا مجرد حاكم، ولديه ( أفكار تجديدية) وهو الرئيس الذي ( يقاوم الهيمنة الإسرائيلية) سوى تهمة ( أن اللوبي الإسرائيليي يشكل أحد أهم المدافعين عن النظام في أوساط صنع القرار في الغرب).

قديما قال المتنبي: رمتني بدائها وانسلتِ

:::::

“الخليج الآن”

الرابط:

http://www.alkhaleejelan.com/index.php?option=com_content&view=article&id=19859%3A2014-03-31-08