إذا بدأت القصيدة بعمرو موسى فبأي بيت تنتهي؟

محمد عبد الحكم دياب

من يعرفني من بين الثوار والوطنيين، شبابا أو شيبا لا يخفى عليه موقفي الثابت من الخلل البادي في مسار الثورة المصرية، ولا يغيب عنه رأيي في الأولويات المقلوبة لمراحل الانتقال المتعددة، منذ النشأة الأولى،25 كانون الثاني/يناير 2011، وحتى يومنا هذا، وموقفي هذا لاعلاقة له بالتزام حزبي أو أيديولوجي من أي نوع، وقد يستغرب غير المقربين، ما أقول، ومنبع هذا فهم يتعامل مع الثورة على أساس عبورها للأيديولوجيات والأحزاب والطوائف، وقد استقر ذلك الفهم لدي من الأسبوع الأول للثورة، وألتزمت بألا أراهن على ما لم تراهن عليه الثورة، وحين أُفصح عن هذا الموقف فلمنع خلط الحابل بالنابل، وعدم الدخول في جدل عقيم، حول ما أتصوره تشخيصا غير سليم لحالة الثورة، وتحصينا للنفس من الوقوع في وهم المكاسب والمغانم والانتصارات، في مجال ليس فيه انتصار إلا انتصار الثورة على نفسها أولا، ثم على من ثارت عليهم ثانيا
وبغض النظر عن مدى صواب وجهة النظر هذه من عدمه، فأنا لا أنزعج كثيرا للخلاف القائم بين الأحزاب السياسية والفرق الدينية والجماعات الثقافية حول ربط المسارات على قواعد المصلحة والهوى، وكثير منها يقوم على التحريف والتأويل والتعتيم وحجب الحقائق. ولم يستفزني وصف 30 يونيو بالانقلاب، وإن كنت قد ضحكت على ‘فانتازيا الفوتوشوب، فالعبرة بموازين القوى وإمكانية عودة ما تم التفريط فيه، وهذا درس على الجميع أن يتعلمه، وكل من يتطلع إلى الحكم في كل بلاد الدنيا معرض له، ولقد وُصف تحرك الضباط الأحرار في 1952 بالانقلاب، وهذا لم يصادر على انطلاق مصر في تلك الحقبة أو يوقف تقدمه
والخلاف من سنن الحياة، واجبة القبول والاتباع، والمطلوب هو بذل أقصى جهد لضبطه والمحافظة على سلميته، وتفادي تحوله إلى اقتتال عبثي، كالذي يجري الآن، وفشلت الطبقة السياسية بشكل عام، في تحقيق هذا الضبط، وحصرت كل جماعة أو فرقة منها نفسها في ‘غيتو’ خاص بها لا تبرحه، وضِيق ‘الغيتو’ وظلمته تعمي الأبصار والبصائر، وتصم الأذان، فلا يرى المرء إلا ما يريد أن يراه، ويسمع ما يرغب في سماعه.
وشجع اعوجاج مسار الثورة واختلال بوصلتها على تفاقم الأوضاع وتعقيدها، وأعاد لذاكرتي ما قال به عباس محمود العقاد عن القياس الأرسطي (نسبة إلى الفيلسوف اليوناني أرسطو(، واعتماده على أمور بديهية واضحة، ليست في حاجة لبرهان وصادقة، لا تغيرها دورات الزمان ولا متغيرات المكان، ومن المفترض في مقدمات تحمل هذه الدرجة من المصداقية أن تفضي إلى نتائج على نفس مستواها.
وحاول العقاد إثبات أن المقدمات البديهية ليس شرطا فيها أن تودي إلى نتائج سليمة، وضرب مثلا بمقدمة بديهية تقول: ‘إن الفرار من الحرب جبن، ووضعها في سياق لفظي مخادع يقول ‘أن الجبن يؤكل’..فتكون النتيجة ‘أن الفرار من الحرب يؤكل’. وهو قياس فاسد يغلب على أمور الساسة وتصرفاتهم الراهنة، فتسببوا في كوارث رغم سلامة المقدمات، فخطاب الثورة انطلق من مثل عليا لا يختلف عليها أحد، وجاءت النتيجة حمامات دم، وأرواح تزهق، ونيران تشتعل في كل ركن وكل مكان، وانطلقت المثل العليا للثورة من الكفاية والحرية والعدل والكرامة الذاتية والعزة الوطنية، وهذه مقدمة بديهية، لكنها انتهت إلى نتيجة مؤداها أن الثورة مؤامرة وخيانة وحماقة، وقبلت الطبقة الحاكمة بالنتيجة، تلميحا أو تصريحاوحكمت واستحكمت في القرار السياسي طوال السنوات الثلاث التي مضت. ولم تفصح عن ذلك القبول، ومارسته بالفعل،
وتحركت دواليب العنف المذهبي والإنعزالي، تحميها جحافل الإعلام المضاد، يشوه الثوار ويشيطن الثورة، وأبعدها عن الحكم، وبقي النظام القديم في طبعتيه المدنية والمذهبية متحكما في الأرزاق والأعناق والأفكار، وتمرس على الرضوخ لبعض المطالب فحصن نفسه وبقي مسيطرا على القرار والثروة والقوة، وشيطنة الثورة أبعد الشباب عن الدولة، وهم الذين لعبوا الدور الأكبر في حشد الشارع وتحريكه، ومئات منهم استشهدوا وآلاف أصيبوا وآلاف مثلهم حوكموا، بينما حصل فلول وضباط شرطة مبارك على براءات لا براءة فيها، ولم يأت ذلك لسلامة الموقف القانوني، إنما لفساد قواعد وآليات التعامل مع الثورة، وبذلك تفرق دمها بين القبائل السياسية، حكومة ومعارضة.
وقع الثوار في أسر المطلب الواحد، فهم يهبون ويجتمعون وينجحون في فرض مطلب ‘الشعب يريد إسقاط النظام، وتمكنوا في المرة الأولى من خلع مبارك، وفي الثانية عزلوا مرسي، لكن لم تتجمع الحشود ولا حدث تحريك صوب ‘الشعب يريد إعادة بناء النظام، وبدا الأمر حسب ما نوهنا مرارا أننا أمام ثورة في مقدورها أن تُجمع على مطلب واحد، وتعجز عن بلورة مشروع للتغيير بمطالبه والتزاماته المتعددة والشاملة، ولم تستخلص أو تبلور اي مشروع ثوري تفصيلي، وبرنامج وطني جامع حتى الآن.
ومنذ25 يناير والثورة وخيارات الثورة تتحرك بين السيئ والأسوأ في مجالي الحكم والتشريع، وميدان التحرير هو الذي اختار عصام شرف رئيسا للوزارة، والمجلس العسكري برئاسة طنطاوي اختار كمال الجنزوري لنفس المهمة، ومحمد مرسي اصطفى هشام قنديل، وميزان القوى السياسي والاجتماعي المختل سمح للقوى المذهبية والطائفية للإمساك بزمام التشريع، بتأثير تداعيات ‘غزوة الصناديق’. وبعد 30حزيران/يونيو 2013 تولى حازم الببلاوي رئاسة الوزارة وخلفه ابراهيم محلب، وتزداد الأوضاع الأمنية سوءا، ويتراجع الاقتصاد ولا يتقدم، وهكذا.
وأشرت في مقالي الماضي إلى تعهد السيسي بعدم العودة إلى ما قبل يناير 2011، أو ما قبل 30 حزيران/يونيو 2013، لكن هذا التعهد قرب الفلول من دائرته، ودخلت عليه شخصيات لعبت دورا في إفساد مبارك وأمركته، وهذا ليس في صالح السيسي، ونجد عمرو موسى الطامح في رئاسة مجلس النواب المقبل، وإن لم يكن فرئاسة الوزارة المقبلة نجده في قلب الحملة
ويعلم السيسي كرئيس مخابرات عسكرية سابق مستوى الإرتياح الذي عم الأوساط الصهيونية فور إعلان عمرو موسى عن نيته المنافسة على رئاسة مصر لأنه ‘لن يكسر قواعد اللعبة’ التي اتبعها مبارك. وذكر نائب رئيس الوزراء الصهيوني سيلفان شالوم، أن تجربة موسى في الجامعة العربية أثبتت عدم خروجه عن سياسة النظام العربي الرسمي، وفي مقابلة مع الإذاعة العبرية وقتها، قال شالوم إن موسى دافع بقوة عنمحور الاعتدال العربي’ في مواجهة الإرهاب. وأبدت زعيمة المعارضة ووزيرة الخارجية الصهيونية السابقة تسيفي ليفني ارتياحها لإعلان موسى نيته الترشح للرئاسة. وفي مقابلة إذاعية، ذكرت أنه لم يخرج عن الحدود المرسومة له، ولم يتدخل جديا عندما قمنا بفرض الحصار على غزة، ولم يستغل موقعه ضدنا عند قصف غزة في حملة ‘الرصاص المصبوب، أواخر عام 2008، علاوة على وقوفه ضد حزب الله. وطالبت حكومتها بالتعاون مع واشنطن من وراء حجاب، والضغط لانتخاب رئيس يلتزم بـاتفاقية كامب ديفيد’ ويواصل ما أسمته ‘الموقف الشجاع لمبارك ويتعاون مع حكومتها والغرب في الحرب ضد الإرهاب في المنطقة العربية.
ورسم رفعت سيد أحمد مؤسس ورئيس مركز يافا للدراسات والأبحاث بالقاهرة صورة واضحة لعمرو موسى، فوصفه بأنه نام في حضن نظام مبارك لأكثر من 40 عاماً منها عشر سنوات وزيراً للخارجية1991) 2001)، وأميناً عاماً لجامعة الدول العربية (2001- 2011) كان أثناءها يتلقى أوامره من مبارك شخصياً. وأضاف انه أكد في محاضرة بتاريخ 8/3/2011 إقراره بوجود الدولة الصهيونية كأمر واقع لا يمكن تغييره
وبعد ما نشر من وثائق لمباحث ‘أمن الدولة’ وأشار إليها سيد أحمد، أظهرت تكليف ‘أمن الدولة’ لعمرو موسى بالنزول إلى ‘ميدان التحرير’ لتهدئة المتظاهرين، وصرفهم إلى بيوتهم حماية لنظام مبارك من السقوط. ويعد عمرو موسى أبرز ركائز ‘التطبيع، وصاحب ‘علاقات حميمة’ بالإدارة الأمريكية
ولعب عمرو موسى على مدار تاريخه، دور الموظف الرسمي، الذي لا يمت للسياسة أو المبادئ بصلة، وارتقى حتى شغل وظيفة وزير بالخارجية المصرية، ثم أمينا عاما لجامعة الدول العربية،(مثل البرادعي، الذي بدأ موظفا في الأمم المتحدة ووصل إلى رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية)، وذكر أن موسى :
– عمل مع جهاز أمن الدولة السابق حتى النزع الأخير للجهاز وللنظام.
نام في حضن مبارك لأكثر من 40 عاماً، ينفذ كافة أجنداته الداخلية والخارجية.
عمل مطبعا من طراز خاص، ومشاركا في تأسيس ‘جمعية القاهرة للسلام، المعروفة باسم ‘جماعة كوبنهاغن’ برئاسة لطفي الخولي أوائل التسعينات ومن أبرز وجوهها عبد المنعم سعيد الرئيس الأسبق لمجلس إدارة ‘الأهرام، ورئيس مجلس إدارة ‘المصري اليوم’ الحالي
– عقد مؤتمرا لدعم ‘شيمون بيريز في مواجهة نتنياهو في شرم الشيخ
– عقدت الخارجية في عهده أكثر من 15 اتفاقاً مع الدولة الصهيونية.
هذا بالإضافة إلى وثيقة نشرتها صحيفة ‘اليوم السابع عبارة عن خطاب سري من عمرو موسى كوزير خارجية، في 12 تشرين الثاني/نوفمبر 1993 إلى وزير البترول حمدي البنبي.. يوافق فيه على تصدير الغاز لغزة والدولة الصهيونية، وفي معيته أرسل خطابين آخرين لرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، وافق فيهما وأيد وزارة البترول البدء في تصدير الغاز للدولة الصهيونية. هذا هو عمرو موسى، الظاهرة الصوتية الأكثر إلتصاقا بحملة السيسي، ووجوده فيها يسحب من رصيد السيسي، ويقلل من شعبيته الكاسحة.
التحذير هنا واجب، وكنت أتصور أن ملف موسـى المليء بالسقطات يدفعه للإنسحاب بهدوء ويتوارى عن الأنظار، وإذا ما أصر على وجوده فملفه متخم بكل ما هو مشين. والمسؤولية الوطنية تستوجب ما هو أكبر من النصيحة.. فالملف به الكثير عن دوره خارج مصر وبه قصص وحكايات لم ترو بعد، ويعرفها بعض عرب لندن.
ونعود إلى الجزء الأول من هذه السطور، لأقول لشباب الثورة لا تتأخروا اكثر من ذلك، وليكن الحراك المصاحب لانتخابات الرئاسة بداية جديدة لكشف الاختراقات، وعلاج الانقسامات، وبناء دولة الثورة القوية، ونظامها الوطني القادر على رفع شأنها.