التقرير الأسبوعي لمراكز الأبحاث الاميركية

رئيس التحرير: د. منذر سليمان

نائب رئيس التحرير: جعفر الجعفري

 

مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

واشنطن، 4 نيسان (ابريل) 2014

المقدمة:

          تقدمت المواضيع الداخلية على الخارجية في خريطة اهتمامات مراكز الفكر والابحاث الاميركية، بعد انقضاء جولة الرئيس اوباما لاوروبا والجزيرة العربية.

سيستعرض قسم التحليل تشابك حدثين سيؤثران بالنسيج الاجتماعي الاميركي لعقود مقبلة: قرار المحكمة الاميركية العليا برفع القيود المفروضة على حجم التبرعات المالية للمرشحين للانتخابات؛ واستضافة الملياردير اليهودي شيلدون اديلسون لاربعة مرشحين محتملين عن الحزب الجمهوري لخوض الانتخابات الرئاسية، للاستدلال على توجهاتهم وانتقاء الرابح منهم لتمويل حملته. اللافت ان ولايات “الضيوف” الاربعة تتميز بحضور كثيف للجالية اليهودية لكنها صوتت لصالح الرئيس اوباما في الحملة السابقة. اما “الضيوف” فيعانون من شح تأييد القاعدة الانتخابية لاسباب متعددة، وستتباعد المسافة اكثر بعد اختيار اديلسون للمرشح المفضل.

ملخص دراسات ونشاطات مراكز الابحاث

“اسرائيل” تقايض اميركا

          ارتفعت وتيرة توقعات السياسيين والمراقبين لبروز بصيص أمل بشأن توصل السلطة الفلسطينية و”اسرائيل” الى اتفاق وفق الشروط التي حددها وزير الخارجية جون كيري. وما لبث ان برز حديث يؤشر على نية الولايات المتحدة اطلاق سراح الجاسوس المعتقل جوناثان بولارد كجزء من صفقة شروط التفاهم التي اشرف عليها كيري.

          واعتبر معهد المشروع الاميركي الامر، لو حدث، بانه صفقة “يقدمها جون كيري لرشي الاسرائيليين استباقا لتاريخ انتهاء المفاوضات في 29 نيسان .. اطلاق سراح جاسوس يمضي فترة محكوميته لاقناع الاسرائيليين باطلاق سراح” الفلسطينيين واستئناف المفاوضات. وسخر المعهد من وزير الخارجية والرئيس اوباما للتدخل في صلاحيات السلطة القضائية.

مصر

          اشار معهد بروكينغز ان اكثر ما تحتاجه مصر في هذه الظروف هو الثنائي “الاستقرار السياسي والديموقراطية .. وحكومة باستطاعتها لعب دور الشريك الفعال في الأمن الاقليمي.” واستطرد بالقول ان الجيل المصري “الناشيء قد لا يكن حبا للولايات المتحدة او اسرائيل، بيد انه يريد لبلاده لعب دور شريك في نظام العولمة الذي تعد هاتين الدولتين مثالا يحتذى به.”

العراق

          اعتبر معهد الدراسات الحربية ان “تنامي احداث العنف في العراق ومنطقة ديالى بالتحديد .. تقع مسؤوليته على عاتق تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام .. الذي اتخذ من ديالى عاصمة لتطبيق مفهوم امارته الاسلامية.”

الجزيرة العربية

          رصد معهد واشنطن الخلافات بين دول مجلس التعاون الخليجي “وتنامي تناقضاتها الداخلية .. وعدم امتثال قطر لالتزامات قطعتها سابقا” بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين “اذ ان جذر الازمة الراهنة في مجلس التعاون يكمن في دعم قطر لتنظيم الاخوان المسلمين ..”

تونس

          رحب معهد كارنيغي توصل الاطراف الى “تسوية سياسية .. التي لم تكن لترى النور لولا التنازلات التي قدمتها النقابات العمالية،” وحذر الدول الغربية من “استنتاج الدروس الخاطئة الناجمة عن هذا الوضع المثير.” وحثها على السعي “لتطبيق المثال التونسي على حالات اخرى مبنية على اهمية الدور التفاوضي والقوي الذي وفرته المؤسسات الخارجية الشرعية” لانجاز الحوار الوطني البناء.

تركيا

          تناول صندوق جيرمان مارشال للتنمية “الوصفة السرية لنجاح اردوغان” وحزبه في الانتخابات المحلية “على الرغم من عدد الفضائح التي تلاحقه.” وقال ان الوصفة تستند الى مزيج من البرامج “لتوفير الخدمات الاجتماعية واستقطاب القاعدة الانتخابية وشحن همتها للابتعاد عن الاحزاب الاخرى.” وحذر بالقول ان سياسة الاستقطاب الحادة التي يتبعها اردوغان “تقود الى تأجيج ونقطة يصعب فيها حكم البلاد .. ومعرضة للانقلاب عليه في حال تدهور الاحوال الاقتصادية.” واعرب عن امله ان يأخذ اردوغان بعين الاعتبار توجها توافقيا يعينه في مرحلة “تسليطه النظر نحو منصب رئاسة تركيا.”

تراجع دور النفط في السياسة الاميركية

          تناول معهد كارنيغي حتمية تفوق مكانة الولايات المتحدة لتصدير النفط، بعد استكشافات الصخور الزيتية، وما سيحمله من تداعيات على سياستها الشرق اوسطية. وقال ان الكم النفطي الاضافي قد لا يترجم نفوذا في المدى القريب نظرا لأن “مصافي النفط العالمية لا تطمح لتكرير النفط الاميركي عندها بسبب الهيكلية الانتاجية القائمة .. اذ ان معظم الدول الاخرى تستخدم وقود الديزل ومشتقات الزيوت الثقيلة لتسيير صناعاتها ووسائل نقلها، والاقبال على وقود البنزين ليس عاليا ..” بخلاف الولايات المتحدة التي يكثر فيها الاقبال على البنزين على حساب الديزل. واضاف ان الولايات المتحدة “استثمرت عشرات المليارات من الدولارات في مصافيها النفطية بغية تكرير النفط الخام الثقيل واستخراج مادة الديزل للتصدير.” ولفت المعهد النظر الى بؤس توقعات صناعة النفط الاميركية للاكتشافات الاخيرة، مما “احال المصافي الاميركية الى عدم التوافق مع تقنية التكرير المستحدثة بهدف الاستجابة لمتطلبات الخام الصخري.”

التحليل:

كيف يشتري مال القمار الصهيوني البيت الابيض؟

اموال الاثرياء ومباركة القضاء يصنعان الرئيس المقبل

          حدثان متتاليان، وان ليس مترابطين، قفزا الى صدارة اهتمامات الاميركيين هذا الاسبوع  ومن شأنهما ترك تداعيات طويلة الأجل على المشهد السياسي والانتخابي لعدة عقود مقبلة؛ وقد تركا بصمات جلية تفيد بسيطرة شريحة شديدة الثراء وقليلة العدد على النتائج الانتخابية والمستقبل السياسي القريب من ناحية، وتعميق معاناة القوى الشعبية والمهمشة تحت وطأة هيمنة رأس المال المصرفي على مراكز صنع القرار.

          الحدث الاول، اصدار المحكمة العليا الاميركية قرارا قضائيا يرفع فيه كافة القيود الموضوعة على حجم التبرعات الفردية المسموح بها لاي مرشح لمنصب سياسي؛ وعليه يصبح بوسع الاثرياء التبرع بمبالغ ضخمة غير مسبوقة والتي كانت محددة بنحو 2،600 دولارا للفرد، و 10،000 للحزب او متفرعاته من اللجان السياسية والداعمة.

القرار أتى انعكاسا لسيطرة ونفوذ التيار المحافظ على المحكمة، منذ عهد الرئيس الاسبق نيكسون، واستطرادا على التوجهات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الاميركية، باغلبية 5 ومعارضة 4 قضاة. وعلل رئيس المحكمة العليا وزعيم الاغلبية المحافظة، جون روبرتس، القرار المفصلي بالقول ان “انفاق مبالغ كبيرة متصلة بالعملية الانتخابية .. لا يعزز مفهوم الفساد السائد والمنفعة المتبادلة .. دور المال في السياسة قد يبدو احيانا كريه ومثير للاشمئزاز عند البعض، وينطبق ذلك ايضا على كم من محتويات ونصوص مادة التعديل الدستورية الاولى التي تسعى بقوة لحماية” حرية التعبير. الفريق القضائي المعارض في العليا وصف القرار بأنه “ينتزع القيود القومية والقوانين الناظمة لتمويل الحملات الانتخابية.”

          وزارة العدل الاميركية اعربت عن قلقها البالغ للتداعيات المستقبلية الناجمة عن القرار “المصيري” في بيان اصدره النائب العام قائلا، بعد اليوم “سيصبح في متناول مجموعة يقل عددها عن 500 فرد تمويل كلفة الحملات (الانتخابية) بالكامل. هناك خطر حقيقي ماثل قد يؤدي الى سيطرة تلك المجموعة على كافة مرافق الدولة وادارتها” خدمة لمصالحها. قرار العليا من شأنه قطع الفواصل المسلم بها لمفهوم حرية التعبير المقدسة واعلاء شأن تمويل الحملات الانتخابية كنمط من انماط حرية التعبير.

          الحدث الثاني يتعلق بالاصطفاف المبكر لمرشحي الرئاسة المرتقبين عن الحزب الجمهوري وتقربهم من مصادر التمويل الضخمة لدى الجالية اليهودية الاميركية. ففي 29 آذار المنصرم استضاف الملياردير اليهودي شيلدون اديلسون اربعة مرشحين محتملين عن الحزب الجمهوري في مركز نشاطاته الاقتصادية، كازينو “فينيشيان” للقمار في مدينة لاس فيغاس. تمت الدعوة تحت رعاية مجموعة تدعى “تحالف الجمهوريين من اليهود،” يمولها كبار الاثرياء، ينصتون للمرشحين وهم يكيلون آيات الاطراء والتغني “باسرائيل” والتسابق على مدى الالتزام بدعمها وتأييدها في سياساتهم المقبلة. يدرك المرشحون لمنصب الرئيس ان الفوز بتبرعات اديلسون السخية مرهون بالتماثل مع مطلبه الثابت والرئيس: مدى التزام الرئيس المقبل الفعلي بدعم “اسرائيل.”

          الحدث اثار اعتراض صحيفة نيويورك تايمز التي جاءت افتتاحياتها بتاريخ 31 آذار بغضب وتهكم تحت عنوان “الوقوف بالصف لتقبيل قدمي اديلسون،” موضحة ان مجموعة التحالف صاحبة الدعوة هي “احدى الهيئات المملوكة بالكامل لاديلسون .. اذ اصطف امامه مرشح تلو الآخر .. بغية نيل رضاه …” كما لفتت الافتتاحية النظر الى خطورة انتشار ظاهرة “محبي السامية،” كنقيض لمعاداة السامية، بين اقطاب الحزب الجمهوري لمحاباة منابع التمويل المصرفي.

          يصنف اديلسون بانه واحد من 10 شخصيات مفرطة الثراء على المستوى العالمي، وتقدر ثروته بنحو 47 مليار دولار العائدة من ملكيته وادارته سلسلة من كازينوهات القمار؛ انفق ما ينوف عن 150 مليون دولار على حملة دعم المرشحين الجمهوريين وفي مقدمتهم المرشح الجمهوري السابق، ميت رومني، عام 2012.

          اصطف امام اديلسون “لتقبيل قدميه،” حكام ثلاث ولايات عن الحزب الجمهوري، اسوة بما فعل سابقا نيوت غينغريتش وميت رمني: كريس كريستي عن ولاية نيوجيرزي؛ سكوت ووكر عن ولاية ويسكونسن؛ جون كيسيك عن ولاية اوهايو؛ وحاكم ولاية فلوريدا السابق جيب بوش، شقيق الرئيس السابق جورج بوش الابن. الولايات المذكورة وقع عليها الاختيار بعناية نظرا لحجم الجاليات اليهودية الفاعلة فيها وثقلها السياسي في حسم النتائج الانتخابية، والتي صوتت لصالح المرشح اوباما عام 2012.

من العسير عدم تيقن الحضور من المرشحين للقضايا والمخالفات القانونية التي تلاحق اديلسون، لا سيما التهمة الثابته بقيامه توزيع رشاوى مالية على مسؤولين سياسيين “اجانب؛” الامر الذي اثارته عدد من وسائل الاعلام الرئيسة، واخيرا معارضة اديلسون لمشروع قانون يجيز لعب القمار على شبكة الانترنت.

          المتحدث الاسبق باسم البيت الابيض في عهد الرئيس جورج بوش الابن، آري فلايشر، وعضو تحالف الجمهوريين من اليهود، وصف اللقاء بدقة قائلا انه بمثابة “انتخابات تمهيدية هامة لشيلدون (اديلسون).. كل من يسعى للفوز بترشيح الحزب الجمهوري (لمنصب الرئيس) يرغب في طلب ود شيلدون واصطفافه الى جانبه.” ما لم يقله فلايشر ان اديلسون يسعى الى التعلم من اخطائه السابقة في مراهناته الخاسرة على غينغريتش (15 مليون دولار) وميت رومني.

قائمة المستثنيين من دعوة اديلسون

          قبل الولوج في بعض تلك الاسماء تجدر الاشارة الى توقيت ومغزى قرار المحكمة العليا برفع القيود عن حجم التبرعات للمرشحين والاحزاب السياسية. في الجولة الانتخابية السابقة، ساهم بعض فاحشي الثراء عن الحزب الجمهوري، الاخوين كوك، بتشكيل تيار حزب الشاي ممثلا للتوجهات المحافظة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا. وما لبث التيار ان فقد بريقه السياسي سريعا بفعل الاحداث والتطورات السياسية، وكذلك لسلسلة من المطبات السياسية التي ارتكبها بعض اشهر رموزه: السيناتور تيد كروز، مثالا.

          وعليه، قرأ الاخوين كوك ونظرائهما الاثرياء المحافظين الخريطة السياسية بدقة ورغبتهم بالابتعاد عن دعم تيار او مجموعة بعينها بعد ان زالت كافة العقبات القانونية لدعم اي مرشح محدد. وستشهد الخريطة السياسية المقبلة تجاوز تيار حزب الشاي وامثاله سريعا، وربما تلاشيه قبل بدء الجولة الانتخابية.

          في هذا السياق، استثنى شيلدون اديلسون بعض اهم رموز الحزب الجمهوري من الدعوة: السيناتور تيد كروز، الذي ذهب في تصريحاته المتشنجة مديات ابعدته عن قاعدته الجمهورية رغم تأييده ودعمه “لاسرائيل؛” السيناتور راند بول، الذي يتنقد احيانا السياسة الاميركية في دعم “اسرائيل” ويحظى بشعبية ثابتة في قاعدة الحزب الجمهوري؛ حاكم ولاية تكساس ريك بيري؛ الحاكم السابق لولاية اركنساس والمرشح الرئاسي السابق مايك هاكابي؛ وسارة بيلين. كل له مثالبه وسقطاته السياسية بالنسبة لبرنامج الحزب الجمهوري الاستراتيجي.

          يتميز رون بول على الآخرين بجاذبية خطابه وقدرته على استقطاب حشود من خارج دائرة الحزب الجمهوري، بل مخاطبة بعض معاقل دوائر الحزب الديموقراطي الانتخابية، وسعيه الثابت للتقاطع وايجاد نقاط مشتركة مع التيارات الليبرالية واليسارية، لا سيما فيما يخص مناهضته لسيطرة وكالة الأمن القومي وتجسسها على كافة مناحي الحياة اليومية وانتهاكها الصارخ للحقوق الفردية والجماعية.

          السيناتور تيد كروز حجز مقعدا مبكرا له في قائمة المحيِرين والمربِكين من بين المرشحين عن التيار المحافظ، رغم تصريحاته المتكررة عن صدق دعمه الثابت “لاسرائيل،” بوتيرة تفوّق فيها على كل منافسيه الآخرين. بيد ان ميوله للتيار الاشد محافظة لم يلقَ اذانا صاغية لدى اديلسون؛ وكذلك الامر مع كل من هاكابي وحاكم ولاية تكساس المحافظ ريك بيري وسارة بيلين.

          من بين المدعوين الاربعة على مائدة اديلسون، برز حاكم ولاية ويسكونسن، سكوت ووكر، الذي يتمتع بشعبية معتبرة داخل قواعد الحزب الجمهوري والتي لا تكن احتراما كبيرا للسلالات العائلية وانتماء جيب بوش لتلك الفصيلة، خاصة مع تنامي اعتراضاتهم على امكانية دخول هيلاري كلينتون حلبة الترشيحات الرئاسية وتكرار تجربة السلالات الرئاسية.

كريستي، حاكم ولاية نيوجيرزي، بدأ سباقه الرئاسي بفضيحة سياسية تمثلت بدوره المزعوم في اصدار أمر لسلطة المرور باغلاق جسر رئيسي يربط ولايته بمدينة نيويورك ابان ذروة الازدحام ليعاقب منافسه السياسي الذي سيلحقه اللوم من ازمة السير باعتباره المسؤول المباشر عن تلك المنطقة، فضلا عن مواقفه المتقاربة من النبض الشعبي العام المؤيد لفرض قيود مشددة على اقتناء السلاح الفردي مما جعله يغرد خارج سرب المحافظين في الحزب الجمهوري. اما جون كيسيك فقد اغضب قاعدته الحزبية في ولاية اوهايو لدعمه برنامج الرعاية الصحية الشامل، اوباما كير، ومطالبته اقرانه بتوسيع نطاق تغطيته.

          اللافت في لقاء التحالف غياب اديلسون عن خطاب سكوت ووكر، الصاعد بقوة، مقارنة بمحاباته الآخرين، مما يؤشر على عدم تيقن الممولين اليهود ومن بينهم اديلسون من فوز احدهم وقد يجدون انفسهم منفردين بدعم مرشحين لا يحظون بتأييد القاعدة الانتخابية للحزب الجمهوري.

حيثيات لقاء تحالف الجمهوريين من اليهود

          استضافة المرشحين الطامعين بالمنصب الرئاسي والطلب من الآخرين بالحضور كان بغرض الاستدلال واستشراف حظوظ كل منهم قبل ان يقع القرار على تأييد احدهم بشكل جدي. كما ادرك اصحاب الدعوة، بالاضافة الى اديلسون، ان الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري ستكون اقصر من غيرها في الجولة المقبلة، سيما وان ولايات اربع ستجري انتخاباتها مبكرا في شهر شباط 2016؛ تتبعها عدة ولايات تعقد جولة انتخاباتها في الاشهر المقبلة: آذار ونيسان وأيار. مؤتمر الحزب الجمهوري العام سيعقد في فترة اواخر شهر حزيران او اوائل تموز 2016، الامر الذي يقتضي وضع استراتيجية تمويل مبكرة.

          ربما هذه الخاصية ساهمت في دغدغة مشاعر اديلسون لادراكه ان فصلا قصيرا من الانتخابات التمهيدية يؤدي الى ثبات مرشح يضح تحت تصرفه اموال كبيرة والفوز بترشيح الحزب، مما حدى باديلسون دخول الحلبة مبكرا وحجز مقعد المرشح الاوفر حظا – وفق رؤيته السياسية بالضرورة.

          من سوء حظ اديلسون تجديد الحزب الجمهوري العمل بالقوانين السابقة الناظمة لهوية حضور المؤتمر العام، واعادة القرار النهائي الى القواعد الحزبية وتحديد ممثليهم داخل المؤتمر؛ الأمر الذي قد يثير قلقا لدى اديلسون لعدم ممارسته اقصى نفوذه لترجيح مندوب معين للمؤتمر العام قد لا يحظى بدعم اللجان المحلية للحزب.

          وتضاعفت الاخبار السيئة لاديلسون اذ اعتادت ولاية نيفادا، مقر اقامته واعماله التجارية، على عقد انتخاباتها التمهيدية مبكرا وميل الهيئات الحزبية الى سحب تلك الميزة واستبدالها بولاية اخرى تقع في المنطقة الغربية من البلاد، نظرا لتنامي نفوذ الحزب الديموقراطي فيها. القرار النهائي سيتم البت فيه عند انعقاد اللجنة المركزية للحزب الجمهوري في شهر ايار المقبل، ويرجح ان تفوز به ولاية اريزونا.

          في الحيثيات، حظي جيب بوش برعاية مميزة من اديلسون وعقيلته اللذين استضافاه على عشاء خاص قبل المؤتمر بيومين، مدركين حث القوى المؤثرة في الحزب الجمهوري لجيب بوش دخول حلبة الترشيحات الرئاسية. وحاضر في اللقاء السفير الاميركي الاسبق لدى الأمم المتحدة، جون بولتون، الذي افرد حيزا واسعا من كلمته لانتقاد السيناتور راند بول “حول اسرائيل.” من بين المتكلمين ايضا برز جون كيسيك، اوهايو، كاكبر متذللٍ لاديلسون موجها كلمته له بالاسم مرحبا باستثمارات الاخير في ولاية اوهايو.

          كريستي نال القدر الاعظم من التغطية الاعلامية “لزلة” لسانه امام اديلسون قائلا انه صعد على طائرة مروحية وطار في اجواء “الاراضي المحتلة،” ابان زيارته، مما اثار غضب اليهود من الحضور لا سيما صاحب الدعوة اديلسون. بل طالبه رئيس “المنظمة الصهيونية الاميركية،” مورتون كلاين، بضرورة تفسير قصده من “الاراضي المحتلة.” ولم يكتفي كلاين بتفسير كريستي اذ علق لاحقا بالقول “اما ان كريستي لا يفهم المسألة، او انه معاد لاسرائيل.” وشرع كريستي لعقد لقاء خاص مع اديلسون لاحقا لتقديم اعتذار شخصي عما ورد، والتأكيد على “دعمه اللامحدود لاسرائيل.”

          اما راند بول، فلم يشأ ان يبقى خارج السرب واوضح لاحقا  لعدد محدود من اكبر ممولي الحزب الجمهوري رغبته في “بلورة” رؤيته في السياسة الخارجية “لا سيما فيما يتعلق باسرائيل؛” وعزم على التقرب من الممولين اليهود تعبيرا عن صدق نواياه. بعض اعضاء التحالف المذكور اعرب عن عدم ثقته بموقف راند بول وعقد النية لهزيمته في الانتخابات التمهيدية. الامر عينه ينطبق على اديلسون الذي لا يروق له مرشح سياسي يغلب المصالح القومية الاميركية على ما عداها امام جمهور الناخبين، وخاصة ان نسبة كبيرة من “الوطنيين” الاميركيين يذكّرون انفسهم واقرانهم بمقولة منسوبة لمؤسس الدولة، جورج واشنطن، محذرا من التقارب مع دولة معينة قائلا “الترابط الانفعالي والحماسي لدولة نحو اخرى ينجم عنه عدد من الشرور.”

الفائز بمقاسات اديلسون ودلالاته

          اديلسون ونظرائه من الممولين اليهود لم يرسوا على قرار بدعم مرشح بعينه، ربما لأن الوقت غير مناسب راهنا. توقع البعض ان يتصدر كريس كريستي قائمة المرشحين، بيد ان زلة لسانه المذكورة حول “الاراضي المحتلة” وتحديد مسؤوليته في فضيحة اغلاق جسر المرور قد ركنتاه جانبا الى حين. ان صحت هذه التوقعات فان الساحة تصبح ممهدة امام جيب بوش الذي لا يزال بعيدا عن حسم توجهاته بدخول حلبة السباق الرئاسي، ويدرك بعمق مديات عدم الرضى داخل قواعد الحزب الجمهوري لاستحداث سلالته سياسيا من جديد.

          دور المال في السياسة لا يشكل العامل الحاسم والحصري لفوز مرشح يستند الى تمويل كبير، كما اثبتت تجربة وزيرة الخارجية السابق هيلاري كلينتون ابان ترشحها للانتخابات الرئاسية عام 2008. اديلسون وثروته الضخمة العائدة من صناديق القمار لا يبشر بنيته، برفقة نظرائه الاخرين، دعم مرشح عن الحزب الجمهوري يتمتع بدعم قاعدة شعبية معتبرة، بل صعود مرشح يواكب توقعاته السياسية.

          نظرة اديلسون الضيقة بتفصيل مرشح على مقاسه يؤيد “اسرائيل” بشدة لنيل تمويل الحملة قد تنعكس عليه سلبا، ويبدو انه يجنح لتأييد مرشح ينتمي لصلب المؤسسة السياسية وليس على الهامش مثل تيد كروز وراند بول.

          العلاقة اللصيقة بين دور رأس المال والنفوذ السياسي ليست وليدة اللحظة، بيد انها في المشهد الاميركي تمضي بعيدا عن اي جهود لكبح تداعياتها او التخفيف من تجلياتها؛ بل التجارب التاريخية للنظام السياسي الاميركي تشير بصورة جلية ان المستفيد الاكبر من الثنائي هو الممول وسوق المصارف وخاصة نتيجة البرامج الحكومية الضخمة كتلك التي تبنتها الدولة ببناء البنى التحتية وتحديث العجلة الانتاجية بعد الحرب العالمية الثانية.

          يشار في هذا الصدد الى ان قائمة تضم اكبر 20 ممولا لمسيرة الرئيس اوباما السياسية تضم رؤساء مصارف واستثمارات مالية ضخمة، غولدمان ساكس و جي بي مورغان، واللتين ثبت تواطؤهما في صنع الازمة المالية التي عصفت بالولايات المتحدة 2007 – 2008، واستطاعتا الافلات من اي ملاحقة قانونية حقيقية.

          بالنظر الى قرار المحكمة العليا بتحريرها القيود المفروضة على حجم ووجهة التبرعات وتمويل الحملات الانتخابية المختلفة، فان انعكاساته تأتي لتتناغم مع رغبة فاحشي الثراء ابقاء سيطرتهم والتحكم بالمركز الاول في صنع القرار، بصرف النظر عن توجه المرشح السياسي ايا يكن.

:::::

المصدر: مركز الدراسات الأميركية والعربية – المرصد الفكري / البحثي

الموقع: www.thinktanksmonitor.com

العنوان الالكتروني: thinktankmonitor@gmail.com