القوات اللبنانية وسباق الرئاسة : من المفكرة

ثريا عاصي

أن ترشيح َ حزب القوات اللبنانية رئيسها الدكتور سمير جعجع لرئاسة الجمهورية يعني أن ما يمثله هذا الرجل في بلد الأرز ما يزال مطروحا، او بتعبير آخر، أن المشروع الذي اضطلعت بتنفيذه القوات اللبنانية في سبعينيات القرن الماضي، أثناء الحرب الأهلية، أي بالقوة والعسكرة، لم ينهزم كما يدعي  خصوم هذه القوات، وأن أمل الأخيرة “بالنصر” لم يتلاش بعد !.

هكذا هو الحال  في لبنان جميع المنازعات تتوقف عند “لا غالب و لا مغلوب”، ولكنها لا تنتهي،  فكل طرف من الأطراف ينتظر الفرصة المؤاتية لكي يغدر بالآخرين.

لقد ظنت القوات اللبنانية في السابق، انها انتصرت عندما فاز مرشحها بشير الجميل في 23 آب 1982 بمنصب رئيس الجمهورية اللبنانية. علما أن هذا الحدث، الذي يمكننا ان ننعته بالصادم، تطلّب تحقيقه آنذاك عددا من الشروط. منها غزو واحتلال المستعمرين الإسرائيليين للعاصمة بيروت، وموافقة النطام العربي الرسمي على اختيار بشير الجميل رئيسا، بعد الزيارة التي قام بها هذا الأخير إلى السعودية (بعد ان خلع بذته الميليشياوية ولبس البذة البيضاء). يحسن أن نذكر أيضا في هذا السياق، استجابة الفصائل الفلسطينية وحلفائها لأمر القوات الإسرائيلية الغازية، بإخلاء بيروت وأخذ الطريق الى المنفى التونسي. لماذا تونس منفى للفدائيين ؟!.

ولكننا لا نستطيع في إطار هذه المقاربة، ان نغفل بعض المعطيات البارزة التي رافقت مرحلة صعود القوات اللبنانية وظهور بشير الجميل على الساحة اللبنانية بصفته الرجل القوي في الفريق الإنعزالي بحسب التصنيف الذي كانت تعتمده الحركة الوطنية اللبنانية، اي قبل  أن يقتسم أمراء الحرب، و”قبضايات الميليشيات”، البلاد وأن يفرضوا على جميع اللبنانيين في جميع المناطق دون استثناء سلوك نهج إنعزالي !

يأتي في مقدمة المعطيات البارزة التي رافقت صعود القوات اللبنانية، الدعم العسكري والتقني الذي كانت تتلقاه هذه الأخيرة من العدو الإسرائيلي في الشريط الحدودي جنوب لبنان ومن خلال المنافذ البحرية غير الشرعية.  يلي ذلك قيام هذه القوات بتصفية المنافسين لها بالقوة وبالفعل في صفوف  التيار الإنعزالي نفسه. ما أدى إلى أن يدفع حزب الوطنيين الأحرار وحركة المردة، ضريبة كبيرة من دماء مناصريهم وزعمائهم. كما انه يحق لنا أن نعتبر إغتيال الرئيس رشيد كرامي، رئيس الوزراء الأسبق والعربدة في منطقة الشوف، وفي مدينة صيدا والبلدات التي تقع شرقها، جزءا من رصيد القوات البنانية. لا ننسى طبعا صبرا وشاتيلا..

أكتفي بهذه الملاحظات، لأقتضب فأقول أن المشروع الذي حملته القوات اللبنانية، تجسد في إتفاقية 17 أيار 1983، بين الحكومة اللبنانية من جهة والمستعمرين الإسرائيليين من جهة ثانية أثناء رئاسة الشيخ أمين الجميل الكتائبي، شقيق الشيخ بشير الجميل القواتي، للجمهورية اللبنانية. كما يتوجب القول في السياق نفسه، أنه لولا السوريين، لولا “النظام السوري”، ورغم أخطائه وعيوبه التي لا تحصى، وحلفائه في لبنان، رغم أخطائهم وعيوبهم التي لا تحصى أيضا، لما دُحر المستعمرون الإسرائيليون في لبنان، ولما ألغيت الإتفاقية المذكورة، بإرادة سورية. لو كانت إرادة إعتراض هذه الإتفاقية عربية لما حذت بعض النظم حذو حكومة القوات اللبنانية ووقعت مع المستعمرين الإسرائيليين إتفاقيات مماثلة لها.

هل يحمل سمير جعجع رئيس القوات اللبنانية والمرشح لرئاسة الجمهورية، مشروعا مغايرا لمشروع بشير الجميل ؟ نحن لم نسمع أن جعجع تبرأ أو تراجع عن الخطة التي اضطلع بتنفيذها الأخير في سنة 1982 ؟ هنا ينهض السؤال عن موقف حلفائه الجدد، في إطار ما  يعرف  بتجمع 14 آذار، هل انهم بدلوا فالتزموا بمشروع القوات اللبنانية، أم أنهم كانوا ملتزمين سرا به، كمثل النظام العربي الرسمي؟!

من المرجح أن جعجع يراهن على ضعف أو بالأحرى هزيمة، الأطراف التي تمكنت في السابق من  إسقاط إتفاقية 17 أيار. إذ لا شك في أنه، يتمنى انتصار جبهة النصرة والجيش الحر، وغيرهما من الفيالق والكتائب التي تتلفع بعباءات اسلامية، علما أنها تسلك نهجا معاكسا للرسالة المحمدية، النهج الذي يتبعه المتمردون والمرتزقة في سوريا ليس محرفا ولكنه معاكس ومناقض  للإسلام. بمعنى آخر أن جعجع، والذين يؤازرونه يعتقدون أن سوريا وحلفاءها، أي حزب الله، ليسوا بقادرين اليوم على إفشال  المشروع الذي حاولت القوات اللبنانية تحقيقه في لبنان بمعاونة قوات المحتلين المستعمرين الإسرائيليين.  بمعنى أخر أن السوريين وحلفاءهم صاروا، في نظر القوات، في حال من الوهن، ومن قصر النظر وعمى البصيرة، بحيث ارتفعت حظوظ نجاح المشروع القواتي. كأن الأموال التي صرفها السيد جفري فيلتمان في لبنان، 500 مليون دولار، على تشويه صورة حلفاء سورية،(حزب الله)، أتت أكلها ! وانه من المحتمل أن  تدخل الدبابات إلى بيروت مرة أخرى !

هل من علاقة تربط بين مشروع جعجع من جهة والنظام العربي الرسمي الذين يشن حروب التطبيع، تحت مسميات كمثل الثورة التحررية والربيعات الحداثوية، التي لا تتناسق البته مع طبيعة هذا النطام وذهنيته، كما لا يخفى ! هل يستطيع السيد فيلتمان وضع لبنان تحت سلطة هذا النظام الأخير، بواسطة ما أنفق من اموال على الدعاية ؟. وليس مستبعدا أنه أنفق أيضا على الأعمال التخريبية والإجرامية، وبواسطة مهزلة الكشف عن وثائق الخارجية الأميركية عن طريق ويكيليكس، بقصد محو  مقولة “أن هذا أفضل من ذاك” واستبدالها بمقولة “ليس أحد أسوأ من أحد”.  هكذا صار السيد جربا السوري فخامة، وصار أميرالنفط قائدا عربيا “يشكر”، وصارت المدينة القطرية الدوحة، منارة فكر  يقصدها “مفكرو” العروبة، وصار المقاومون الفلسطينيون يتدربون على المقاومة في صالات اللياقة البدنية.

مجمل القول ان جعجع يقع في نفس الخطأ، مرة ثانية، كمثل غيره من الذين يمتهنون تجارة  الأوطان والشعوب والحقوق في بلاد العرب، وما أكثرهم. لا تقوم للأوطان قائمة، ولا يلتئم جمع سكانها في شراكة وطنية قوية ومنتجة، إلا بالإستقلال عن المستعمرين وأتباعهم والإعتماد على نفس وتقرير المصير دون تدخل القوى الأجنبية. بغير ذلك على الأوطان والشعوب السلام!.