المثقف المشتبك وتطبيع الأكاديميا الطري، حلقة 3

 عادل سمارة

 

التطبيع التعاقدي والمنهجي

الى الرفيق أحمد حسين قامة في الفكر العروبي والنقد واللغة

حلقة 3:

 

بعد مرور قرن على الدفاع العربي في مواجهة عدوان الحركة ومن ثم الكيان الصهيوني الإشكنازي، وهو دفاع/صراع ضمن الدائرة الأوسع والأقدم اي عدوان المركز الرأسمالي الغربي على الأمة العربية، لم يطور الفلسطينيون ولا العرب توافقاً على تعريف معين للتطبيع مما ابقى الأمر في نطاق الاجتهاد وهو النطاق الذي برَّر التطبيع كما حرَّمه في الوقت نفسه لا سيما إذا وضعنا للتطبيع مستويات ودرجات. ولا شك أن هذا الضياع والاختلاط هو نتاج تخلف القوى السياسية العروبية سواء في المستوى النظري أو الأدائي اليومي وهما مترابطان يشترطان بعضهما بعضاً. كما يرتد هذا إلى تقصير في فهم طبيعة العدو أو إلى استدخال بنيوي وذهني للهزيمة تجاه هذا العدو.

ولكن، كل هذا الارتباك واللجوء إلى الاجتهاد، لا يخفي مسألة اساس هي التي يجب الانطلاق منها لتحديد موقف من التطبيع وهي الأرض بل الوطن. ولأن الأساس أن تبدا وطنياً، فبهذا المعنى فإن التطبيع هو تنازل عن الوطن للعدو مما لا يُبقي مجالاً للشك بأن التطبيع أمر مرفوض ويجب النضال ضده.وهنا  ينتفي الغطاء الشكلاني للاجتهاد.

لقد توافقت، مباشرة او لا مباشرة، قوى واتجاهات كثيرة غير عروبية من وفي الوطن العربي على ان الوطن لا معنى له، مما أوصلها إلى تحويل الوطن إلى مكان، أي مكان وهو الأمر الذي أوصل المطبعين إلى تبرير الاعتراف بالكيان الصهيوني والتنكر لحق الشعب الفلسطيني في التحرير والعودة.  وأقل ما في هذا الموقف هو احتقار الشعب الفلسطيني ومحاولات الإدخال في روعه بأنه من الشرف الكبير له أن يتنازل عن وطنه للمستوطنين “البيض والحضاريين؟!

في صد هذا كله، فإن مناهضة التطبيع والتقيد بالمقاطعة هي استراتيجية مديدة وشعبية معاً. هي توظيف شعبي طوعي لطاقاته اليومية العادية وخاصة الطبقات الشعبية في رفض التطبيع وبمقاطعة العدو بل الأعداء طوال فترة وقف الصراع الفعلي، بل هي التجهيز والتمهيد للانتصار في الصراع الفعلي. هي نشاط وقت الهدنة ووقف الاشتباك إلى حين اشتباك آخر.

وإذا كان مضمون التطبيع بما هو تفريط بالوطن واضح تماما في تعريف التطبيع، إلا ان ذلك لا يمنع من تصنيف المطبعين في فئات معينة، تلتقي في قضايا وتتفارق في قضايا أخرى لكنها تفارقات في الدرجة او المجال وليست تفارقات النوع.

ولتسهيل فهم التطبيع تجدر الإشارة إلى الامتداد الجغرافي ومن ثم السياسي للعدو مما يوجب امتداد مناهضة التطبيع والمقاطعة جغرافيا وسياسيا كذلك، اي أن هذه المناهضة يجب ان تشمل ثلاثي الثورة المضادة:

·       الكيان الصهيوني

·       المركز الإمبريالي الثلاثي (الولايات المتحدة وأوروبا واليابان)

·       والكمبرادور العربي. (انظر كتاب: التطبيع يسري في دمك، عادل سمارة)

أخذاً بالاعتبار هذا الاتساع الجغرافي للثورة المضادة ووجوب مناهضة التطبيع معها ثلاثيتها على امتداد الجغرافيا العربية، سأتناول ثلاثة ألوان كبرى من التطبيع هي متعلقة بهذا الاتساع الجغرافي والسياسي مع التأكيد بأن التداخلات بينها  كبيرة وعميقة إلى درجة يبدو معها الفصل بينها تعسفياً.

 

التطبيع المبدئي/التعاقدي:

لعل من قاموا على أمر مؤتمر “سياسات المعاناة” في القدس مؤخراً هم فئة من معسكر التطبيع التعاقدي المبدئي. وأمثال هؤلاء كثر، يكفي ان نُذكر بمؤتمر يساريات قبل بضعة اشهر في مدينة البيرة والذي اثار غبارا كثيفا للتغطية على جوهره التطبيعي لكن كل من قاموا به فشلوا في الإجابة على السؤال الأساس:

هل تعلنوا عدم اعترافكم بالكيان الصهيوني؟ هذا السؤال كمارد من نار يواجه كل المعترفين.

والمدهش ان هؤلاء وهم فرق وشيع شتى، يتجاوزون هذا السؤال ويتحدثون دوماً بلغة وجملة ثورية وجندرية وثقافوية وحتى قومية وشيوعية. ولعل اوضح الأمثلة فتى الوساد د. عزمي بشارة الذي خرج من فلسطين وأودع في سفارة الكيان في القاهرة عضويته في الكنيست ولكنه حتى الآن لم يعتذر عن تلك العضوية. وهذا دليل تعاقد ما يدفعه لتحمُّل كل هذا الإنكشاف والعُري دون أن يعتذر. ولعل هذا السؤال يجب توجيهه إلى كل شبر في الوطن العربي يسمح له بالمرور منه!!!

هذه فئة تعتقد بأن للكيان الصهيوني الحق في أرض فلسطين، وبأن المستوطنين اليهود هم أرقى ثقافياً من الشعب الفلسطيني وبأن وجود الكيان هو حالة تطوير  ونقل المتخلفين العرب من البهيمة إلى الاجتماع. (متاثرون بنظريات أب الراسمالية آدم سميث تجاه إيرلندا  واليسار الإمبريالي الغربي التي تنص على وجود “استعمار إيجابي” متلطين وراء سقطة ماركس تجاه الهند وإنجلز تجاه الجزائر).

ويقع هؤلاء في خانة فريدة يعتقدون معها أنهم بتورطهم وتواطئهم مع العدو إنما تجاوزا الواقع المتخلف لشعبهم وانسلخوا عنه ودخلوا منتدى العرق الأبيض و/أو الإنجلوا-ساكسون والفرانكفونية وربما  شعب الله المختار. اي بكلمة أخرى لم يعودوا (جوييم). ولا يهمهم، كما لا يهمنا، تفنيد مدى قبول الكيان لهم في أو قناعته بانهم “ارتقوا” إلى مرتبته التي يزعم زيفاً!

هؤلاء نموذج على استدخال الهزيمة بمعنى أنهم لم ولن يشتبكوا مع العدو، فهم من ناحية عقيدية مقتنعين بتفوقه وعليائه. لذا، بدأوا معترفين بالكيان منذ زرعه في فلسطين. كما ان فريق “سياسات المعاناة” الذي افتضح امره في القدس رغم تلطيه في (ملاذات آمنة) بدأ معترفا باحتلال الضفة والقطاع فور حصوله 1967 وبدأ بتشبيك علاقات عشق سياسي ثقافي معه باكراً! ولمن اراد الاستزادة يمكنه سؤال د. سليم تماري و د. محمد الحلاج وغيرهما لماذا كان يتم استضافة جودي بلانك وداني عميت في جامعة بير زيت منذ بداية السبعينات؟ هنا يجب الاعتراف بأن الحركة الوطنية لم تكن قد تنبهت للتطبيع، والشكر للحركة الوطنية المصرية التي اسست لذلك.ولم يتوقف انتهاك حرمة الجامعة حتى تبلورت الحركة الطلابية وخاصة طابعها اليساري 1975- 1980. هذا الفريق ممن يعتبرون الانحياز للعدو مسألة مبدئية ترتفع إلى مستوى عقيدي.

من بين ما يجمع هؤلاء موقفهم من العروبة، فهم في افضل حالاتهم ينظرون إلى الصراع في فلسطين على انه صراع فلسطيني/إسرائيلي. ويمكن لهم تصغيره إلى صراع بين عائلة فلسطينية والكيان، كما كتبت في كنعان قبل اكثر من عشرين سنة. والمهم هنا انهم ينظرون إلى الكفاح المسلح كاعتداء على الكيان.

أورد هنا واقعة اشد وقعاً، فرغم أن الانتفاضة الأولى لم تكن مسلحة إلا ان هذا الفريق وقف ضدها منذ البداية، وإن عاد وتاجر بها لاحقاً.

كنت قد عدت من لندن يوم 4 اكتوبر 1987، وبعد ايام من اشتعال الانتفاضة الأولى زارني السيد عودة شحادة (حي يرزق) ومعه تيد كويل (من سي أن أن او فوكس نيوز لا اذكر جيدا الآن إن لم تخنني الذاكرة واقترح كوبل ان أشارك في لقاء مشترك Panel تلفزيوني مع الراحل د. حيدر عبد الشافي ومع د. صائب عريقات (جامعة النجاح)  و د. حنان عشراوي (جامعة بير زيت)  مع فريق صهيوني منه إلياهو بن إليسار (ليكودي) وغيره. قلت له كيف اجلس مع صهاينة في حوار عن السلام والفلسطينيين يُقتلون على الأرصفة. بعد جدال قال كوبل :”بصراحة حنان عشراوي اقترحت ان تشارك لأنها دون مشاركتك لن تشارك على اعتبار انك ستشن حملة ضدهم”. قلت له لتطمئن السيدة فليس لدي الآن منبراً ولا حزباً. ذهبت بعدها إلى الراحل بشير برغوثي أمين عام حزب الشعب كي يقنع عبد الشافي بعدم المشاركة، وتعهد بذلك، ولكن بعد يومين كان عبد الشافي في ذلك اللقاء!

الفريق الشيوعي التحريفي من هؤلاء لا يؤمن بوجود أمة عربية، والتمفصلات التروتسكية الضئيلة في هذا الفريق تعادي العروبة بشكل محموم، واللبراليون والأكاديميون منه يقرأون العرب وخاصة المشرق من منظار برنارد لويس اي فسيفساء طائفية ومذهبية يجب تحويل كل طائفة إلى كيان على غرار الكيان الصهيوني ومن أجله. وليس غريباً أن مشروع تقسيم سوريا على يد القاعدة وداعش تدخل تقسيميا في عمق الطائفة الواحدة. لعله أمر يستحق دراسات طبقية سويولوجية جدلية معقدة كيف يمكن ان تنتهي رؤى الإخوان والصهيونية والتروتسكية على نتيجة واحدة!!!

هل هم مرتبطون بتعاقدات معينة محددة مع العدو أم لا؟ هذا أمر يدخل في باب التوقع، ولذا، نحكم نحن على طبيعة العلاقة وليس على صفقات سرية ما تمت بينهم وبين العدو.

وهذه العلاقة تتضح في ثلاثة مستويات:

·       الاعتراف بالكيان الصهيوني باكراً ككيان شرعي على ارض الشعب العربي الفلسطيني، وهذا ما قام به الشيوعيون الفلسطينيون في اقتفاء للموقف السوفييتي في عهد ستالين، ولا يزالون عليه. وهذا المستوى هو الذي شرَّع دخول الكنيست الصهيوني والمشاركة في الاقتراع لها. وهو الفريق الذي لا يزال يصر على اعترافه بالكيان مما يؤكد ان اعترافه المبكر لم يكن لقلة المعرفة بل إما بتعاقد أو بمبدأ التفريط بالوطن.

·       الانبهار الثقافي بالكيان الصهيوني وهو ما درج عليه كثير من المثقفين والأكاديميين مأخوذين بالرواية التوراتية وليس التاريخية، رغم أن الكثير منهم أكاديمي. وهؤلاء مثال واضح على ما جادلت من اجله وهو أن خطر السلعة الثقافية افتك من خطر السلع الاستهلاكية او المعمرة لأن العمر الافتراضي للثقافة طويل جدا وربما لا متناهي بينما العمر الافتراضي للسلعة المعمرة بالكاد يصل عشر سنوات.

·       مستوى الأنظمة الكمبرادورية الحاكمة كأنظمة سياسية والتي استدخلت الهزيمة بعد فشلها في الحرب أو التي لم تحارب اصلاً.

هذا الفريق الثلاثي  جميعه لا معنى للحوار معه لأنه عقيدياً وثقافياً مع الكيان الصهيوني ومتخارجا لصالح الثورة المضادة. كما أنه لفرط استدخاله للهزيمة يعجز عن رؤية المتغيرات أو يراها ولكنه يرى نفسه في معسكر العدو أو هو طبقاً للتعاقد لا يمكنه الخروج على هذا التعاقد.

هذا الفريق، رغم توفر مستوى أكاديمي وإيديولوجي للكثيرين في أوساطه إلا أنه لا يزال متورطاً في الاقتناع بأن المركز الإمبريالي (راس الثورة المضادة) لا يمكن أن يُهزم على الرغم من الأزمة المالية الاقتصادية في المركز. ولعل تجربة أوكرانيا خير ما يكشف عمى هذا الفريق. فأحداث أوكرانيا هي الأولى في تاريخ الثلاثي الراسمالي العالمي حيث يقف هذا المركز عاجزاً عن ممارسة العدوان بعدما كان لزمن قصير خلا لا يحتاج حتى لممارسة العدوان فيحصل ما يريد.   ولذا، بالمناسبة، يمكننا تصنيف هذا الفريق ب الطابور السادس الثقافي.

هذا الفريق لم يرَ بأن الكيان الذي انبهر به، انتقل من إلحاق الهزيمة بالفلسطينين والعرب 1948 و 1967، إلى هزيمة أحاقت به عام 1973 وعام 2000 وعام 2006 ولم يتمكن 2008-09 من هزيمة مدينة غزة واحتلالها.

بهذا المعنى فإن هذا الفريق، هو مع الكيان الصهيوني قبل إعلانه وبعد إعلانه.