المثقف المشتبك وتطبيع الأكاديميا الطري/سياسات المعاناة حلقة 4: التطبيع الرسمي

عادل سمارة

التطبيع الرسمي :

التطبيع التعاقدي والمنهجي  ثقافوي طوعي وتطوعي وتبرعي. لا يأخذ طابعا علنياً أو إعلامياً، بل يميل إلى عدم الإفصاح عن نفسه وتمرير مواقفه بخجل وانكسار لأنه معني بالبقاء ضمن الحركة السياسية والاجتماعية في كل قطر عربي، ولكنه من اللؤم بمكان بحيث لا يقوده الانكسار إلى مراجعة مواقفه والتخلي عنها والاعتذار عنها مما يؤكد بأنه رانخ في الدونية تجاه العدو. بل هو في اللحظات المناسبة عدواني محلياً، بمعنى القول بأنه باعترافه المبكر بالكيان الصهيوني إنما ابدع ابتكاراً يتفاخر به زاعماً بأن هذا الاعتراف تأكيد على انه فريق متقدم “سياسيا وإيديولوجياً” لأنه ابتكر الاستسلام للكيان الصهيوني. وبهذا المعنى فهو متخارج.

وقد يكون مما شجعه ويشجعه على هذا لحاق قطاعات من المجتمع العربي بموقفه الداعي للاعتراف بالكيان الصهيوني وخاصة فريق التطبيع الرسمي والمنهجي وهو تطبيع طبقي بالطبع. إنه التطبيع  الذي تورطت فيه أنظمة عربية سواء علانية أو مداورة. وهذا يعني ان انظمة الحكم التطبيعية /التطبيع الرسمي والمنهجي أتت دعما وغطاء للتطبيع الثقافي والتعاقدي. وهما معاً وصلا في التطبيع مع الكيان الصهيوني والإمبريالية بالطبع إلى غزو بالخطاب الخارجي ضد الخطاب العروبي، فبات الحديث عن الضفة والقطاع بأنهما فلسطين، وعن الكيان الاستيطاني بأنه إسرائيل، وحل خطاب المفاوضات محل خطاب المقاومة، وحل سلام راس المال/سلام الشجعان  محل حق العودة، وتم وأد مقاطعة المنتجات الصهيونية بترويجها علانية بعد أن أوقفتها الانتفاضة الأولى. كما تم اختراق المقاطعة العربية للشركات المتعاونة مع الكيان الصهيوني…الخ. وباختصار، لم تبق منتجات لأية دولة عدوة إلا وراجت في الوطن العربي وبالطبع في مناطق أوسلو-ستان أي منتجات الكيان والاستعمار العثماني المتجدد والإمبريالية!

من ناحية سرية هناك تطبيع سياسي سري ما بين العديد من الأنظمة العربية مع الحركة الصهيونية ولاحقا مع الكيان الصهيوني، وهي الظاهرة التي بدأت منذ اتفاق سايكس-بيكو الاستعماري، أي ظاهرة الصهيونية العربية المتجذرة في الدولة القُطرية.

أما  بداية التطبيع الرسمي العلني فكانت بين النظام الأردني والكيان الصهيوني عبر تطبيق سياسة الجسور المفتوحة التي وضعها وزير الحرب الصهيوني موشيه ديان 1967.

وإلى جانب الأنظمة هناك قوى سياسية عربية تورطت، عبر تبعيتها للأنظمة الحاكمة، تورطت في التطبيع المنهجي مع الكيان الصهيوني، مختصرة نفسها في تبعية لأنظمة تابعة ومتجردة من اي دور خارج القطر الذين تعيش فيه وخاصة تجاه فلسطين وهو الأمر الذي امتد إلى تبرير احتلال العراق ولاحقا تاييد احتلال الناتو ل  ليبيا وأما في سوريا فتشارك قوى  في العدوان عليها وخاصة التروتسكيين.

صحيح أن تطبيع الأنظمة الحاكمة وقوى سياسية هو كذلك طبقي ومصلحي بناء على تداخل السلطة بالطبقة/ات كما هو مألوف عالمياً. وصحيح أن مستويات أو فرق التطبيع تتداخل مع مع بعضها البعض، ولكن يبقى التفصيل ومحاولة تصنيفها أكثر فائدة.

في انخراطه الطوعي في التطبيع، لا يأبه الفريق التعاقدي كثيراً بدويلة صغيرة للفلسطينيين في اجزاء من الضفة والقطاع، فهو لا يلبث أن يستدير باتجاه الدولة الواحدة ذات الأسماء المتعددة: “دولة ثنائية القومية، دولة ديمقراطية علمانية…الخ” لأن ما يهمه هو تثبيت دولة الكيان الصهيوني تحديداً، والباقي تفاصيل. وإن كان يبرر الدولة الواحدة من مدخل رفضه ليهودية الكيان.

من جانبه، فإن التطبيع المنهجي ينطلق من مفهوم الدولتين، ولذا، هو نتاج اتفاقيات بين الثورة المضادة وأنظمة وقوى سياسية واجتماعية في الأرض المحتلة والوطن العربي.

وعليه، إذا كان التطبيع التعاقدي قديماً قبل وبعد إعلان الكيان الصهيوني، فإن التطبيع الرسمي المنهجي ناتج عن هزيمة 1967 وبالتالي يحصر الحق الفلسطيني في المناطق المحتلة 1967 متخلياً عن المحتل 1948 باعتباره وطنا لليهود!

قراءة التطبيع الرسمي المنهجي تبين أن الواقع العربي بعد هزيمة 1967 قد تبدى على النحو التالي:

·       خروج معظم الأنظمة الرسمية العربية من الصراع مع الكيان الصهيوني

·       تبعية معظم هذه الأنظمة للمركز الإمبريالي

·       تبني معظم الأنظمة العربية للنيولربالية

·       خروج قسم كبير من القوى السياسية المتحالفة مع الأنظمة، خروجها من أي نضال خارج اقطارها.

·       يأس الأنظمة التي لم تقرر الخروج من الصراع من القدرة منفردة على المواجهة

تجدر الإشارة هنا إلى أن تورط أنظمة وقوى سياسية في التطبيع هو انتصار للثورة المضادة. انتصار بقيت أمامه بعد البرجوازية والكثير من الأحزاب والمثقفين، بقيت أمامه جبهة الطبقات الشعبية العربية، والتي يتم تمزيقها عبر توريطها في حرب طائفية او داخل الطائفة الواحدة  مما يُخرجها بعيدا حتى عن التطبيع فيما بينها في مجتمعاتها الداخلية.

تحت هذه الفئة يمكننا إدراج الإنظمة العربية التي :

·       إما تعترف بالكيان الصهيوني باتفقات معلنة وعليه، تتقيد منهجياً بهذه الاتفاقات ولا تسمح قط باية مراجعة نفيوية لها: النظام المصري قبل مبارك وفي عام مرسي وحتى اليوم نظام الخليط. سلطة الحكم الذاتي في الضفة والقطاع، النظام الأردني، النظام اللبناني في فترتي بشير وأمين الجميل. (من الطرافة بمكان أن الجميل يترشح اليوم لرئاسة الجمهورية اللبنانية) اي بعد إسقاط اتفاق ايار وانتصار المقاومة.

·       او لا تعترف علانية، ولكنها تؤذي بأكثر من انظمة الاعتراف العلني وخاصة قطر التي تحولت إلى قاعدة عسكرية أمريكية وإلى قوة عدوان على سوريا وإلى وكر للإرهاب الصهيوني.  والمغرب التي يدخلها الصهاينة كما يدخلون تل ابيب وكذلك تونس رغم “ربيعها” وربما بسببه، والسعودية التي نقلت التطبيع الرسمي عبر إسقاط معظم مواد المقاطعة للكيان إلى عقد تحالفات عسكرية أمنية مع الكيان الصهيوني. من اللافت تبديل المواقع الطائفية في التطبيع، فإذا كانت قيادات مارونية سابقة متعاقدة مع الكيان الصهيوني، فإن مركز الوهابية في السعودية يقود تطبيعاً طائفيا سُنياً مع الكيان من جهة، وهو ما قاده الرئيس المصري السابق محمد مرسي مع الكيان إخوانياً، ويقوده حزب النهضة التونسي اليوم كذلك. هذا، بينما تستعيد قيادات مارونية حالية موقف هذه الطائفية الوطني وتنحاز لصالح معسكرالمقاومة والممانعة.

·       أما تجربة النظام العراقي الحالي فأكثر طرافة، فهو نظام أتى على دبابت الاحتلال الأمريكي، وأجرى انتخابات تحت الاحتلال الأمريكي ناقلاً التجربة السوداء للفلسطينيين (انتخابات مجلس أوسلو) وهو نظام طائفي يعاني حربا طائفية من رجعيات الخليج متخذة شكل أفظع إرهاب ممكن، ويقف اليوم أو هو مضطر للوقوف اليوم في جانب الممانعة، ولكنه يحتفظ بعلاقات أمنية مع العدو الأمريكي الذي دمر العراق وخرج متأكدا من إغراقه في لُجَّة الانفجارات الطائفية. واليوم تدور فيه حملة انتخابية مفتوحة بلا حدود وبشكل سوريالي، ويكفي الإشارة إلى ان مثال الألوسي الذي زار الكيان الصهيوني علانية عدة مرات يجرؤ على الترشح ويجد لنفسه جمهور ناخبين وكل هذا يحصل اليوم 9 نيسان يوم احتلال العاصمة العراقية بغداد!