المثقف المشتبك وتطبيع الأكاديميا الطري/سياسات المعاناة

(حلقة الخامسة والأخيرة)

التطبيع المصلحي/الطبقي

عادل سمارة

 

إذا كان التطبيع التعاقدي أكثر ميلا لإخفاء دوره التطبيعي دون التراجع عن التطبيع، وإذا كان قد تلقى شحنة دعم وغطاء من التطبيع الرسمي كتطبيع انظماتي/سياسي، فإن التطبيع المصلحي هو نهاية الأرب وهو من يحصد النتائج بشكل مادي ملموس في نهاية الأمر وعنده بالطبع تكون الكارثة قد اكتملت سياسيا وتعاقديا وثقافيا بما انه اقتصادي.

ربما نوضح هذه المسألة ببعض الضوء على الجيوش الثلاثة للاستعمار:

يبدأ الاستعمار بالجيش الثقافي، نشر ثقافته في المجتمعات المستهدفة لضرب ثقافتها وخطابها وإحلال ثقافته وخطابه محلها. وتقول كثير من أدبيات الاستعمار بأن هدفها إلحاق الشعوب الأخرى بالثقافة الرأسمالية الغربية، ولكن هذه الشعوب في النهاية تعجز عن الارتفاع إلى مستوى تمثُّل هذه الثقافة. أي أن النتيجة هي الاستعمار الثقافي.

والاستعمار الثقافي لا يقتصر على الخطاب الوضعي، ففي حالة الرأسمالية الغربية والصهيونية يتم استخدام الخطاب الديني كذلك. ودون العودة إلى ما أسس له مارتن لوثر (1483-1546) حيث اعتبر عام 1523 في المانيا : “ان اليهود حلفاء مرشحين ضد الكاثوليكية ومهتدين احتياطيين للديانة البروتستانتية  الجديدة” . كان هذا قبل عامين من ارتداده ضدهم حيث حاول طبيب يهودي بولندي تسميمه. لكن بريطانيا كانت المهد الفعلي للصهيونية منذ عهد هنري الثامن وخاصة عام 1534 حيث : ” اخذت حركة الإصلاح  اإنجليزية تشابه عملية تهويد زائفة للشعب البريطاني”. كل هذا قبل توليد الصهيونية عام 1897 بقرون.(انظر  مقالة محمد ولد إلمي، الأصل غير اليهودي للصهيونية قي مجلة كنعان العدد 113 نيسان 2003، ص ص 29-60)

ما يهمنا هنا هو الإشارة إلى ان البروتستانتية تطورت إلى جانب الراسمالية التجارية وكانت مثقفها العضوي وخاصة في موطنيها الأولين هولندا وبريطانيا. ولنا أن نلاحظ أن بريطانيا الراسمالية الاستعمارية وخاصة في حقبة الإمبريالية هي التي أقامت الكيان الصهيوني في فلسطين (ليست وحدها طبعاً) وبان المحافظية الجديدة في امريكا (في حقبتي الإمبريالية والعولمة) هي أشد الحُماة لهذا الكيان.

يأتي بعد الجيش الثقافي بشقيه الوضعي والديني، الجيش العسكري المسلح اي احتلال بلدان المحيط وخاصة الوطن العربي وهو ما أُسمي الاستعمار. والاستعمار ليس مجرد صراع ثقافة وأخرى أو لون وآخر أو تكاره متبادل، الاستعمار هو الغزو العسكري في صراع القوة وصولا إلى الاستعمار الاقتصادي اي المصالح الطبقية للطبقة الراسمالية الحاكمة/المالكة بل وتنزيل بعض فتات الكسب هذا للطبقات الأخرى في دولة المركز. اي باختصار تخديم الجيشين الثقافي والعسكري على السيد االنهائي الجيش الاقتصادي المصلحي للطبقة الراسمالية.

إذن لا يمكن فهم الكيان الصهيوني وخطورته بعيدا عن مصالح راس المال، التي اقتضت في الحالة الفلسطينية إقامة كيان استيطاني اقتلاعي سياسي اجتماعي عسكري في فلسطين وليس مجرد استعمار كلاسيكي فقط. وهذا يعيدنا إلى المربع الأول بأن مناهضة التطبيع لا تقتصر على مناهضته تجاه الكيان بل تجاه المركز الراسمالي وكذلك الكمبرادور العربي التابع له. أي ثلاثية الثورة المضادة.

هذه الرجعة التاريخية الطويلة لا بد منها لتوضيح الجذور ومن ثم الأهداف المادية للاستعمار الصهيوني في فلسطين ولا يهمنا هنا تهمة التورط في ما ينسبه اللبراليون وما بعد الحداثيين للتحليل المادي التاريخي وتحديداً لمدخل الاقتصاد السياسي بأن نظرته أحادية اقتصادوية.

فرغم أن زرع الكيان الصهيوني في فلسطين هو تدمير للوجود البشري الفلسطيني وسحقا متواصلا للحيز الجغرافي وشغل خطير على تكرار هندسة الفلسطيني ليصبح بلا هوية ويتحول من مناضل من أجل وطن إلى مقتنع بأن يحتويه اي مكان، إلا أن الكيان الصهيوني ما كان ليوجد لولا الغرب الراسمالي ولهذا معنيين اساسيين:

·       الأول: ان الغرب هو العدو المركزي والكيان هو الأداء أو راس المخلب

·       والثاني: أن الصراع جوهريا هو مع الغرب الرأسمالي وليس فقط او محصور مع الكيان الصهيوني.

ذلك أن هدف الغرب هو السيطرة على المنطقة من أجل مصالحه الاقتصادية. هكذا بوضوح رغم أن هناك ابعادا او مستويات ثقافية وسياسية وجزئياً دينية للعدوان ومن ثم للصراع، ولكنها تنتهي لصالح المصالح المادية وهذا ما يعزز مقترب الاقتصاد السياسي في التحليل.

يفتح هذا على موضوع هذه الحلقة وهو التطبيع المصلحي، اي تحديداً تطبيع الراسمالية الفلسطينية والعربية مع الكيان الصهيوني والراسمالية الغربية في المركز.

هذا التطبيع الذي بدأته الراسمالية الكومبرادورية في مصر في فترة السادات، وهي بداية يفسرها “نضج” مصالح الكمبرادور هناك بعد تصفية الاقتصاد المعتمد على الذات في الحقبة الناصرية. وقد لحقت بمصر كل من منظمة التحرير والأردن علانية وغير هذه القطريات باشكال غير علنية.

لا مجال لتوسيع هنا، ولكن ما أود تبيانه هو أن الجيل الثالث من الكمبرادور في الأرض المحتلة قد ارتكز بوضوح على التطبيعين التعاقدي والرسمي لينسف تماماً جذوره الوطنية ويُلحق نفسه بالكيان الصهيوني كراسمال تابع وأداة لراس المال الصهيوني والعالمي. وهذا هدف هذه الحلقة تحديداً.

وباختصار، قبل شهر من هذه الأيام اعلنت حركة الجهاد الإسلامي مشروعها الجهادي ضد الكيان بما اسمته “كسر الصمت” أي كسر صمت السلاح.

وبعد أن توقفت الاشتباكات مع الكيان في غزة بايام خرج علينا فريق من الراسماليين الصهاينة والفلسطينيين بمشروع اسموه “كسر الجمود” وذلك عبر لقاء تطبيعي اقتصادي. ولا يخفى ان العنوان هو رد على عنوان الجهاد الإسلامي.

http://www.alhadath.ps/ar_page.php?id=fV5PCngsK1a338556AlMp6ChfgfF#sthash.Xuu4XQu4.A1JJ4yz6.dpbs

مبادرة كسر الجمود تجمع 4 من أعضائها في القدس

www.alhadath.ps

– See more at: http://www.alhadath.ps/ar_page.php?id=fV5PCngsK1a338556AlMp6ChfgfF#sthash.Xuu4XQu4.XxUsQK2E.dpuf

ورد في هذا الخبر ما يلي:

” ذكرت صحيفة الجيروزالم بوست في عددها الصادر اليوم الثلاثاء، أن أربعة من أعضاء مبادرة كسر الجمود، ومجموعة من رجال الأعمال الفلسطينيين والإسرائيليين قد التقوا يوم أمس الاثنين 24 آذار 2014  في نادي الصحافة الإسرائيلي في القدس، لشرح الفوائد التي تعود على المنطقة إذا تم تحقيق السلام وتحقيق حل الدولتين لشعبين يعيشان جنبا إلى جنب مع الاحترام والتعاون المتبادل … وكان نحو 200 من رجال الأعمال الإسرائيليين و150 من رجال الأعمال الفلسطينيين وقادة المجتمع المدني في حوار طويل الأجل لدعم القادة السياسيين في هدفهم للوصول إلى حل الدولتين للصراع بين دولة إسرائيل والشعب الفلسطيني.

وكان الأعضاء الأربعة الذين جاءوا للتحدث هم كامل الحسيني، العضو المنتدب في رام الله من بورتلاند ترست ومؤسس إعلام تام، وعوديد جيرا وهو من الجيل الإسرائيلي السابع ورئيس روتشيلد إسرائيل؛ وغاري ليبلر العضو المنتدب لصندوق رأس المال شافيت والذي خدم كضابط في الجيش الإسرائيلي أيضا، والألماني المولد ستيفان بورجاس الذين جاء إلى إسرائيل قبل عامين وهو الرئيس والمدير التنفيذي لكيماويات إسرائيل.”

ولنا هنا ملاحظتان:

الأولى: إن موقف راس المال الكمبرادوري موظف ضد موقف الكفاح المسلح بلا مواربة. هذا رغم أن الشعب مقتلع من معظم وطنه ولا يخفي الكيان هدفه باقتلاعنا نهائياً. ومن هنا خصصت حلقة عن التطبيع المصلحي لأنه يؤكد أن راس المال الكمبرادوري والتابع ليس وطنيا ولا وطن له.

والثانية: إن الجيل الأول من الكمبرادور هم الفلسطينيون الذين كانوا في خدمة النظام الأردني قبل احتلال 1967 حيث حصلوا على “امتيازات” رخص الاستيراد. والجيل الثاني هم الفلسطينيون الذين حاباهم الكيان من 1967-1993 ب “امتيازات” الاستيراد سواء من الكيان او من الخارج عبر الكيان نفسه، والجيل الثالث هم الكمبرادور الذين حابتهم وتحابيهم سلطة أوسلو-ستان ويقيمون جسر تبعية قوي مع راس المال الصهيوني.

أختم هنا بالاستنتاج بأن مؤتمر “سياسات المعاناة” التطبيعي هو جزء من سلسلة هجمة ضد اي شكل للمقاومة الحقيقية. بل إن هؤلاء المثقفين من الطابور السادس الثقافي هم المثقف العضوي لراس المال. وراس المال هنا هو المطبعون الرسميون والطبقيون معاً. والأهم ان هذا المثقف العضوي هو في الوقت نفسه، بل اساساً في خدمة راس المال الصهيوني في كونه عشاً في مبنى راس المال العالمي.

ملاحظة: يبقى على الطلبة والمحاضرين/ات الثوريين في جامعة بير زيت والجامعات الأخرى، أن يسألوا جماعة المقاطعة الأكاديمية : اين يقفون؟ هل هم مع تطبيع فريق “سياسات المعاناة”؟ أم أن التطبيع لا يتجزأ وكذلك مناهضته.