في ظل التقارب بين الاسلاميين والدساترة :هل يدفع اليسار الثمن ؟

صحيفة الشروق التونسية

9 أفريل 2014

 

تشهد العلاقات بين الاسلاميين ممثلين في حركة النهضة والدساترة ممثلين في حركة نداء تونس تقاربا واضحا في الأشهر الأخيرة خاصة حول موضوع العزل السياسي، فهل يدفع اليسار ثمن تحالفاته السابقة؟

تونس ـ «الشروق» اعداد عبد الرؤوف بالي

تعتبر مسيرة اليسار التونسي ممثلا في الجبهة الشعبية مثيرة للاهتمام حيث انه مر بجملة من التحالفات غير المنطقية من حيث الأطراف المتحالف معها مثل الاسلاميين والدساتر[1]ة كل في مرحلة ما لكنه يعود في نهاية كل تحالف الى نقطة الصفر ويواصل حلفاؤه طريقهم احيانا في اتجاه معاداته.

وللحديث اكثر حول هذا الموضوع حاورت «الشروق» الدكتور توفيق المديني الكاتب والباحث التونسي صاحب كتاب «تونس الثورة المغدورة وبناء الدولة الديمقراطية» وتطرق خلاله الى التحولات التي شهدها اليسار التونسي خلال السنوات الاخيرة.

أسباب تشكل الجبهة الشعبية

وفي البداية قال الاستاذ المديني ان الجبهة الشعبية تشكلت على اساس ان تكون قوة سياسية في مواجهة الاستقطاب الثنائي بين حزب النهضة الاسلامي وحزب النداء «وكانت هذه الجبهة متكونة من احزاب يسارية وقومية عديدة بطبيعة الحال وشكل اغتيال الشهيد شكري بلعيد نقطة تحول حقيقية في مسار الجبهة الشعبية اذ خرج حولي مليون وأربعمائة الف تونسي في جنازته».

واعتبر انه كان بإمكان الجبهة الشعبية ان تستثمر ذلك الزخم الشعبي الكبير لكي توظفه نحو بروز قوة سياسية ثالثة حقيقية تقف ندا امام الحزبين الكبيرين النهضة والنداء «لكن ما راعنا الا ان تحالفت الجبهة الشعبية مع حزب نداء تونس باسم ضرورات واولويات المرحلة المتمثلة في اعتبار الاسلام السياسي الحاكم قوة « فاشية» ولذا وجب القيام بتحالف واسع لإسقاط الحكم وتأجيل تحقيق اهداف الثورة الى ما بعد الاطاحة بحكم الاستبداد الديني».

وتابع «انها نفس المبررات التي قدمها حزب العمال اثناء تحالفه مع الاخوان المسلمين في ائتلاف 18 اكتوبر عام 2005 ضد «الحكم الاستبدادي لبن علي» وهو هدف ينأى بالجبهة بعيدا عن مطلب «اسقاط النظام» الذي طالما ردده المتظاهرون قبل وبعد الاطاحة ببن علي (الشعب يريد اسقاط النظام) او (الشعب يريد الثورة من جديد)».

مساومات مع القوى الليبرالية

واشار الدكتور توفيق المديني الى ان هذا الاتجاه الجديد يزج بالجبهة الشعبية في مساومات مع قوى ليبرالية ذات مصالح متناقضة مع قواعد الجبهة الشعبية، وذات تجربة في السلطة، «وهو ما يفقد الجبهة الشعبية ارتباطها بالفقراء والعمال والكادحين الذين يطمحون لتغيير حياتهم نحو الافضل، ويفقدها شرعية التعبير عن مطالبهم في (الشغل والحرية والكرامة الوطنية)».

وتابع «كما يفقد هذا التوجه السياسي للجبهة الشعبية استقلالية قرارها «بحكم ذوبانها داخل (جبهة الانقاذ)» ويبعدها عن «تحقيق اهداف الثورة» وعن جماهيرها التي خرجت لتشييع الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي».كما اوضح ان هذه السياسة التي تتبعها الجبهة الشعبية تجعلها «مطية لعودة قادة الحزب الحاكم السابق الى الحكم من الباب الكبير، وعلى اكتاف اليساريين والقوميين وشباب وسكان سيدي بوزيد والحوض المنجمي والقصرين وسليانة، الذين اكتووا بنار القمع والتهميش والفقر، الذي كان الحلفاء الجدد للجبهة الشعبية سببا مباشرا فيه (من التخطيط الى النفيذ)».

ولم تطور الجبهة الشعبية والاحزاب المكونة لها حسب محدثنا، اشكال النضال والتنظيم والمساندة والاعلام، «لتغيير ميزان القوى لصالح الفقراء والكادحين والمنتجين والعاطلين والاجراء، ولم تنشر الجبهة تحليلا سياسيا دقيقا للقوى السياسية والاجتماعية لتوضح نظرتها لطبيعة التحالفات، وما هي القوى التي يمكن التحاف معها (لتحقيق اهداف الثورة) او للتقدم خطوة نحو تحقيق هذه الاهداف».

تخلي الحلفاء عن الجبهة

وفي اشارة الى تغيير حلفاء الجبهة الشعبية الجدد لتحالفاتهم قال «في اوج الضجيج الاعلامي حول تشكيل جبهة الانقاذ الوطني بين رموز النظام السابق (1956 – 2011) ومعظم تيارات اليسار والقوميين ، التقى في باريس يوم 14 اوت 2013 الشيخ راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة والباجي قائد السبسي زعيم حزب نداء تونس الذي لم يخبر حلفاءه الجدد بهذا اللقاء، ما اثار تساؤلات في صفوف الجبهة الشعبية وفي صفوف بعض احزاب المعارضة وشرائح عديدة من المجتمع وكل من آمن بضرورة التغيير الجذري لمصلحة الشعب».

واعتبر محدثنا ان تلك الاحداث هي التي تدفع اليوم الى التساؤل عن دور القوى اليسارية في الحياة السياسية الوطنية المتميزة بسيطرة حزب النهضة الاسلامي الممثل لليمين الديني، وحزب نداء تونس الممثل لليمين اللبرالي بشقيه الاقتصادي والسياسي، «الذي بات يشكل استعادة لبقايا النظام السابق، حيث يتبين يوما بعد يوم استعداد هاذين الحزبين للتحالف في مرحلة ما بعد الانتخابات المقبلة لإدارة الحكم وفق صيغة جديدة».

وفي الاطار ذاته اعتبر الدكتور توفيق المديني ان «حزب العمال انتهز فرصة اغتيال الشهيد محمد البراهمي احد قادة الجبهة الشعبية للعودة الى (التقاطعات مع القوى المعارضة للحزب الحاكم) والتحالف مع نداء تونس (رغم معارضة عائلة الشهيد محمد البراهمي)، وعاد حزب العمال الى احياء صيغة ما سمي (تحالف 18 اكتوبر) التي دامت من 2005 الى 2007 وضمت الاخوان المسلمين (النهضة) واليمين الليبرالي وبعض القوميين».

واضاف «تعكس هذه التحالفات غير الطبيعية تراجعا مهما في المسار الثوري، يجسمه توظيف الجبهة الشعبية في خدمة اجندات الهيمنة الخارجية على البلاد، وتشريع العلاقات غير المتكافئة مع الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة».

خروج عن مبادئ اليسار

ومن جهة اخرى بين ان «الحوار الوطني الذي انخرطت فيه الجبهة الشعبية (بعد اقصاء جزء من مكوناتها) لا يمكنه ان يتوصل الى ارساء نظام ديمقراطي تقدمي يضمن الشغل والحرية والكرامة الوطنية، ويضع حدا لتدخل القوى الغربية في البلاد… ولا يمكن لقادة الجبهة الشعبية ان يتذرعوا بموازين القوى، لانهم اهملوا ذلك الزخم الثوري في كافة مناطق البلاد، وعرقل هؤلاء القادة احيانا تطور هذه النضالات، وبذلك يمكن ان نعتبرهم مسؤولين عن درجة الضعف التي تنتاب القوى اليسارية حاليا».
وارجع محدثنا هذه اللخبطة في علاقات الجبهة وتوجهاتها العامة الى كونها «كانت تعاني منذ تأسيسها ولاتزال من غياب الوضوح الفكري والسياسي الذي يساعدها على بلورة خط وطني ديمقراطي ذي بعد وحدوي ينهل من تجربة نضال القوى اليسارية والقومية في تونس، بشكل يجعل برنامجها وتوجهاتها تنحاز لمصلحة الطبقات والفئات الشعبية: الطبقة المتوسطة والعمال والفلاحين والرأسمال الوطني».
ولعل الحديث حول اليسار التونسي خلال السنوات الماضية يمكن ان يطول اكثر فالتحالفات التي دخلت فيها قوى اليسار او اغلبها تبين بوضوح غياب الرؤية الاستراتيجية المبنية على مرجعيات ومبادئ اليسار ومحاولة التموقع في المشهد السياسي بكل الطرق ومهما كانت التنازلات التي يقدمها وربما ذلك ما جعل تلك القوى تعود بعد كل مغامرة الى المربع الاول مربع الانعزال والخيبة.

أبرز تحالفات اليسار التونسي بعد جانفي 2011

2005 تحالف 18 اكتوبر بين اليسار والاسلاميين من اجل اسقاط بن علي.قبل انتخابات 23 اكتوبر 2011 كان هناك شبه تحالف بين حزب العمال وحركة النهضة.بعد 6 فيفري 2013 شبه تحالف بين الجبهة ونداء تونس من اجل اسقاط النهضة.جويلية 2013 تحالف بين الجبهة ونداء تونس ويلتحق بهم في جبهة الانقاذ حزب المبادرة وعدد آخر من الاحزاب من اجل اسقاط النهضة.

ماذا خسر اليسار عبر تحالفاته؟

اقصاء عدد من مكونات الجبهة الشعبية بسبب رفضها للتحالف مع نداء تونس. فقدان الزخم الثوري اثر اول اغتيالين سياسيين في البلاد لصالح الطرف المقابل. العودة الى المربع الاول بسبب تحالف الاسلاميين والدساترة.التخلي عن مبادئ الفكر اليساري سواء الماركسي او القومي عبر التحالف مع اطراف محافظة سواء اسلامية او ليبرالية الى جانب الالتقاء مع سفير امريكا رغم التناقضات الفكرية. اعادة الدساترة الى الواجهة بعد ان حصر الصراع بين اليسار والتقدميين اثر التحالف معهم في جبهة الانقاذ.