مفاوضات التمديد والتمويل ومباركة الحكام!!!

عادل سمارة

 

منذ أشهر يُشاغَل الشارع بالحديث عن تمديد جولة المفاوضات الحالية بين سلطة الحكم الذاتي والكيان بقيادة واشنطن. مفاوضات الثابت فيها هو الموقف الصهيوني بمستوويه:

التحتي:التمسك باغتصاب كامل فلسطين عبر استمرار الاستيطان والاعتقالات والقتل وهدم البيوت واقتلاع الأشجار والتضييق الاقتصادي.

والشكلي/العلوي: الإصرار على تمديد المفاوضات لإبقائها بلا سقف.

شكل كرتوني حقاً، من الأعلى وجهان يقبِّلان بعضهما ومن الأسفل احدهما يقوِّض بطن شريكه بسكين. من مصلحة القاتل مواصلة القتل والغزل ولا يقوم الآخر سوى بالتنديد، لكنه يواصل العملية…لعل وعسى.

آحدث فصول العشق الدامي هذا كانت مناورة منظمة التحرير الفلسطينية بتوقيع 15 معاهدة دولية دفعة واحدة. في تمثيلية غضب، واجهها الكيان بتمثيلية غضب أخرى. كلتاهما لا تنُمَّان سوى عن استخفاف بعقل المواطن الفلسطيني وما تبقى من العرب المهتمين بالقضية الفلسطينية.

فتوقيع معاهدات لا معنى لها دون موافقة سلطات الكيان ليس سوى (على بال مين يلي بترقص في العتمة).

من يقرأ  الكتب الصادرة عن مركز (ماس) في رام الله والتي تحوي دراسات عن اتفاقيات ثنائية تجارية وثقافية…الخ بين سلطة أوسلو ودول عديدة ويعرف أن ايا منها لن تنفذ إلا بموافقة الكيان ولم يوافق يستنتج ما قيمة توقيع 15 اتفاقية. هذه الخطوة تذكرنا بقول ابي العلاء المعري :”لزوم ما لا يلزم”.

لكن فائدتها الوحيدة أنها كشفت لمن لا يقرأ اتفاقات أوسلو بأن سلطة الكيان هي صاحبة القرار في كافة تفاصيل حياة سلطة أوسلو واية تصريحات او خطوات خارج القرار الصهيوني لن تلقى فرصة التنفيذ. اما الشكاوى للأمم المتحدة فلا شك أن هذه الأمم تضعها على الرف ولا تقرأها.

الهدف من تمثيلية ال 15 اتفاقية هو :

·       إبراز السلطة على انها تعاند الكيان كي تأخذ بهذا رصيد صمت شعبي في ذهابها للمفاوضات مجدداً.

·       وإبراز ممثلي فصائل المنظمة  بأنهم يضغطون على السلطة وبأن السلطة تستجيب.

وهذا مقصود به شحن الشارع ليثق بعملية التفاوض على اعتبار ان هذا عناد من الطرف الفلسطيني أخذه لجولة مفاوضات قادمة وهو قوي. أي التمثيلية هي تحضير لتبرير مواصلة التفاوض.

يستثمر الجانب الصهيوني هذه التمثيلية بالتشدد في المفاوضات متذرعا بأن الطرف الآخر خرق اتفاق أوسلو وبانه لا يحترم ما وقَّع عليه.

أما الأمم المتحدة حتى لو قبلت عضوية حقيقية لسلطة أوسلو-ستان ورفضها الكيان، فلن تأخذ بحقه اي قرار ولن تجرؤ اية دولة على استيراد حبة برتقال من أريحا دون قرار صهيوني.

هل رفض الكيان هذا يؤلِّب الراي العام العالمي ضد الكيان؟ بالمعنى التراكمي نعم، ونشاط المقاطعة يؤثر كذلك، وما تسمى المقاومة الشعبية السلمية جدا جدا جدا تؤثر على مدى في منتهى الاستطالة.

تقوُّلي هذا لكي يخفف هؤلاء من تلك البهجة المصطنعة وهي البهجة التي يكادون بالارتكاز عليها ان يطالبوا بمحاكمة شهداء الكفاح المسلح! أتذكر ما قاله ذات مرة السيد سلام فياض في جريدة القدس بأن الكفاح المسلح هو أكثر ما اضر بالقضية الفلسطينية.  وعلى هذا النهج سار كثير من دُعاة المقاطعة وكبار موظفي الأنجزة.

يكون للمقاطعة معنى حقيقي اخلاقي (ولكن ايضا حتى الآن غير تنفيذي المعنى الواسع) إلا إذا ذا اقترن بأمرين:

الأول: عدم الاعتراف بالكيان الصهيوني من الأصل.

والثاني: عدم التمول من الدول التي خلقت وتسلح هذا الكيان.

هكذا كان موقف دُعاة المقاطعة في جنوب افريقيا ودُعاة إسقاط الأبرثايد إذا كان لا بد من المقارنة. كانوا يتحركون بقوتهم الذاتية وليس بالرضاعة من حبل سُريٍّ في بطن الوحش الذي خلق الكيان.

فسلطة أوسلو تعيش تُعيِّش،تعيل اعدادا متزايدة من الفلسطينيين بتمويل غربي راسمالي الذي شرطه الأساس الاعتراف بالكيان والتطبيع معه والخضوع لرؤيته في التفاوض والحل. هكذا بوضوح وقح ومترفع ومتعالي!

وأكثر المنظمات التي تصنف نفسها بمنظمات المجتمع المدني تتمول من نفس المصادر الغربية الراسمالية وتخضع لشروط المانحين سواء مباشرة بتوقيع وثيقة مناهضة المقاومة (شكليا مناهضة الإرهاب) ولا مباشرة وهو توجيه هذه الأموال لإعادة هندسة المجتمع بسحبه بعيدا عن ثقافة الصراع والمقاومة إلى ثقافة التعايش مع المغتصِب والبحث عن دولة من تفضُّلاته وهو بخيل! ، وذلك سواء ب: الثرثرة المكتوبة عن تنمية غير موجودة وعن الدمقرطة والجندر …الخ.

إذن، من يقود المجتمع الفلسطيني سياسياً هي سلطة أوسلو الممولة من العدو الراسمالي الغربي، ومن يقود المستوى التثقيفي هي منظمات الأنجزة المتمولة من نفس المصدر. في هذين المستويين تحديداً يفشل ديالكتيك ماركس، بمعنى انه جدل لا يخلق نقيضه!!! أليست هذه من أعاجيب الزمان؟

لذا، فإن تنديد هؤلاء الفلسطينيين بما يقوم بما العدو، والتهديد بالذهاب إلى الأمم المتحدة ، وطرب فرق المقاطعة الأكاديمية والأناجزة على أن الرأي العام العالمي سوف ينهض ضد الكيان، كل هذه أغاني جميلة لكن المستمع يعرف بأن المغني مدفوع له من راعي الكيان وراعي اوسلو وراعي التسوية. وهنا يجب التفريق بين المقاطعة الشعبية ورفض التطبيع وبين المقاطعة المتخارجة غرباً.

ومع ذلك نقول، لا بأس في الغناء ولكن، ليس على حساب المقاومة.

وإذا كان ما يحصل في الضفة الغربية هو الوصول إلى تعميم ثقافة البحث عن الدولة في الأمم المتحدة، والبحث عن الوظيفة في هيكل السلطة وفي غرف الأنجزة المغلقة والابتعاد المتواصل عن قطاعات الإنتاج مما يخلق حالة اقتصاد ريع سياسي وهذا اشد خطراً وتشوهاً من الاعتماد على ريع مخزون نفطي محلي، حال الخليج. إذا كان هذا حال الضفة فإن التمويل الخليجي لغزة وخاصة من قطر يقوم بإطفاء تدريجي لبؤر المقاومة المسلحة الفعلية.

وإذا كانت تفلُّتات سلطة رام الله تسلُّحا بالأمم المتحدة، وتمفصلات الأنجزة في استدرار مال من هذه الدولة العدوة او تلك وتوليد كل واحدة لأخريات وتسلح مجموعات المقاطعة بنقابة من هذا البلد أو ذاك، فإن عنتريات حكومة غزة عن المقاومة والتحرير بأموال قطر هي معادلة سوريالية نتركها للوحي حتى يشرحها للناس، إن كان هناك انبياء بعد خاتم الأنبياء!

أود أن أختم بالتذكير بأن هذه القوى الفلسطينية سواء السلطتين أو الأنجزة أو ما تفتئت على المجتمع المدني وتحمل اسمه، إنما تُلحق بالقضية الوطنية الفلسطينية الكاملة أضراراً تقويضية.

فالاعتراف بالكيان الصهيوني ومؤخرا الصراع داخل السلطة على من هو الفاسد ومن هو المرتشي ومن هو المشارك في اغتيال ياسر عرفات، تلعب دورا واضحاً في تكفير العرب بالقضية الفلسطينية. وتكتمل الماساة وتتضح حين نرى أن الأنظمة العربية التابعة للغرب الراسمالي والمعادية للعروبة بالسلاح تتجند على يد واشنطن لتشجيع المفاوض الفلسطيني على مواصلة هذه المفاوضات.

وفي الوقت نفسه تحاول حكومة اوسلو-ستان الحلول محل حماس في الشام لتبدو بأن كل الأنظمة العربية معها، فإننا نرى ان النظام السوري لا يزال يحمل شامات التسوية ولم يبرأ منها بعد رغم كل الذبح على سوريا، لأن المطلوب من سوريا المنتصرة نهجا قوميا تحريريا وهذا يتضمن رفض التسوية ورفض المصالحة مع الأنظمة القطرية العربية وصولا إلى تقويضها! كان احتضان حماس المقاومة أمر واجب ولكن احتضان سلطة لا تقاوم أمر مرفوض وسنقف ضده كما وقفنا ضد التطبيع الرياضي وتراجعت عند وزارة الرياضة السورية. كما تحاول سلطة رام الله الحلول محل حماس في مصر، وهذا أحد الاختبارات لنظام الخليط الذي لا شك بأنه لا يزال حريصا على التطبيع عبر كامب ديفيد.

كما أن منظمات التموُّل من الخارج، التمول  العربي والغربي انجزة وغيرها، تكرس ثقافة اللبرالية والارتزاق وتحويل الأحزاب إلى منظمات أنجزة (أنجزة القوى السياسية) وكل هذا يصطف في خانة الطابور السادس الثقافي.

وهكذا، حين يتلاشى المتتجون في مجتمع لصالح الموظفين وبتمويل أجنبي، نفهم ما معنى مشاغلة الناس بالتفاوض على دولة وتوقف النضال لتحرير الوطن وما معنى غض الطرف عن هجرة قوة العمل وعن حلم المزيد منها بالهجرة.