مقاومة اللبنانيين ومخيمات الفلسطينيين ..

ثريا عاصي

المقاومة … تعبير تتداوله أطراف الحكم والحكومات في بلاد الأرز . هذا يقدره بالذهب وذاك بالخشب . يتلازم ذلك مع احتدام المعارك في شمال سوريا . من المحتمل أن تكون الغاية هي الإقتراب من مدينة طرطوس حيث القاعدة العسكرية الروسية . كأن الإسلاميين الوهابيين كعادتهم، لم يبدلوا !. فهم على الدوام في طليعة القوات التي تدفع بها الإمبريالية الأميريكية إلى ساحة الصراع كلما ارتأوا ان  المناسبة سانحة لمواجهة “حضارة”، غير الحضارة اليهودية ـ المسيحية، وأضعافها والتمدد على حسابها.

          ومن المحتمل أيضا أن تكون الغاية من الحملة على الشمال السوري، هي بكل بساطة إسلامية وهابية، سفك الدماء ونشر الدمار، اسوة بالمناطق السورية الأخرى . يدور الحديث في هذا السياق عن مبررات ومصداقية المقاومة من جهة، وعن هوية المقاومة من جهة ثانية، هل هي وطنية ام هي اسلامية شيعية، أو اسلامية ووطنية في آن .

          من البديهي أن طرح هذه الإسئلة، دون تقديم وتمهيد ودون الرجوع الى الأسباب التي تولد المقاومة، ودون التذكير بتاريخ المقاومات في بلاد العرب، يزيد الأمور تعقيدا وضبابية، عن قصد أو عن غير قصد !

          المقاومة فردية وجماعية، هي رد فعل ضد إحساس بأن خطرا يتهدد الوجود أو الكيان . إذ أن المقاومة ليست هواية أو مهنة . هل يمكننا أن ننعت الأوضاع في لبنان والمنطقة بالخطورة ؟ الإجابة هي بالقطع نعم . ينبني عليه أن المقاومة ليست مبررة وحسب ولكنها واجبة ومفروضة على الناس أيضا . المفارقة هنا، ليس في أن الكثيرين لا يقاومون، ولكن في أن قطاعات من السكان يعلنون أو بتعبير أدق، يلتزمون الصمت كأن على رؤوسهم الطير، بينما هناك كتبة ومتكلمون يدعون النطق باسمهم، يعلنون في وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية، أنهم ضد المقاومة بالقول والفعل !.

          ان الخطر الذي لمحنا اليه، يتأتى من المستعمرين الإسرائيليين الذين هم جزء مكمل للمستعمرين في الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية . تأسيسا عليه، ليس مقبولا أن ندخل في سجال مع أعداء المقاومة أو المشككين بشرعيتها وضرورتها، ايا كان أصلها ولونها . هذا لا يلغي لزوم الحوار بحثا عن الطرق والأساليب والوسائل الأفضل .

          لا بد هنا من القول بوضوح وصراحة، أن المقاومة تعني الذين يشعرون بأن الخطر يتهددهم . فإذا كان هذا الخطر يحيق بفئة، تكون المقاومة فئوية، وإذا كان الخطر يطال الوطن، من المفروض ان تشمل، المقاومة عندئذ كامل الجماعة الوطنية . إستنادا ان سكان المنطقة المعنيين بالخطر الداهم، او الطائفة أو المذهب إنما يقاومون بالإمكانيات التي يمكن أن تتوفر لهم كسكان محليين او كأتباع معتقد ديني، او كأبناء أثنية واحدة . مثلما ان المقاومة الوطنية تعتمد على الطاقات التي تمتلكها الجماعة الوطنية .

          ليس من حاجة من وجهة نظري إلى الدخول في هذا البحث، في تفاصيل الأوضاع في جنوب لبنان، ليس في الراهن وحسب، وإنما منذ بدء تنفيذ المشروع الإستعماري الصهيوني أيضا، حتى تتكشف لنا ظروف نشأة المقاومة الإسلامية، بقيادة حزب الله . ولا داعي إلى القول بأن حزب الله هو حزب ينتظم فيه المسلمون على المذهب الشيعي، وبالتالي من الطبيعي أن ينهل هذا الحزب من سردية المعارضة ضد بني أمية، التي قادها أئمتهم في الماضي، عقيدة لتجييش الناس ضد الإستعمار الإسرائيلي . أين الغرابة في هذا . كيف يتضرر من ذلك الذين يناهضون الإستعمار الإسرائيلي، بصفته استعمارا استيطانيا عنصريا، بصرف النظر عن معتقد هؤلاء المناهضين ؟ لا سيما أن المعترضين على وجود المقاومة، والذين يناصبونها العداء، بحجة أن عناصرها هم في غالبتهم مسلمون على المذهب الشيعي، هم ضد مقاومة المستعمرين الإسرائيليين بالمطلق، حتى لو كان عناصرها ملائكة من عند الرحمن، بدليل أن جل من يقدم لهم الدعم من نظم الحكم العربية، اقاموا علاقات حسن جوار مع دولة المستعمرين الإسرائيليين، فضلا عن ان الدول الغربية التي تحرضهم وتحشد جيوشها من أجل مساندتهم ، هي دول تنتهج حكوماتها سياسة أمبريالية ، تشكل إسرائيل أحدى ركائزها في المنطقة العربية .

          ولكن السؤال الذي لا مفر منه، هو لماذا لم  تنشأ في جنوب لبنان مقاومة وطنية ؟ قد يقول قائل هنا، انه حاولت الأحزاب والقوى الوطنية اللبنانية أثناء الإحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، ان تتصدى لمقاومة المحتلين . ولكن هذه الأحزاب والحركات أوقفت نشاطها لان حزب الله لم يقبل شركاء في المقاومة . هذه النقطة تتطلب تفاصيل لا يتسع لها هذا المكان . ولكن يحسن التذكير في هذا المجال بأن المقاومة في جنوب لبنان، استمدت جزءا كبيرا من قوتها من أوضاع إقليمية، كانت الثورة الإسلامية في ايران الحدث البارز فيها، بالإضافة إلى تحالف هذه الثورة مع السلطة في سوريا . وبالتالي كان من الصعب أن يبلغ مستوى قدرات الأحزاب والحركات الوطنية في جنوب لبنان، الدرجة التي بلغتها قوة مقاومة حزب الله .

          ومهما يكن فإن الحديث عن المقاومة ضد المستعمرين الإسرائيليين في لبنان، إنما هو حديث ذو شجون . إذ لا بد من التوصل بداية إلى إتفاق على معالجة أسباب تقصير وعجز الدولة عن تنظيم وقيادة معركة الدفاع عن أرض الوطن، هذا من ناحية، أما من ناحية ثانية،  فلا بد أيضا من تشخيص الأعطال الإجتماعية التي جعلت سكان الجنوب يواجهون المحتلين الإسرائيليين، وحيدين، كسكان محليين كان عليهم أن يخلقوا عقيدة تجمعهم، يتأسس عليها تضامنهم في السراء والضراء، وهذا ما فعلوه من أجل الدفاع عن النفس والبقاء .

          يبقي أن نقول في ختام هذا الفصل أن أخشى ما يخشى هو أن تقع فاجعة وأية فاجعة، إذا أقحمت المخيمات الفلسطينية في لبنان، ومخيم عين الحلوة تحديدا في معركة إعتراض المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان لصالح الأطراف اللبنانية التي توكلت بنزع التغطية الوطنية اللبنانية عن هذه المقاومة من جهة، وبتصفية القضية الفلسطينية من جهة ثانية، عن طريق إغراق حق الفلسطينيين بالعودة، في دماء الفلسطينيين والمقاومين اللبنانيين معا، ودفنه تحت ركام المخيمات!

:::::

“الديار” اللبنانية