مهزلة التفاوض :

مَنْ يقلب طاولة الابتزاز والتنازلات؟

محمد العبد الله

 

         أسبوعان مرا على ” اشتباك” لفظي بين طرفي المفاوضات، حاول “الوسيط !” أو الحاوي الأمريكي، ضبط مستواه والتحكم بحدود نتائجه. لكن الصلافة والوقاحة وميزان القوى على الأرض الفلسطينية، وجوارها الإقليمي، دفعت بحكومة العدو للتهرب من استحقاق إطلاق الدفعة الرابعة من الأسرى على الرغم من تقديم الراعي الأمريكي “ضمانته” بإخراج عدد من المناضلين “أسرى الأراضي المحتلة عام 1948” ضمن الدفعة الأخيرة من المعتقلين  قبل توقيع اتفاق أوسلو الكارثي.لكن حكومة المستعمرين بررت خطوتها بضرورة التزام سلطة رام الله المحتلة بتمديد المفاوضات حتى نهاية العام الحالي لموافقتها على إطلاق الأسرى، المحذوف من تعدادهم أسرى الأراضي المحتلة عام 1948. علماً بأن لاعلاقة بين المسألتين، كما قال أكثر من مسؤول في السلطة.

      لم تتوقف عملية الابتزاز الصهيونية عند حدود التلاعب بموضوع الأسرى. فقد دفعت حكومة المستعمرين بالطرف الفلسطيني للدخول في “بازار” الأعداد المقترحة للوصول إلى تسوية للموضوع . حكومة المحتلين أعلنت عن نيتها الإفراج عن أربعمائة أسير، وجميعهم  من الذين قاربت محكوميتهم على الانتهاء، كبادرة حسن نوايا لإقناع وفد السلطة  بالموافقة على تمديد المفاوضات، الذي رد بطلب إطلاق سراح ألف معتقل ومعتقلة وطفل، مع أسماء قيادات أسيرة من أبرزهم: أحمد سعدات ومروان البرغوثي وفؤاد الشوبكي. في ظل هذه التطورات، كان الوجود الأمريكي، حاضراً من خلال جون كيري _ إجتماعه مع عباس في عمان  مؤخراً_ و مارتن إنديك مع عريقات وليفني، أو بوجود أحدهم في محاولة إيجاد حلول توافقية، من خلال تقديم “رزمة/ صفقة” يمكن أن تحظى باتفاق الطرفين، وكانت قد نشرت بنودها بعض وسائل الإعلام في كيان العدو قبل الوصول المفترض _ ألغي لاحقاً_ للوزير الأمريكي .

 

بولارد في الصفقة ـ المصيدة

اللافت للنظر كان في طرح الإفراج عن الجاسوس الأميركي اليهودي جوناثان بولارد خلال الأسبوعين المقبلين، كـ”رشوة ” لحكومة نتنياهو  للإفراج عن 14 أسيراً فلسطينياً من أسرى فلسطينيي 1948 الذين سبق أن أعلنت رفضها القاطع الإفراج عنهم ضمن الدفعة الأخيرة “26 أسيراً”.

أبرز تفاصيل الصفقة المقترحة كما نشرتها صحيفة هآرتس الصهيونية تبلورت في البنود التالية:

ـ يوافق الفلسطينيون على تمديد المفاوضات بنحو سنة، في داخل العام 2015، ويمتنعون في هذه الفترة عن خطوات أحادية الجانب في الامم المتحدة.

ـ تحرر الولايات المتحدة الجاسوس جونثان بولارد قبل ليل الفصح.

ـ تنفذ “اسرائيل” النبضة الرابعة من تحرير السجناء. وتتضمن النبضة 26 سجينا قتلوا “اسرائيليين”، 14 منهم عرب “اسرائيليون”.

ـ تحرر “اسرائيل” 400 سجين فلسطيني آخر “بلا دم على الايدي”، يكون تبقى لكل واحد منهم بالمتوسط ستة اشهر لاستكمال عقوبة السجن. وتقرر “اسرائيل” القائمة وتضم ضمن آخرين نساء، قاصرين وحالات انسانية. وفي اطار تحرير السجناء تنظر “اسرائيل” في امكانية تحرير مسؤول فتح الكبير فؤاد الشوبكي الذي وقف خلف تهريب السلاح في سفينة “كارين إي” في كانون الثاني 2002.

ـ تجمد “اسرائيل” معظم البناء في المستوطنات، بالاضافة الى شرقي القدس وتكبح نشر العطاءات الحكومية، اقرار مخططات بناء المدن وتسويق الاراضي للمقاولين. ومع ذلك، يستمر بناء المشاريع التي سبق أن بدأت، ويستمر البناء القروي في المستوطنات الصغيرة خارج الكتل ويستمر بناء البنى التحتية والمؤسسات العامة.

ـ تسمح “اسرائيل” بجمع شمل العائلات لنحو خمسة آلاف فلسطيني من الضفة الغربية وقطاع غزة والاردن.

لكن تلك الاقتراحات المتداولة اصطدمت _ مع المماطلة المستمرة لحكومة العدو_ مع إعلان وزارة الاسكان في حكومة العدو الى طرح عطاءات لبناء 708 وحدات استيطانية في حي جيلو الاستعماري/الاستيطاني في القدس الشرقية المحتلة، مما دفع برئيس السلطة في رام الله المحتلة للإعلان عن التوقيع على مجموعة اتفاقيات خاصة بالأمم المتحدة تتيح للسلطة التي حظيت بتاريخ 29/ 11 / 2012 باعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بكونها ” دولة غير عضو” وهو مايؤهلها امام استكمال الانضمام لعشرات الإتفاقيات أن تتحول لدولة تحت الاحتلال وليست “أراضٍ متنازع عليها”. بعض الخبراء أشاروا إلى أن ماتم التوقيع عليه،غير ذات صلة بالصراع مع كيان العدو الاستعماري، ولا يتعلق بوضع محكمة جرائم الحرب أو الأراضي الفلسطينية تحت الإحتلال. بل هي طلبات للانضمام الى مؤسسات الأمم المتحدة الخاصة بالتمييز ضد المراة والطفل ومكافحة الفساد ومكافحة الإرهاب.

 

إصرار على التسوية

رغم اعتبار الإعلان الذي بدا صاخباً، وحماسياً، مع تصفيق ووقوف الحاضرين “قيادات السلطة وفصائل المنظمة وآخرين”، فإن دلالة الانضمام للجهات الدولية المعنية، يجعلنا مطالبون بالتدقيق في مضامينها، ليس بغرض التقليل من “أهميتها” كما يردد البعض، وليس للتقليل من شأن الخطوة _ المتأخرة جداً_ كما يراها آخرون. وكما يبدو فإن الخطوة جاءت كـ”ردة فعل” آنية، بهدف تشكيل أداة ضغط محدودة، لأن العبارات/المواقف التي ألحقها أبو مازن بالإعلان، تؤكد على أن المياه التي جرت في النهر منذ توقيع اتفاق اوسلو، مازالت بنفس جريانها رغم بعض العثرات أو العقبات. يوضح رئيس السلطة كلامه، خوفاً من أي التباس بقوله ” مصرون على الوصول إلى تسوية من خلال المفاوضات ومن خلال المقاومة السلمية الشعبية ونرفض غير ذلك “.الكلام واضح لمن يحاول أن تأخذه أفكاره أو “أحلامه” لموقع آخر!. ولهذا، فقد أكد أكثر من مسؤول في قيادة المقاطعة برام الله المحتلة على أنهم “ملتزمون باستمرار المفاوضات حتى نهاية موعدها المقرر في نهاية الشهر الحالي” . كما أن ياسر عبد ربه أمين سر اللجنة التنفيذية للمنظمة فقد صرح في مؤتمر صحفي داخل مكتبه “نأمل تجدد مساعي جون كيري خلال الأيام المقبلة. لا نريد الفشل لجهود كيري، على العكس تماما نريد نجاحها”. مضيفاً “القيادة الفلسطينية تؤكد رغبتها في استمرار العملية السياسية وتؤكد أنها عملية سياسية جادة ليس فيها احتيال”.وهو مايعني إبقاء الباب مفتوحاً بما يمهد العودة للمفاوضات، وربما التوصل لاتفاق كل الأطراف على تمديدها، إذا أنجزت بنود الصفقة أو بعض بنودها، كمثال “حرية الجاسوس بولارد في مقابل حرية الأسرى القياديين، خاصة البرغوثي” رغم إصرار سعدات والبرغوثي على رفضهما استمرار التفاوض إذا كان الثمن إطلاق سراحهما” لأنهما وغالبية الأسرى وأبناء الشعب الفلسطيني يعلمون ماتجنيه حكومة العدو من استمرار مهزلة التفاوض.

 

وشهد شاهد من أهل السلطة

في قراءة موضوعية لتجربة الشهور الثمانية من عمر المفاوضات، لاتتأكد عبثيتها  فقط، بل _ وكما أكدنا مراراً_ الفائدة التي توفرها لحكومة العدو. وهنا تأتي أهمية ماأعلنته حنان عشراوي، عضو “اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير” قبل عشرة أيام وهي تعدد آثار تلك الأشهر الثمانية، المحمية بمظلة التفاوض، على الشعب الفلسطيني ” لقد كلفتنا العملية التفاوضية أرواحاً بشرية لا يمكن تعويضها، وسرقة أرض لم يتم لها مثيل في العالم، وارتفاع خطير في الاستيطان، وغيرها من عمليات التطهير العرقي التي تشرف عليها حكومة الاحتلال ومؤسساتها بدءاً بتهويد القدس ومحيطها وتغيير الواقع وهدم المنازل والترحيل القسري مروراً بأشكال العقاب الجماعي ضد السكان الفلسطينيين الأصليين وحجب الحقوق والحريات الأساسية عنهم، و نظام السيطرة والتخطيط وتقسيم المناطق، والتحريض على العنصرية والكراهية من المؤسسة الرسمية  المتمثلة بحكومة الاحتلال المتطرفة وأعضاء الكنيست والمؤسسة الدينية والمستوطنين”. وللتأكيد على ماألحقته العملية التفاوضية منذ انطلاقتها في 30 يوليو/تموز وحتى 27 مارس/ آذار 2014 من كوارث، تدعم “عشراوي” كلامها بالحقائق التالية:

 

القتل المتعمد مع سابق الاصرار والترصد:

قتلت “اسرائيل” 60 فلسطينيا وأصابت 941 بعمليات خارجة عن القانون، واستخدمت الروايات المشوهة والمزورة لتبرير جرائم القتل.

 

تصاعد وتيرة الاستيطان:

ارتفعت وتيرة الاستيطان في الضفة الغربية إلى أكثر من 123% مقارنة بعام 2012. حيث تم العمل على إقامة 10.509 وحدة استيطانية جديدة ، أضيف إليها  المصادقة على بناء  186 وحدة إستيطانية في بيت حنينا في القدس المحتلة وجبل أبو غنيم.

 

هدم المنازل:

 دمرّت قوات الاحتلال 149 من المنازل والممتلكات الفلسطينية.

 

مداهمات واعتقالات:

 قامت “إسرائيل” بتنفيذ 3767 هجوماً عسكرياً،  واعتقلت ما يقرب من 3061 فلسطينياً بما في ذلك الأطفال.

 

تشريعات ومشاريع قوانين عنصرية:

–  قانون “التمثيل الطائفي” الذي يميز بين المسيحين والمسلمين والدروز من فلسطينيي الـ 48.

–  مشروع قانون “فيجلين” لبسط سيادة الاحتلال على المسجد الأقصى.

–  تمديد قانون “المواطنة” العنصري الذي يمنع لم شمل  عشرات آلاف العائلات الفلسطينية .

–  تفعيل قانون أملاك الغائبين” في القدس المحتلة، من أجل  تهويدها وتغيير الواقع الديمغرافي فيها،  ومصادرة عقارات واملاك المقدسيين ومنحها لعائلات يهودية.

–  قانون رفع نسبة الحسم لضرب التمثيل العربي في الكنيست.

 

قوائم طاولة المفاوضات ـ التصفية

  لايريد بعض المتحمسين لنهج “المفاوضات …حياة” التوقف عند نتائج الثمانية أشهر، ولا على وقائع مريرة حملها أكثر من عقدين من الزمن على إلتزام السلطة باتفاق أوسلو. فالتصريحات القديمة/الجديدة عن ربط العودة للمفاوضات بوقف الاستيطان وبتثبيت حدود الكيانين”4 حزيران/ يونيو1967″ لاتعدو كونها محاولات إعادة ” ضرب الرأس بالجدار”.

 إن قلب طاولة المفاوضات، لايتم عبر ردود الفعل. لأن إتفاق أوسلو بما فرضه على أرض الواقع، هو الركيزة الأساسية التي أوجدت القوائم التي ارتكزت عليها طاولة المفاوضات. فالإتفاقيات الأمنية “التنسيق والتغطية والتسهيل” لتنفيذ جرائم الإعدام والقتل العمد للمناضلين والمقاومين، وتوفير المعلومات عن المقاتلين وملاحقتهم . ناهيك عن الخطوات الاقتصادية المتبعة وما أحدثته على كافة الصعد وما عكسته على الوضع الاجتماعي.

إن الإطاحة بهذه المرتكزات هو الطريق الذي يجب أن يسير عليه كل التواقين لحرية وطنهم وسيادة وكرامة شعبهم، الذين مازالوا مقتنعين بأن ” المقاومة حياة”.