من مناهضة التطبيع إلى مقاومته

عادل سمارة

ينتهي التحليل الاجتماعي الطبقي إلى رؤى ومن ثم استنتاجات سياسية واقتصادية وثقافية يكون مآلها الأخير مواقفاً، وتمترسا عند المواقف طالما بداية الفهم والتحليل وأدوات التحليل صحيحة ومنتمية وطوعية.

والذي يبدو أن تحولاً تحتياً قاعدياً يأخذ طريقه إلى الظهور في مجتمع الضفة الغربية. وهو لا شك تحول صعب وبطيء ولكنه حقيقي. تحول شبابي نقدي يتجاوز الأبوة البطريركية لكثير من القيادات السياسية والمناصبية في الحركة الوطنية الفلسطينية وللبنية الأكاديمية المتخارجة وللقشرة الثقافية.

لقد بات واضحاً أن الجيل الشاب يحوي بذورا نقية تدرك بوضوح ذهني متوقد أن كافة أنواع الأبوات:

  • أبوات السلطة
  • وأبوات قيادات القوى
  • وابوات الأكاديميا وما بعد الحداثة والفرانكفونية.
  • وابوات الثقافة المتخارجة وأية انواع من السلطات.
  • وطبعاً ابوات المال الكمبرادوري.
  • وابوات مناهضة التطبيع من الذين خلقهم التطبيع

أن هذه الأبوات لا تمثلهم ولا تمثل القضية الوطنية، بل هي في أحسن أحوالها شرائح متنفعة من التسوية والاحتلال تعيش على تنوعات من الريع وتحولت إلى شرائح تعيش من هذا الريع كعائدات غير منظورة. ومن أجل هذا تلجم اي نقد فكري أو ميداني. وهو لجم يتخذ عدة اشكال ناهيك عن دور الاحتلال:

  • اللجم البطريركي في الأسرة
  • اللجم الأمني
  • اللجم الثقافي
  • اللجم المناوراتي بتشكيل لجان ضد التطبيع وهي تطبع في مستوى ولا تطبع في آخر.

مثلا تقوم لجنة وطنية عليا لمناهضة التطبيع بعقد مهرجانات ضد التطبيع وجميعها مستفيدة من بلدوزر التطبيع أي اتفاقية اوسلو.

أو تقوم عناصر من جماعة رفض التطبيع الأكاديمي أل بي.دي أس، بالمشاركة في مؤتمر تطبيعي كالذي حصل في القدس “سياسات المعاناة”. ويتبع ذلك جدل فقهي مقيت، بمعنى يجوز أو لا يجوز!!! وقيام “رجال الأعمال” بعقد مؤتمر كسر الجمود وهو مؤتمر تطبيع اقتصادي سياسي مع راس المال الصهيوني وقد أتى رداً على ما اعلنته حركة الجهاد الإسلامي “عملية كسر الصمت”.

التحولات

تتبين من التصدي للتطبيع ثلاثة أمور اساسية ولافتة:

الأول: إن التطبيع ينقل اشكالة السرية إلى العلن، وخاصة الأعمال المشتركة مع صهاينة.

والثاني: إن هناك نبضاً جديداً يتتبع هذه الأنشطة الخطرة ويضعها في خانة الخيانة الوطنية مما يوجب نقل مناهضة التطبيع إلى مقاومة التطبيع.

والثالث: ظهور التحالف العميق بين السلطة وبين فرق التطبيع حيث بدأت السلطة تمارس القمع والمحاكمات ضد مناهضي التطبيع تماماً على طريقة النظام الأردني. وربما اشد سوءاً على الأقل لأن الأردنيين في وطنهم.

أهم التحولات التي نراها، أن الجيل الشاب يواجه من سقطوا في استدخال الهزيمة من الأجيال السابقة، الإبن أخذ يواجه اباه والطالب يواجه استاذه والشاب يواجه والده في جهاز الأمن وعضو التنظيم السياسي يواجه قائده المتنفع.

من بين هذه التحولات بالمفهوم السلبي، ديالكتيك القاع، إن اراد القارىء، أنه توازياً مع تشديد الاحتلال عدوانه على شعبنا هذه الفترة سواء بمصادرة الأرض وبناء الوحدات الاستيطانية، وتشديد الضغط السياسي والاقتصادي حتى على سلطة أوسلو! وهو على أية حال ضغط ينتهي على كاهل الطبقات الشعبية وليس على رجال السلطة تقوم السلطة بتشديد القمع وخاصة ضد الشباب الناشط ضد التطبيع، وكأنها اي السلطة تقدم للكيان الصهيوني ما قد لا يطلبه!

وفي الوقت الذي كان فيه التطبيع المشترك مع الكيان الصهيوني وحتى مع أدواته من فلسطينيي المحتل 1948 يتم بشكل غير معلن، ينشط المطبعون:

  • سواء مؤتمر “سياسات المعاناة” الذي يتصدره نديم روحانا وهو على خط تنسيق مع عزمي بشارة حتى قبل استقراره في إمارة قطر،
  • والتطبيع في مسرح القصبة الذي يقوده جورج إبراهيم الذي “يُقال” بأنه بدأ حياته المسرحية بفرقة تابعة للبلدية الصهيونية في القدس برعاية رئيسها آنذاك تيدي كوليك.
  • واعتداء أمن الحكم الذاتي (انظر الفيديو ادناه) على الشباب الذين احتجوا على المحتوى التطبيعي في القصبة وتوقيفهم للمحاكمة. ولا شك ستكون محكمة تستحق الحضور والاستماع لبلاغة مؤسسة التطبيع الكبرى.
  • كما يُشاع مؤخراً عن احتمال تكريم متدرب فلسطيني(مُغَّرر به لا شك ممن لا ولم يعلمون ماذا يفعلون) بفوزه بتقديم مقطوعة لموسيقار صهيوني!!!!

لن يكون الشارع ساذجاً إن لم يسأل: من الذي يمول هذه الهجمات التطبيعية؟ بل من الذي يمول حتى مؤسسات التطبيع هذه؟ وهل من يديرونها لا يعرفون كيف يتم تمويلها؟ هل ينام هؤلاء وهاتيك ويجدون مخداتهم مليئة بالمال بدل الإسفنج او الصوف؟

ولن يكون المواطن ساذجاً بمعنى أن لا يعرف بأن هؤلاء لا يمكنهم إلا أن يقوموا بالتطبيع لأن هذا المال المسموم هو لهذا الهدف المسموم.

وإذا كان الأمر على هذا النحو، وهو نعم كذلك، فإننا ندخل الحقبة الثالثة فيما يخص التطبيع:

  • الحقبة الأولى عدم وجود وعي بخطورة التطبيع بما هو ببساطة: تسليم الوطن للكيان الصهيوني
  • والحقبة الثانية وعي مخاطر التطبيع ومناهضته
  • والحقبة الثالثة وجوب مقاومة التطبيع.

لعل أهم ما يحصل حتى الآن هو باختصار:

إن مناهضة التطبيع قد دفعت قوى التطبيع وقوى الأمن إلى هجمة شرسة مزدوجه، اي مزيدا من المؤتمرات العلنية ومزيد من القمع المفتوح، وهذه تدفع إلى تحويل المناهضة إلى مقاومة.

من الأسئلة التي تفرض نفسها في هذه اللحظة:

أولاً: أين تقف قيادات القوى السياسية مما يجري وخاصة القيادات التي ورثت مجدا نضالياً للشهداء من جهة وللمواقف الوطنية والطبقية والقومية الجذرية والأممية من جهة ثانية؟

ثانياً: أين تقف الحركة الطلابية مما يجري وهل سترتفع عن المنتكفات الحزبية إلى التحالف للعمل الوطني.

ثالثاً: اين تقف ما تسمى منظمات المجتمع المدني التي لكثرة الحديث عنها تعيق مشينا في الشوارع؟

رابعاً: هل هناك منظمات أنجزة خارج مستنقع التطبيع؟ فلتتحدث,

بقيت ملاحظتان:

الأولى: إن النضال الوطني الفلسطيني ضد التطبيع يُعيد للقضية نضارتها بعد محاولات تطفيش العرب عنها، وهي محاولات تشتد كثيراً لتكفير الطبقات الشعبية العربية بالقضية الفلسطينية.

والثانية: إن مقاومة التطبيع هي تحريك الطبقات الشعبية العربية ضد أعداء الأمة خلال فترات توقف الصراع التحريري. إنها مشروع الحماية الشعبية في أوقات الهدنة.

انظر الخبر التالي:

http://www.wattan.tv/ar/news/90817.html