نشوء الرأسمالية المضاربة

الحلقة الأولى

المبادرة الوطنية الأردنية

بعد إنهيار المعسكر الإشتراكي ( أحد النماذج المحتملة لبناء الأشتراكية) نهاية القرن الماضي، دخل العالم مرحلة فوضى تشكيلة اقتصادية – إجتماعية كانت سائدة في دول المركز الرأسمالي العالمي، طوال مرحلة الصراع بين المنظومتين الرأسمالية والأشتراكية على امتداد القرن العشرين، كون هذه الفوضى لم تقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل تعدتها إلى فوضى في منظومة القيم والسلوك الاجتماعية.

ما هي الرأسمالية المضاربة؟ كيف تشكلت؟ هل تحققت، أم ما زالت تخوض معركة بنائها أو تحللها قبل أن تستقر؟

الرأسمالية المضاربة هي تطور في وظيفة الرأسمالية المالية من راسمال ممول للإنتاج، في القطاعات المنتجة: الصناعة والزراعة والتكنولوجيا.. الخ، إلى رأسمال ممول لفعاليات المضاربة على كافة الفعاليات الاقتصادية المالية ( الأسهم والسندات) والخدمية (العقارات وتكنولوجيا الاتصالات ) والانتاجية (السلع والبضائع)، وسنأتي لاحقاً على محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات، في سياق التعريف بالسمة العامة لسيرورة الرأسمالية كمنظومة إقتصادية إجتماعية.

أن فهم محاولات المركز الرأسمالي فرض التحول القسري بإتجاه الرأسمالية المضاربة، بالرغم من عدم توفر شروطها الموضوعية والتاريخية، والعوائق التي تنتصب أمام هذه المحاولات، هي المفتاح الحقيقي لفهم ما يجري اليوم على الصعيد العالمي والإقليمي من أزمات وصراعات.

سنحاول فتح باب النقاش أمام المعنيين والمهتمين في مناقشة هذه التحولات الهامة، التي حصلت على الصعيد العالمي، في فترة ما بعد إنهيار المعسكر الإشتراكي، والمحاولات الحثيثة لبناء تشكيلة إقتصادية – إجتماعية تتوائم وبنية الرأسمالية المالية المضاربة.

ولا يمكن فهم الرأسمالية المضاربة بمعزل عن سياق تطور الرأسمالية بشكل عام، وبدون فهم الرأسمالية من خلال فهم سيرورة تطور التشكيلة الإقتصادية – الإجتماعية التي تعبر عنه.

تعريف الرأسمالية:

الرأسمالية تشكيلة إقتصادية – إجتماعية قائمة على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ومبدأ الاستغلال بكافة صوره: طبقة لطبقة، شريحة صغيرة لمجتمع بأكمله، مركز رأسمالي لدول ومجتمعات الأطراف التابعة.

الرأسمالية نظام اقتصادي يتبنى فلسفة إجتماعية وسياسية، تقوم على أساس حق الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والتوسع بهذا الحق، وحماية مؤسسات الدولة لهذا الحق المقدس، ومفهوم الحرية المطلقة للفرد المالك للقوة، بمعنى آخر حرية القوّي على حساب الضعيف، حرية مالك وسائل الإنتاج على حساب مالك قوة عمله، حرية المركز الرأسمالي العالمي المهيمن على حساب دول المحيط التابعة.

ينقسم المجتمع في ظل الرأسمالية إلى طبقتين أساسيتين، البرجوازية والطبقة العاملة، والسمة الأساس لهذا النظام هو إستحواذ البرجوازية على كامل القيمة المضافة التي تتحقق بعمل وجهد الطبقة العاملة.

وعلى الصعيد العالمي تقسّم الرأسمالية العالم إلى عالمين: مركز رأسمالي مستغٍل ودول محيط تابعة مستغَلة، يتم استغلالها بشكل بشع، من خلال إستغلال ثرواتها الطبيعية وأمكاناتها ومقدراتها وكفاءاتها، وتترك مجتمعاتها فريسة للفقر والجوع والجهل والتخلف.

 وحيث أن الهدف الأساس والرئيس للرأسمالية تحقيق أكبر كمية ممكنة من الأرباح لصالح مالكي وسائل الانتاج، فأنها تسعي بإستمرار للبحث عن فرص ووسائل لتحقيق هذا الهدف:

  • فيتوسع مالكو وسائل الإنتاج في إدخال تقنيات حديثة في الإنتاج، حصيلة التطور العلمي التقني، ونتاج عمل وجهد النخب العلمية، وبسبب طبيعة الرأسمالية الإستغلالي، تستخدم هذه الخطوة بالضرورة على حساب القوى العاملة، حيث تحل الآلة مكان البشر، فتخلق البطالة بين صفوفهم كظاهرة مرافقة، وتؤدي إلى تدني مستوى معيشتهم.
  • يوسعون من هيمنتهم من خلال الهيمنة على أسواق جديدة، لضمان تدفق مواد خام أولية ضرورية لصناعاتهم بإسعار رخيصة، ولضمان أسواق لتصريف بضائهم بإسعار مرتفعة، مما يولد التبعية المطلقة، تبعية المحيط إلى المركز، وتبعية المستهلك للمنتج.
  • يبحثون عن مصادر جديدة للخامات الرخيصة، فتنتج الهيمنة والتبعية والاستعمار المباشر وغير المباشر، فيتوّلد الفقر والجوع والبطالة للشعوب التابعة وشبه المستعمرة.
  • يضيقون على الطبقة العاملة والأطر الممثلة لها، النقابات العمالية، ويتم ابتزازهم في لقمة عيشهم، خاصة وأن مؤسسات الدولة البرجوازية والدولة التابعة تصطف إلى جانب أصحاب العمل ضد العمال.

خلقت الرأسمالية، بسبب البحث عن تعظيم الأرباح، قوى منتجة مركزة في مؤسسات ضخمة، كان من نتيجتها أن اصبحت سمة قوى الانتاج هذه إجتماعية عامة، لكن القيمة المضافة التي تنتجها هذه القوى العاملة، تذهب إلى جيوب البرجوازية، التي هي شريحة إجتماعية خاصة ضيقة، مما يرتّب تناقض تناحري بين الطابع العام للإنتاج والشكل الرأسمالي الخاص للإستئثار بالقيمة المضافة المنتجة بكد وكدح العاملين.

مرت الرأسمالية بمرحلتين أساسيتين في تطورها:

مرحلة رأسمالية المنافسة الحرة، والتي رفعت شعار ” دعه يمر دعه يعمل” وتتميز في المنافسة الحرة بين مؤسسات الإنتاج المختلفة.

ومرحلة الرأسمالية الإحتكارية، الإمبريالية، التي تتسم بسيطرة الإحتكارات، وزيادة حادة في تمركز الإنتاج وعولمته عبر المجمعات المصرفية العملاقة، والشركات العملاقة متعدية القوميات، وتعزيز سلطة الطغمة المالية، واستخدام طاغي للإحتياط العلمي التكنولوجي في خدمة مالكي وسائل الإنتاج، وتعاون دول المركز الرأسمالي لتنظيم السيطرة على الإقتصاد العالمي، وتضخم دور المجمع الصناعي الحربي في صنع القرار العالمي، وعسكرة الإقتصاد وسباق التسلح، في ظل صراع المنظومتين الأشتراكية والرأسمالية، وإحتدام حدة الصراعات والتناقضات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية، على الصعد المحلية والدولية.

لمحة عن مراحل تطور الرأسمالية واشكالها:

إثر إنهيار النظام الإقطاعي في أوروبا، ما بين القرن الرابع عشر والسادس عشر، ظهرت الطبقة البورجوازية في سياق مرحلة تحلل الإِقطاع ومتداخلة معها.

  • فرض ظهور البورجوازية مرحلة بناء الرأسمالية بشكل متدرج، وذلك منذ بداية القرن السادس عشر.
  • وتبنت الرأسمالية حرية الملكية الخاصة لوسائل الانتاج، وحرية الفرد المرتبطة بألية السوق، وكذلك إنشاء دول القوميات اللادينية وتقليص السلطة الدينية.
  • ظهر المذهب الحر (الطبيعي) في النصف الثاني من القرن الثامن عشر في فرنسا حيث ظهر الطبيعيون الذين يعتقدون بقدرة السوق على تنظيم نفسه بنفسه (بطريقة غيبية).

تطور أشكال الرأسمــالية: من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

البرجوازية التجارية: ظهرت في القرن السادس عشر في حضن الإِقطاع، وفي مرحلة تحلله، وإفساحه المجال أمام مرحلة جديدة تقوم على إنتاج المانيفكتورا، حيث اصبح التاجر وسيطاً بين المنتج – منيفاكتورا – والمستهلك، و يقوم بنقل المنتجات من سلع وبضائع حسب طلب السوق.

الرأسمالية الصناعية: نتيجة الإختراعات – ظهور الآلة البخارية التي اخترعها جيمس وات سنة 1770 م والمغزل الآلي سنة 1785 م – تقدمت الصناعة بشكل لا مثيل له، مما أدى إلى قيام الثورة الصناعية في إنجلترا خاصة وفي أوروبا عامة إبان القرن التاسع عشر، وفي سياق مرحلة الانتقال من مرحلة المنافسة الحرة إلى مرحلة الأمبريالية، ظهرت المنظومات التالية المسيطرة على السوق:

نظام الكارتل ( تقاسم الأسواق) : الذي يعني إتفاق الشركات الكبيرة على اقتسام السوق العالمي فيما بينها، مما يعطيها فرصة احتكار الأسواق وابتزاز مجتمعاتها بحرية تامة.

 نظام الترست ( الإندماج) : الذي يعني إندماج عدة شركات متنافسة لتنتج شركة واحدة تكون أقدر في الإِنتاج وأقوى في التحكم والسيطرة على السوق.

الرأسمالية المالية : ظهرت بعد تطور دور المؤسسات المالية وتطور وظيفة البنوك، من دور المستقبل للإيداعات وحفظ الأموال، إلى دور الممول والمساهم في تحديد دورة الاقتصاد وبنيته، ولتصبح العمود الفقري الرئيسي لتوحيد السوق العالمي والاقتصاد العالمي، تحت عبائتها.

الرأسمالية المضاربة: تحول من الرأسمالية المنتجة ( بضائع وسلع وخدمات) إلى الرأسمالية المضاربة على الأسهم والعقارات والسلع والبضائع والخدمات، أي الانتقال مما كان يسمي نظرية العرض والطلب كآلية لتنظيم الاسعار وعمل السوق إلى نظرية حرية تحديد أسعار كافة المنتجات من سلع وبضائع وخدمات، بفعل قوة التحكم بالسوق، أيتطور في بنية الرأسمالية المالية، حيث الانتقال من دور الممول للعمليات الإقتصادية والدورة الاقتصادية، إلى دور المتحكم بالدورة الاقتصادية.

أهم أسس ومنطلقات الرأسمالية، بكافة صورها وأشكالها:

  • تبني شريعة الغاب في السوق وفي التشريعات: حيث البحث عن المقدس وضمان تحققه – الربح – بشتى الطرق والأساليب “المشروعة” وغير المشروعة ( فليس هناك ما تملك الدولة من منع الشركات عن تحقيق الربح بواسطته إلاّ الضرر العام، المخدرات والسرقات الموصوفة مثلا) وتتبنى المنافسة والمزاحمة في الأسواق بين الشركات، لتحقيق الأرباح على حساب البشر، وتتبنى نظام حرية الأسعار وفق متطلبات العرض والطلب، وإعتماد قانون التخفيضات – التنزيلات- في سبيل ترويج البضاعة وبيعها، ويتم ضمان كل تلك الإمتيازات، لصالح رأسمال وأصحابه،من خلال التحكم في البنى الفوقية وخاصة التشريعات: القوانين والأنظمة والتعليمات.
  • إعتماد مبدأ “النظام العام وتوطيد الأمن” من أجل حماية وضمان قدسية الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وحق الربح، والحق في زيادة ثرواتهم وحمايتها وضمان عدم الاعتداء عليها، وتوفير القوانين اللازمة والبيئة الملائمة لنموها بإطراد، وعدم تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية، إلا بالقدر الذي يتطلبه تصحيح السوق.

 

  • ·     تبني الإيدولوجيا الغيبية “المذهب الطبيعي” الذي هو أساس الرأسمالية، حيث يدعو إلى أمور منها: – الحياة الاقتصادية تخضع لنظام طبيعي ليس من وضع أحد– غيبي – حيث يحقق بهذه الصفة نمواً للحياة وتقدماً تلقائياً لها، الوجه الآخر للغيبية الدينية.

 إيمان الرأسمالية بالإستغلال، وحرية الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، لصالح مالكي وسائل الإنتاج، أدى إلى فوضى في الاعتقاد وفي السلوك والقيم لدى عامة الناس، وأدى إلى الضياع الفكري والخواء الروحي، مما ولّد هذه الصراعات التي تجتاح العالم، وأعاد إنتاج ثقافة المجاميع الماقبل رأسمالية في دول المحيط، وثقافة التسليع لدى البشر في المركز.

تزداد ضرورة هيمنة الملكية الخاصة للموارد والثروات ووسائل الإنتاج مع تطور الرأسمالية بشكل مضطرد، وبما ان مقدس الرأسمالية تعزيز الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، فإنها بالضرورة تعمل على تقليص الملكية العامة لوسائل الإنتاج ( الذي تم تطبيقه تحت مسمى سياسة الخصخصة منذ بداية عقد التسعينات من القرن الماضي بحسب توافقات واشنطن) ليصبح دور الحكومة دوراً رقابياً فقط، وفي حال دخول السوق الرأسمالي في أزمة، تعود مقولة تدخل الدولة ضرورة، ويدعوا لها الرأسماليون وممثلوهم من الإقتصاديين البرجوازيين، الذين كانوا قبل برهة يرفضونها، لماذا؟ لأنهم يطلبون تدخل الدولة لحمايتهم من الإنهيار، وليتم دعمهم على حساب قوت المواطن الكادح، حيث تم تطبيق، نظرية الاقتصادي البريطاني “جون كينز” في منتصف الثلاثينات من القرن الماضي إثر أزمة عام 1929 تحت شعار ” ان الاقتصاد الرأسمالي غير قادر على حل مشاكله بنفسه كما في النظرية الكلاسيكية، بل ان هناك اوقات كساد اقتصادي، كساد عام 1929 والحالي عام 2008، تحتم على الحكومة التدخل من أجل تحفيز الاقتصاد” ( في عام 1932 م باشرت الدولة تدخلها بشكل أكبر في إنجلترا، وفي الولايات المتحدة زاد تدخل الدولة ابتداء من سنة 1933 م، وفي ألمانيا بدءاً من العهد النازي وذلك في سبيل المحافظة على استمرارية النظام الرأسمالي) لقد تمثل تدخل الدولة في المواصلات والتعليم ورعاية حقوق المواطنين وسن القوانين ذات الصبغة الاجتماعية، كالضمان الاجتماعي والشيخوخة والبطالة والعجز والرعاية الصحية وتحسين الخدمات ورفع مستوى المعيشة.

لقد توجهت الرأسمالية هذا التوجه الإِصلاحي الجزئي بسبب ظهور العمال كقوة في البلدان الرأسمالية، ولوقف المد الشيوعي الذي يعتمد العمال كحامل إجتماعي لتشكيلة إقتصادية إجتماعية من نوع خاص – اشتراكي -.

أهم الانتقادات الموجهة للنظام الرأسمالي:

  • تكديس الثروة بواسطة الثروة نفسها وليس بواسطة العمل وعلى حساب الشرائح والطبقات المنتجة للثروة.
  • منتج الثروة تحتجز عليه الثروة المنتجة بجده وعرقه وجهده، ويستحوذ عليها من لا ينتجها، الثروة المنتجة تعود ملكيتها لمن ؟.
  • حيث الهدف الأساسي والوحيد لهذا النظام، هو الربح فإن النتائج ستكون سلبية على الإنسانية والبيئة والنظام العام.
  • إنصياع الحكومات والسياسات لقرارت الكيانات الاقتصاديه الراسماليه الضخمه (الشركات العملاقة متعدية القوميات) بما فيها القرار السياسى والتحكم فيه وإنحياز مؤسسات الدولة إلى طبقه بعينها ( مالكي وسائل الانتاج) مما يؤدى إلى ضعف الخدمات العامه، وخصوصا في الدول النامية.

في الحلقة القادمة: الرأسمالية المضاربة البنية والوظيفة

” كلكم للوطن والوطن لكم”