الرأسمالية المضاربة – الحلقة الثانية –

المبادرة الوطنية الأردنية

الرأسمالية المضاربة يمكن تعريفها بأنها تحول في البنية والوظيفة للرأسمال المالي، الذي نشأ في إحشاء الرأسمالية المنتجة، نتيجة الإدخارات والإيداعات التي توفرت لدى البنوك والمؤسسات المالية الأخرى، والتي هي في الأساس مدخرات المجتمع بكافة شرائحه (أموال الشرائح الأجتماعية).

 دخلت هذه المؤسسات المالية الدورة الإقتصادية كوسيط من خلال توفير السيولة النقدية للإقتصاد المنتج (الصناعي والزراعي والخدمي)، وسيط بين مدخرات المجتمع، الأفراد والمؤسسات وصناديق الإدخار، والصناديق السيادية، وبين مؤسسات الإنتاج، ومع تمركز رأسالمال في البنوك الكبيرة (نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين) وبعد إزاحتها للبنوك الصغيرة من طريقها، تحولت هذه البنوك من دور الوساطة إلى دور الإحتكار، وأخضعت بذلك لسطوتها شركات دول المركز الرأسمالي، ودول المحيط التابعة المصدرة للمواد الخام، حيث استغلت هذه البنوك إشرافها على حسابات التجار والصناعيين للتأثير على قراراتهم في مرحلة أولية، ثم انتقلت إلى مرحلة التحكم بقراراتهم، عبر التحكم بمصائرهم من خلال التحكم بسياسة التسليف، الحجز أو المنح، ومن ثم تقرير مصيرهم بصوره تامة، وقد سبق ممارسة أعمال المضاربة في الاسواق المالية – البورصات – الناشئة ، ممارسة المضاربة على سلع مثل زهرة التيولب بداية القرن السابع عشر.

 المضاربة في الأسواق المالية هي جانب من جوانب النشاط الاقتصادي الرأسمالي، وهي عبارة عن شكل من أشكال المقامرة والإبتزاز، يلجأ إليها البعض من الرأسماليين المضاربين بهدف تحقيق أرباح رأسمالية سريعة ناتجة عن الفروقات في الأسعار، والتعامل من حيث الفترة الزمنية التي يخطط لها المضارب تكون عادة بشكل يومي، أو بشكل أسبوعي، أو بشكل شهري بناء على معطيات السوق وأدواته.

 على مدى العقود الطويلة الماضية، تسببت المضاربات في إحداث تضخم كبير في الاقتصاد العالمي، نتيجة الأزمات الأقتصادية التي تحدثها هذه المضاربات، وتكون من تداعياتها موجات غلاء فاحشة مرافقة في الأسواق العالمية، كارتفاع أسعار النفط والمعادن والسلع الغذائية والدوائية، وتجبر الحكومات على التدخل لدعم المؤسسات المالية المأزومة بالسيولة على حساب التنمية وعلى حساب الشرائح الكادحة والمنتجة.

وبسبب هذا الاستنزاف المالي الكبير – نتيجة دعم المضاربات – يتعرض الاقتصاد العالمي لمواجهات كارثية كبيرة، إما انهيارات في أسواق العملات أو الأسهم أو انهيار إحدى القطاعات الرئيسية في الاقتصاد.

ويمكن تلخيص ورصد التداعيات المدمرة للمضاربات على الدول والمجتمعات والأفراد، من خلال رصد تاريخي للأحداث أولا، ومن ثم من خلال رصد الواقع الراهن للأزمة الممتدة منذ عام 2008 لحد اليوم.

لا بد من وضع القارئ العزيز، بصورة ما، في معرفة أنواع المضاربات وتاريخ المضاربات، منذو عام 1637 أزمة زهرة التيولب في هولندا، مروراً بأزمة المسسبي عام 1716 وصولاً إلى أزمة الرهن العقاري عام 2008، من أجل خلق وعي لدى الاشخاص الضحايا والمجتمعات المسلوبة لوهم أسمه “الأرباح السريعة” التي يمكن تحققها من المضاربات، ليتبين لهم، عبر رحلة في تاريخ المضاربات عبر أربعة عقود، إنها تخلق المأسي فقط.

المضاربات تقع تحت عنوان جميل ” تجزي بلا حساب وتعاقب بلا رحمة “ من كتاب ” إنهيار الرأسمالية” ولكننا في النهاية وفي الحقيقة نجد أنها تعاقب بلا رحمة فقط وفقط، والمضاربون الكبار هم مجموعة من اللصوص والمقامرين  والأفاقين، ضحاياهم من عامة الناس ومجموعة الطمّاعين، هذا في الجانب الأخلاقي، أما في الجانب الأقتصادي فهي طغمة الرأسمالية المالية والبرجوازية الكمبرادورية والسماسرة.

ولا بد من التنبيه في سياق هذا السرد كيف يتم تزييف وعي الناس من خلال إتهام أشخاص بعينهم بمسؤليتهم، وليس البنية الأقتصادية ذاتها التي تعتمد بطبيعتها هذه العمليات، عن هذه المضاربات ونتائجها المدمرة على الاقتصاد الكلي وعلى المجتمعات كما سيتضح في سياق سردية الأحداث.

بالعودة إلى تاريخ  المضاربات وأنواعها وبحسب دراسة مفصلة منشورة على صفحات من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة:

أنواع المضاربة 

المضاربة الآنية : وتعرف باسم Spot وتتحرك فيها أسعار العملات بين لحظة وأخرى، وهي تستلزم أن يكون المضارب أمام شاشات الأسعار دائما، ويتميز هذا النوع من المضاربات بالسرعة، وأنه يمكن أن يتم إجراء عدد كبير من العمليات في اليوم الواحد ولا يمكن تحديد الربح أو الخسارة فيها.

المضاربة على العقود المستقبلية Future : وتتمثل في المضاربة على العملات في المستقبل بناء على سعر مستقبلي متوقع، حيث يتم العمل فيها وفق نظرية تختلف عن أنواع المضاربات الأخرى، وفي الغالب تخضع لتوقعات المضاربين المبنية على ما يتوفر لديهم من بيانات ومعلومات عن حركة العملات الحالية والمستقبلية واقتصاديات الدول.

مضاربة المشتقات وتعرف باسم Options : وهو نوع يعتمد على خطط معينة لدخول السوق والخروج منها، ويتم تحديد نسبة الخسارة التي يمكن تحملها قبل بدء المضاربة، وأهم ما يميز هذا النظام أنه يتم تجهيز الخطط والدخول بها إلى السوق، وحاليا تبيع شركات الاستشارات في هذا المجال أقراص CD عليها تلك الخطط ويمكن أن تصل تكلفتها إلى 250 ألف دولار للقرص الواحد، ويكون المضاربون في هذا المجال من الشركات الكبرى وفي هذه النوعية من المضاربات يتم الربط بين أسعار الصرف ومتغيرات أخرى مثل أسعار النفط أو أسعار الذهب أو أسعار إحدى السلع مثل القمح وغيره.

المضاربة التبادلية : وهذا النوع يقتصر على أصحاب شركات التصدير والاستيراد، حيث تتم المضاربة على ثبات قيمة العملة، ويكون الربح للمصدر والمستورد من إجمالي تغيير أسعار الصرف لعمليات التصدير والاستيراد معا.

تاريخ المضاربات

لقد عرف العالم انهيارات مالية عديدة كان معظمها بسبب المضاربات بدءا من أزمة زهرة التوليب في هولندا عام 1637 لحد أزمة الرهونات العقارية في الولايات المتحدة عام 2007- 2008 .

وفيما يلي أهم الانهيارات المالية التي شهدها العالم بسبب المضاربات، حيث سيتم التطرق لها بشيء من التفصيل، بهدف وضع القاريء بصورة كيفية إعادة إنتاج عمليات المضاربة والأدوات المستخدمة بشكل مستمر، وصولاّ إلى محاولة التحول في بنية الرأسمالية إلى الرأسمالية المضاربة.

أزمة زهرة التوليب1637:

وفقا لتاريخ الأزمات التي مرت بالعالم، يعد الهوس ببصيلات زهرة التيوليب الذي بلغ أقصاه في فبراير 1637 أول حالة مسجلة للفقاعات السعرية في العصر الحديث.
وقد وصل الأمر أن بيع 12 هكتارا من الأرض في مقابل بصيلة واحدة من التيوليب. كذلك كان يتم تبادل الزهرة، التي لم تر من قبل،  بعربة يجرها حصانان، ثم تطورت الأمور على نحو أسوأ، لدرجة أن أسعار الزهور أخذت في الارتفاع حتى قبل أن تظهر على النبات بعد، وبلغ سعرها قبل الانهيار حوالي  3000 فلورين هولندي، أو ما يزيد على 50 ألف دولار بأسعار اليوم.
بدأت هذه الفقاعة عندما قام شارل دي ليكلوز Charles de L`Ecluse  بجلب بصيلات زهرة التيوليب إلى أوروبا في القرن الـ 16، واستغرق الأمر نحو قرن من الزمان لبدء عملية المضاربة عليها، وازداد تقدير الزهرة بشكل خاص بين السكان في هولندا، وكلما ازداد جمال الزهرة وازدادت ندرتها ارتفع سعرها، حتى أنه في عام 1630 بدأت الأسعار السوقية للزهرة في الارتفاع بشكل غير مسبوق، وازداد الطلب عليها إلى حد أنه يشاع أن كل من كان يقيم في هولندا في ذلك الوقت أقدم على المضاربة على أسعار هذه الزهرة تقريبا، ونظرا لانتشار الهوس بالزهرة تم إنشاء أماكن متخصصة في تبادل التيوليب في بورصات تبادل الأسهم في أمستردام وروتردام وهارلم، وغيرها من أنحاء هولندا، وأخذت المضاربة على الزهرة في التزايد، وحقق عديد من الأشخاص ثروات كبيرة نتيجة لذلك.

في عام 1637 بدء التحول في سوق التيوليب، وكما انتشرت المضاربة على الزهرة بسرعة جنونية انطفأت الأسعار أيضا بالسرعة نفسها، حيث انتشرت حمى البيع بشكل هستيري مما أدى إلى انفجار الفقاعة ومن ثم هوت الأسعار وانهارت معها الثروات، وتحول الأثرياء الذين أغرموا بالزهرة إلى متسولين في الشوارع، حيث تعرض كل من اشترى الزهرة بصفة خاصة بكميات كبيرة للإفلاس، وانتهت أزمة التيوليب ودخل الاقتصاد الهولندي حالة كساد طويل.

 

فقاعة المسيسيبي 1716 :

فقاعة المسيسبي مثال آخر على نوع مختلف من الأزمات التي ارتكزت على المضاربات الشرسة والراغبة في الثراء السريع المدفوع بادعاءات ليست قائمة على أساس من الواقع، أو ما يمكن أن نطلق عليه ترويج الوهم والتي يمكن أن تنجح عندما نجد مستثمرين لا يسألون أنفسهم عن مدى صحة ما يتم الترويج له، فيندفع الجميع كالقطيع نحو الوهم، ليكتشفوا في النهاية أن الهدف كان ببساطة نوع من السراب، وكان السبب في حدوث هذا الانهيار هو الاقتصادي الإنجليزي جون لو John Law ، الذي يعد أشهر شخص في تاريخ الأزمات المالية التي تعرض لها العالم.

ولد ” جون لو ” في اسكتلندا لأسرة تعمل في مجال المال، حيث كان والده جواهرجيا في أدنبرة، وفي عام 1694 قبض على جون لو بتهمة القتل وحكم عليه بالسجن، إلا أنه بعد فترة قصيرة استطاع الهرب من السجن، ويشاع أن ذلك تم بمباركة رسمية، لينتقل بعد ذلك جون لو في المنفى عبر قارة أوروبا، واستطاع أن يكون ثروة كبيرة من عمليات القمار، حيث يشاع أنه كان يملك عقلا فذا يمكنه من إجراء العمليات الحسابية اللازمة لحساب أوراق اللعب ومن ثم الفوز بالمقامرات في ألعاب الورق.
كان “جون لو” يعتقد أن العرض غير المستقر من الذهب والفضة هو السبب في تباطؤ الاقتصاد الفرنسي، وليس المشكلات الحقيقية التي تواجهها فرنسا، ومن ثم فإن مزيدا من عرض النقود يمكن أن يشجع التجارة والنمو في فرنسا، وهي الأفكار نفسها التي ترتكز عليها عمليات صناعة السياسة النقدية في عالم اليوم.
في مايو 1716 تم منح “جون لو” حق إنشاء بنك سمي البنك الملكي Royal Bank برأسمال ستة ملايين جنيها فرنسيا، كما منح الحق في إصدار الصكوك، التي تم استخدامها بواسطة البنك لدفع النفقات الجارية للحكومة، وكانت هذه الصكوك قابلة للتحويل إلى ذهب، إذا أراد حاملها ذلك، وتولى البنك استقبال الودائع في صورة عملات معدنية، ثم إصدار أوراق بنكنوت في مقابلها، وهي فكرة بدت غريبة في وقتها، غير أنها ستشكل لاحقا الأساس الذي ستقام عليها النظام النقدية في العالم أجمع، وساعد جون لو الحكومة الفرنسية على التحول نحو النقود الورقية، من خلال البنك الملكي، الذي طبق أفكار “جون لو” حول إصدار النقود الورقية، وكانت الآلية هي قبول الودائع بالعملات المعدنية، ثم إصدار أوراق بنكنوت تساوي في قيمتها العملات المعدنية يوم الإيداع، وعلى الرغم من أن البنك الملكي كان بنكا خاصا، إلا أن ثلاثة أرباع رأسماله كان عبارة عن أذون وأوراق مقبولة من الحكومة.

مع تزايد رصيد الصكوك كانت هناك حاجة إلى دفع الفوائد عليها، وهو ما تم توفيره من الناحية العملية من خلال إنشاء شركة المسيسبي التي قام البنك الملكي بإنشائها، وعين جون لو مديرا عاما للشركة الجديدة، ومنحت الحكومة الفرنسية شركة المسيسبي صلاحيات تجارية واسعة أهمها حقها في البحث عن الذهب في صحراء ولاية لويزيانا، على الرغم من عدم وجود أي دلائل على وجود الذهب الذي ستتولى الشركة مهمة اكتشافه، فلم يعجز ذكاء جون لو الفذ في البحث عن طريقة تمكن فرنسا من تسديد ديونها وذلك من خلال فتح الاكتتاب لبيع أسهم لشركة للتنقيب عن الذهب غير الموجود أصلا في لويزيانا في الولايات المتحدة، وبدأ جون لو في الترويج لهذا الوهم، مع الأسف لم يشأ أحد من المضاربين على أسهم شركة المسيسبي أن يسأل نفسه عن مدى صحة احتمال وجود هذا الذهب الذي تدعي الشركة أنها ستتولى اكتشافه، ربما لأن الجميع لديه الرغبة في الاستفادة من فرصة ادعاء اكتشاف الذهب.

الذي حدث بعد ذلك هو أن كل جنيه استخدمته الحكومة في سداد الدين للجمهور كان يتم إعادة استخدامه مرة أخرى في تمويل شراء الأسهم، وهو ما ساعد على رفع أسعار الأسهم من الناحية الاسمية، ومن ثم تمكين الحكومة من إيجاد مصادر لتمويل عمليات إصدار صكوك جديدة، ولما كانت هذه الصكوك مغطاة بالذهب في البنك الملكي فإن العلاقة بين الرصيد المعدني (الذهب) وحجم هذه الصكوك أخذت في الاختلال، وأصبح الرصيد الذهبي محدودا جدا بالقياس إلى حجم الصكوك المصدرة، إنها القصة نفسها التي تكررت في ظل نظام بريتون وودز بإصدار كميات هائلة من الدولار قياسا برصيدها الذهبي، لتبيع للعالم حلما زائفا “دولار مغطى بالذهب“، بينما لم يكن الأمر كذلك، الأمر الذي أدى لاحقا إلى انهيار النظام في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، ومن ثم تم فصل النقود عن الذهب بصفة نهائية.

في عام 1719 خرج جون لو بفكرة إعادة هيكلة الدين القومي الفرنسي من خلال شركة المسيسبي، وذلك عن طريق استبدال أسهم الشركة في مقابل صكوك الدين وضمان تحقيق أرباح طائلة على هذه الأسهم، واستطاع جون لو أن يضخم من الثروة المتوقعة في لويزيانا من خلال خطة تسويقية محكمة، ما أدى إلى زيادة عمليات المضاربة على أسهم الشركة في 1719، وتنج عن تزايد الإقبال على هذه الأسهم بين الجمهور تزايد الحاجة نحو طبع مزيد من البنكنوت، وقام البنك الملكي بإصدار كميات هائلة من البنكنوت كرد فعل لذلك، ومن ثم بدأ التضخم يرتفع في فرنسا.

استطاع جون لو أن يكون احتياطيات ضخمة من خلال عمليات الإصدار للأسهم وكذلك تحقيق أرباح من خلال إدارة الاحتياجات المالية للحكومة، وفي ظل إدارة جون لو تم توسيع نطاق أعمال شركة المسيسبي لتشمل عمليات جمع الضرائب والاتجار خارج أوروبا، وفي عام 1720 أرسل أمير كونتي صكوكه إلى البنك الملكي لتحويلها إلى نقود ذهبية، ويقال إن الأمير قد أرسل ثلاث عربات حملت بالذهب في مقابل صكوكه، إلا أن فيليب دو أورليانز قد تدخل لاحقا، بناء على طلب من جون لو، وأمر الأمير بإعادة الذهب مرة أخرى إلى البنك، غير أن الآخرين بدأوا في التفكير في أن الاحتفاظ بالذهب ربما يكون أفضل من الاحتفاظ بالصكوك، وفي محاولة زائفة لإقناع الجمهور بجدية نشاط الشركة، تم تجنيد كتيبة من المتسولين في باريس، وتم تسليحهم بالمعاول، كما لو أنهم في طريقهم إلى صحراء لويزيانا للبحث عن الذهب، غير أنه في غضون أسابيع عاد هؤلاء إلى أماكن عملهم مرة أخرى، ما أظهر حقيقة الموضوع على أنه عملية نصب رسمي على نطاق واسع، ولأن قيمة الأسهم كانت لا تعبر عن القيمة الفعلية لها، قام جون لو بتخفيض قيمة البنكنوت والأسهم إلى النصف، إلا أن قرار جون لو دفع الناس إلى موجة من البيع للأسهم، وهو ما أدى إلى تدهور الأسعار السوقية لها بشكل كبير.

لسوء حظ جون لو أن الجمهور كان يفضل أن تتم عمليات دفع الأرباح من خلال الذهب والفضة، حسبما اعتاد الناس وقتها، وخوفا منه على الرصيد الذهبي للبنك الملكي، ولمعرفته بأن القيام بذلك سيكشف غطاء البنكنوت الذي أصدره، توقف البنك الملكي عن صرف الصكوك بالعملات المعدنية، وانتهت القصة بصورة مأساوية، حيث انفجرت فقاعة المسيسبي في أواخر عام 1720، ومثلما هو الحال في أي أزمة، لم يكن أمام الجميع الوقت الكافي للتقليل من خسائرهم، والنتيجة المعروفة هي الاندفاع كالقطيع نحو استبدال أوراق البنكنوت بالذهب، عندها اندفع الناس لتحويل الصكوك إلى معدن، كانت كمية النقود الورقية المصدرة عدة أضعاف الرصيد المعدني الفعلي في البنك الملكي، ومن شدة الازدحام فقد 15 شخصا أرواحهم نتيجة الاندفاع أمام البنك.

وأفلس البنك الملكي في 1721، ومن ثم انخفضت أسعار الأسهم إلى الصفر، وتحولت الصكوك إلى نقود بلا قيمة، ودخل الاقتصاد الفرنسي في حالة كساد بعد الأزمة وفقد كثيرون ثرواتهم.

أزمة شركة بحر الجنوب 1717

تم إنشاء شركة بحر الجنوب في عام 1711 بإيحاء من هربرت هارلي Robert Harley  وقامت فكرة إنشاء هذه الشركة على تحويل ديون الحكومة البريطانية الناتجة عن الحرب مع أسبانيا إلى أسهم في مقابل فائدة تدفعها الحكومة البريطانية، وكان الدين الحكومي البريطاني صعب التسويق في أوائل القرن الـ 18، وبعضه غير قابل للسداد، وعلى الرغم من أن العوائد على الدين الحكومي كانت مرتفعة، إلا أن السندات كانت تباع بخصم كبير.
كانت أولى العمليات الجوهرية للشركة هي تحويل أكثر من مليون جنيه استرليني إلى أسهم في مقابل مدفوعات فائدة من الحكومة، ونتيجة لذلك انخفضت مدفوعات الدين الحكومي بشكل كبير، وشهد حملة السندات السابقون أن القيمة السوقية للأوراق التي يحملونها ترتفع بشكل واضح، وحققت الشركة أرباحا كبيرة نتيجة لذلك، في المقابل منحت الشركة احتكارا على حقوق التجارة في بحر الجنوب، وكانت عبارة “بحر الجنوب” تطلق في هذا الوقت على المياه المحيطة بأمريكا الجنوبية، ومن المعلوم في ذلك الوقت أن العرش الأسباني كان يحتكر حق التجارة والنقل مع هذا المحيط الضخم، غير أنه كانت هناك آمال بأن تفضي المفاوضات بين الحكومتين البريطانية والأسبانية إلى منح بريطانيا حق الوصول إلى هذه المناطق، كالمكسيك وبيرو وباقي المناطق، كانت الشركة أكثر المتعاملين في الدين الحكومي، منها في مجال التجارة الخارجية، بل إن كثيرا من المؤشرات كانت تشير إلى أن إدارة أعمال الشركة كانت تتم على نحو سيئ، لدرجة أنها لم تحقق حتى مستوى التعادل في تغطية تكاليفها.
في عام 1719 قامت الشركة مرة أخرى ببيع أسهم في مقابل ديون الحكومة، وبنهاية العام كانت الشركة تستحوذ على نحو 20 % من الدين العام البريطاني، ترتب على نجاح الشركة إقبالها على خطط أكبر، حيث اقترحت الشركة أن تتولى استبدال باقي الدين العام، وفي المقابل منحت الشركة حق إصدار أسهم لتمويل عملية التحويل، وللمفارقة أن الشركة تنافست معBank of England للحصول على الحق في عملية التحويل، لكن الرشاوى التي دفعتها الشركة جلعت الصفقة لمصلحتها، ويقال إن الشركة قامت بدفع رشاوى في صورة أسهم لشركة بحر الجنوب كهدايا مجانية للوزراء الأساسيين في مقابل منح عديد من مديري المشروع فرص الحضور في البرلمان لجعل المزايا المتوقعة من الشركة معلومة للجميع.

في بداية أبريل 1720 وافق البرلمان والملك على أن تتولى شركة بحر الجنوب عملية التحويل، وهو ما أدى إلى تضاعف سعر سهم الشركة، وبما أن معامل التحويل بين سندات الدين الحكومي وأسهم الشركة لم يكن محددا، فإن الشركة كان يمكنها أن تحول مزيدا من الدين العام بقيم أرخص في ظل تزايد أسعار سهم الشركة، وطرحت الشركة أربعة إصدارات بأسعار أعلى في كل مرة، كما قامت الشركة بعقد بعض القروض في مقابل أسهمها متسببة بذلك في خفض المعروض من هذه الأسهم وزيادة الطلب عليها، وبدأ مديرو الشركة في الترويج للشائعات بأن أسهم الشركة مقومة بأقل من قيمتها الحقيقية، لأن الأسواق لم تأخذ في الاعتبار الحقوق الحصرية للشركة للتجارة مع العالم الجديد، وأن التجارة مع العالم الجديد توفر الأمان لحملة الأسهم، وأخذت أسعار الأسهم ترتفع بشكل متواتر من 128 جنيه استرليني في يناير إلى 330 جنيه استرليني في مارس، ثم إلى 550 جنيه في مايو و 890 في يونيو ونحو 1000 جنيه في يوليو من العام نفسه.

لم يحدث في تاريخ بريطانيا أن تحول الناس إلى أثرياء بهذه السرعة، ولم يقتصر الأمر بالطبع على بحر الجنوب، فقد تمت محاولات لإنشاء شركات مثيلة أو مبتكرة للمشاركة في أرباح الرواج الذي أحدثته الشركة في سوق المال. كان المستثمرون البريطانيون في حاجة ملحة إلى استثمار أموالهم، وكانت شركة بحر الجنوب وأمثالها ناجحة فقط في إعطاء الجمهور ما يرغب فيه بالفعل، مزيد من الورق كي يضاربوا عليه. ارتكبت إدارة الشركة خطأ فادحا في نهاية هذا الجنون، حيث أخذت إدارة الشركة أول خطوة نحو الوراء، حينما أدركت الإدارة أن قيمة ممتلكاتها الشخصية من أسهم الشركة لا يمكن أن تعكس القيمة الحقيقية للشركة أو إيراداتها المثيرة للشفقة، فبدأ أعضاء إدارة الشركة في بيع أسهمهم سرا في صيف 1720، آملين ألا يشيع الخبر بين الناس، لكن الخبر انتشر بسرعة البرق، وانتشر الذعر بين حملة الأسهم، وبدأت حملة البيع المذعورة لأوراق ليس لها قيمة حقيقية، وفي أغسطس 1720 انتهت القصة وأدرك المستثمرون أن المستعمرات الإسبانية التي تمتلك الشركة الحق الحصري في الاتجار معها تقع تحت سيطرة الأسبان، وأن حق الاحتكار الذي تمتلكه الشركة حق صوري، وأن عمليات الشركة في مجال التجارة محدودة للغاية، وأن الشركة لا تحقق إيرادات، وأن الموضوع بالكامل كان عملية نصب محكمة، ومن ثم بدأت الفقاعة في الانفجار.

تتبع الحلقة الثالثة

“كلكم للوطن والوطن لكم”