الهوية الفلسطينية في ميزان «الدولة اليهودية» !

ثريا عاصي


وقعت منظمة التحرير الفلسطينية وحركة حماس يوم الأربعاء 23.04.2014 إتفاقية صلح بينهما، فاصدرتا بيانا استهلاله الآية الكريمة «واعتصموا بحبل الله ولا تفرقوا».. لماذا لم تعتصما بحبل الله من قبل، بل تفرقتا وفرقتا؟ ولماذا نأخذ اليوم وعدهما على محمل الجد ؟!
اللافت للنظر أن البيان المذكور يعتمد اتفاقية مصالحة سابقة تم التوصل إليها في القاهرة في نيسان 2011، توجت لقاءات بين حركتي فتح وحماس بدأت في 2009 في عهد الرئيس المصري حسني مبارك وانتهت بعد تنحيته، بالإضافة إلى استناده على وثيقة أخرى تسمى «إعلان الدوحة» يعود تاريخها إلى شباط 2012. أي في الفترة التي كان فيها الأمير القطري في ذروة سلطانه. «إذا الزرازير قام قائمها توهمت أنها صارت شواهينا»!
تجدر الملاحظة أيضا، في هذا السياق، أن الاجتماعات التحضيرية لاتفاق القاهرة، بدأت في دمشق وانتهت في المدينة القطرية، الدوحة. لأن مركز حركة حماس كان قبل الربيع العربي وسطوع نجم الامير القطري، في دمشق، ثم انتقل إلى الدوحة.
جاء في بيان المصالحة إذاً أن ممثلي السلطتين، في رام الله من جهة وفي غزة من جهة ثانية، قرروا أن يعتصموا بحبل الله وأن يخرجوا من حالة الانقسام، ويشكلوا حكومة واحدة ويحتكموا لقانون واحد وأن يجددوا مؤسسات منظمة التحرير، وأن يدعوا الفلسطينيين إلى انتخابات تشريعية ورئاسية بعد ستة أشهر من تشكيل الحكومة ! «حتى يتسنى لشعبنا مواصلة مسيرته نحو الحرية، والعودة، وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة، وعاصمتها القدس»، كلام، جاء حرفيا في نص البيان.!
تجدر الإشارة هنا أيضاً، إلى أن البيان الأخير هو الثالث الذي يحمل إلينا بشارة الصلح المأمول بين سلطة رام الله من جهة، وسلطة القطاع من جهة ثانية. أظن أنه يوجد أيضا، اتفاقية وقعت سنة 2007 في مدينة مكة. لا أعتقد أن الغوص في محتوى هذا البيان يجدي نفعا، ما لم تتوضح أمامنا أولا نقاط ذات أهمية كبيرة في مضمار البحث، في الراهن، في القضية العربية بوجه عام، وفي القضية الفلسطينية بوجه خاص. لا سيما أن الفشل في تعريب النضال ضد الاستعمار وكفاح أثار عدوانيته بتصميم وصدق، قادا إلى ما نشاهده اليوم، تحت أسماء كمثل الاعتدال، التطبيع، الربيع، الديمقراطية، الشريعة.. حيث تم تعريب هذه الآثار وإلقاء تبعاتها على البسطاء والمساكين والجهلة! فأخرجوا السيوف القديمة ورفعوا رايات القبيلة. ها هم يتضاربون ويتقاتلون..! لا هم يعرفون لماذا ولا الكتبة الذين يحرضونهم في وسائل الدعاية يعرفون!
نحن نذكر أن رئيس الوزراء في دولة العدو، أي المستعمرين الإسرائيليين، أعلن في 19أيلول 2007، أن قطاع غزة «كيان معاد»! وما الاعتداءات المتكررة ضد الأخير، إلا حرب ضد سكانه، وليس ضد حركة حماس. لا شك في أن غاية المستعمرين من راء ذلك هي تنغيص عيش الناس في القطاع، بحيث لا يبقى أمامهم سوى الرحيل أو التمدد والاستيطان في سيناء. تعريب، توطين ! القطاع خارج المسألة الفلسطينية. هو ليس على مائدة المفاوضات بين سلطة رام الله وبين المستعمرين الإسرائيليين. موقف الأخيرين واضح في هذا الموضوع !.
لم يتأخر رد فعل نتنياهو، على بيان الصلح ! ما لبث أن حذا الأميركيون حذوه: الصلح ممنوع، محرم. «قطاع غزة كيان معاد». لا يريد الإسرائيليون اعتبار سكان قطاع غزة، فلسطينيين أو أنهم جزء من المسألة السكانية التي تسبب بها الاستعمار الاستيطاني وسياسة التفرقة العنصرية. لا فرق، في نظر المستعمرين الإسرائيليين، بين سكان قطاع غزة وبين اللاجئين الذين ما يزالون في المخيمات. أي الذين لم يجدوا لهم موطنا بعد. المطلوب هو تعريب المخيمات وقطاع غزة أحدها وأكبرها، وليس تعريب كفاح المستعمرين.
اكتفي من هذا الاستطراد لأوجز فأقول، من المفروض، أن يكون كفاح المستعمرين في فلسطين على رأس سلم الأولويات في المشروع الوطني الفلسطيني. ليست الدعوة إلى دين، بحاجة في هذا الزمان إلى دعاة. ليس على الفلسطينيين في المخيمات وفي القطاع ان يضطلعوا بقتال الملحدين في أفغانستان، وبـ «الثورة» في لبنان وسوريا ومصر.. ماذا جنى الفلسطينيون من هذه الحروب ! سوى أن المسافة بينهم وبين فلسطين صارت أطول. فكأنهم، عن غير قصد، يحاولون التخلي عن هويتهم، عن فلسطينيتهم!
إن الفلسطيني من المنظور الاستعماري العنصري الإٍسرائيلي، ليس من اقتُلِع من أرضه، من فلسطين وأجبر على النزوح، فهذا ليس فلسطينيا، بحسب المفهوم الاستعماري الاستيطاني، ولكن الفلسطيني، استنادا إلى هذا المفهوم نفسه هو من يجب اقتلاعه، عندما تتوفر الشروط وتسنح الفرصة من أجل القيام بذلك. هذا يعني الفلسطينيين الذي ما يزالون على ارض فلسطين. أما الشروط الملائمة لاقتلاعهم، فهي تلك التي أضعفت المقاومة ونفرت حركات التضامن معها. بالإضافة إلى الاتفاقيات والمباحثات التي تمثل الغطاء الذي تكاثرت في ظله المستوطنات في الضفة الغربية، وبدأت حياكة شبكة «الدولة اليهودية» حول فلسطينيي 1948.
ومن المحتمل أن يكون، سكان جنوب لبنان أو جزء منهم وسكان سوريا أو جزء منهم، صاروا فلسطينيين، في نظر المستعمرين الإسرائيليين، يريد الأخيرون إقتلاعهم اشتهاء لأرضهم ورغبة في الإستحواذ عليها.
مجمل القول، إن الفلسطينيين الذين يقاتلون اليوم في صفوف المتمردين والمرتزقة، في سوريا ولبنان والأردن ومصر، إنما يتنكرون لهويتهم الفلسطينية والعربية. علما بأن هذه الهوية هي الأصل واللب، اللذين يتفرع عنهما التضامن معهم والنضال ضد المستعمر المستوطن. أي للسير معهم إلى الأمام، وليس المشي قهقرى. إنهم يخطئون في رام الله وفي قطاع غزة هذه المرة، لذا هي أكبر خطورة، مثلما أخطأوا في عمان سنة 1970 وفي بيروت في سنة 1982. ولكن هل تستطيع سلطة رام الله أن تعصي إسرائيل؟ ما هي أسباب إخراج ملف الصلح الآن !. (للحديث بقية..)

:::

الديار