بيان صلح أم بيان تنح؟!

ثريا عاصي

إذاً ظهر من جديد في 23/04/2014، للمرة الرابعة، بيان الصلح بين السلطتين في رام الله وفي قطاع غزة ! يحق لنا أن نتساءل عما سيكشف طلوعه، فليالي العرب بوجه عام، والفلسطينيين بوجه خاص تضيئها بيانات حكامهم في ختام قممهم سواء المكبرة بحضور الولايات المتحدة الأميركية أو المصغرة إذا ما توكل برعايتها أمير تفوح من خيشومه وعباءته وجيوبه رائحة النفط أو تلك التي تنعقد على عجل تمهيدا لغزو أو «ثورة» فينادي مناديها بالسلطان العثماني خليفة.
لماذا خرجت علينا السلطتان ببيانهما الآن؟! فلقد حفظنا ما فيه عن ظهر القلب، منذ بيان مكة سنة 2007. ما هي المتغيرات والمتبدلات التي بررت إعادته إلى الواجهة؟
من ليس مرضيا عنه لا يستطيع البقاء في رام الله. استخلصنا العبرة من تجربة الرئيس الشهيد ياسر عرفات. لقد اعتقل الأخير في رام الله، وأصابه ما أصابه وهو في سجنه، امام أعين مساعديه، وحكام العرب الذين «اختاروا الاعتدال ثم التطبيع»، قبل أن يطلقوا ثوراتهم وحروبهم على الذين تخلفوا عن اللحاق بقافلتهم !… وعلى مرأى ومسمع من المجتمع الدولي أيضا. لم يعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعا طارئا للنظر في ما جرى للرئيس عرفات وارتدادات ذلك على الأمن والسلام الدوليين! لم يتخذ مجلس الأمن قرارا بتشكيل محكمة دولية للتحقيق في أسباب وفاة «أبو عمار»، ولم تـُلق التهم جذافا على أعدائه وخصومه !
هل أنهت سلطة رام الله، المهمة التي اضطلعت بها، منذ التوقيع على اتفاقية أوسلو في سنة 1993 وحتى تاريخ ظهور بيان الصلح الرابع مع حركة حماس. ألا يتوجب على هذه السلطة أن تقدم جردة حساب إلى الفلسطينيين الذين تتهددهم خطورة الإقتلاع من «الدولة اليهودية»، بالانجازات التي قامت بها؟ من البديهي أن هذه السلطة وصلت إلى مفترق طرق. فإما أن تختار طريق المنفى، حتى تجنب نفسها عقاب الحصار والحبس وربما السم أيضا !. وأما أن تنحو نحو إخلاء موقعها أمام جماعات أخرى تكون أكثر لصوقا بسلطة المستعمرين الاسرائيليين فتتكفل بإدارة شؤون المحميات المتبقية في الضفة الغربية، معيشيا فقط، لأن المحميات المتباعدة لا يطالب سكانها ولا يقاومون إذا تقوّتوا بالكفاف!
ولكن الاشكال هو في فهم النهج الذي تسلكه حركة حماس، صاحبة السلطة في قطاع غزة! ليس من حاجة للرجوع إلى ظروف النشأة. هذه الأخيرة مشتركة، بين الحركات السياسية الدينية. بمعنى أن استخدام الدين في السياسة هو في جوهره عمل تسلطي، ينذر على المدى المنظور بعواقب سلبية ! أكتفي بهذا الإستطراد فأنا لست هنا بصدد البحث في هذا الموضوع، لأقول اننا مضطرون في الراهن، في تحليل مواقف حركة حماس إلى الإعتماد على بعض الفرضيات المستوحاة مما تناهى إلى العلم والسمع عن هذه الأخيرة، منذ انطلاق الحراك الجماهيري في بلدان عربية بعينها، الذي ما لبث أن تغلغل الأخوان المسلمون في صفوفه إلى درجة انه بدا وكأنهم ابتلعوه في بعض هذه البلدان، في فترة من الفترات على الأقل.
لا غلو في القول أن الانطباع الذي أعطته حركة حماس في السنوات القليلة الماضية، هو أن القضية الفسطينية لا تحتل عندها رأس سلم الأولويات، بالنظر إلى الدور الرائد التي أرادت الاضطلاع به، كعضو في منظمة الأخوان المسلمين العالمية، وكلاعب أساسي في المنطقة العربية ! فلقد رأينا السيد خالد مشعل في تركيا إلى جانب رئيس الوزراء. وهو الذي كان في وقت من الأوقات منبوذا ولم يجد مأوى له إلا في دمشق. لا شك في أن مسلحي حركة حماس انضموا إلى المتمردين والمرتزقة في سورية. ومن المرجح أنهم ساعدوا الشيخ الأسير في صيدا في استفزاز المقاومة في لبنان. يحسن في هذا السياق، أن نذكر ما صرح به أحد مسؤولي حماس إذ قال أن الحركة لن تقاتل إسرائيل، إذا نشبت حرب بين هذه الأخيرة من جهة وبين إيران من جهة ثانية. لا ننسى زيارة الشيخ القرضاوي ثم أمير قطر لقطاع غزة، وزيارة خالد مشعل، التي ما كانت لتتم من دون أن تسمح إسرائيل بذلك. يبقى أن نلمح إلى المباحثات التي جرت في القاهرة أثناء العدوان الإسرائيلي في تشرين الثاني (نوفمبر) 2012 على القطاع، بين تنظيم الإخوان المسلمين ممثلا بالشيخ القطري (الذي أطلق مقولته : العرب نعاج)والرئيس المصري السابق والسيد مشعل ووزير خارجية تونس وبين ومبعوث إسرائيلي.
تجدر الإشارة في السياق نفسه أيضا، الى المواجهات العنيفة التي وقعت في سيناء بين الجيش المصري وبين حركة حماس، إلى جانب الأزمة التي تفجرت في مجلس التعاون الخليجي بين الوهابيين والإخوان المسلمين.
استنادا إلى ما تقدم ، يحق لنا أن نستنتج أن، الإخوان المسلمين يتخبطون في أزمة، وأن حركة حماس تخرج مهشمة من «ثوراتها» في مصر وسوريا ولبنان. في المقابل، أغلب الظن، أن سلطة رام الله تشعر بأن حبل المشنقة الإسرائيلية يضيق حول عنقها. فلقد صار واضحا أن أموال الاتحاد الأوروبي كانت بدلا لأراضي الضفة الغربية التي استولى عليها المستوطنون. قضي الأمر. لن تتدفق هذه الأموال إلى الأبد. المطلوب الآن هو الإعتراف بيهودية الدولة. ولكن إذا كانت سلطة رام الله، طغمة لا شرعية لها ولا تمثل أحدا، في الضفة وفي بلاد الشتات الفلسطيني، فكيف تكون ممثلة للفلسطينيين على الأراضي التي احتلت سنة 1948. وهم المعنيون الأساسيون بموضوع يهودية الدولة!
ينبني عليه، ان السلطتين جمعهما الإفلاس والعجز والتقصير، والإنحراف أيضا. لا حرج في القول أن بيان الصلح، هو محاولة للتغطية وللتبرؤ من الضرر الكبير الذي تسببتا به للحركة الوطنية الفلسطينية بوجه خاص، ولحركة التحرر العربية بوجه عام .
لا منأى في الختام، عن القول بانهما تتركان القضية الفلسطينية في حال هي الأسوأ منذ أن وجدت هذه الأخيرة. ينجم عنه أن واجب كفاح الإستعمار يفرض على الفلسطينيين وعلى عموم الناس بين النيل والفرات إعادة تقييم أوضاعهم وابتكار طرق للمقاومة تلائم طبيعة الصراع وزمانه!.

:::::

“الديار”، بيروت