متاهة كاتب وضلالة ضابط !

ثريا عاصي

          هذه رسالة وصلتني اليوم 29.04.2014 ، من صديق قديم باعدت بيننا ظروف العيش وربما أيضا إختلافنا في إدراك وفهم طبيعة الأحداث التي تتوالى على بلادنا منذ حرب حزيران 1967 إلى الآن .

          لعل هذا الإختلاف هو الذي حمله على الهجرة . أما أنا فلقد شاء الحظ، السعيد أو العاثر لا أدري، أن أبقى في هذه البلاد، أقرأ حكاياتها تارة، وتارة ثانية أحاول أن ألخص هذه الأخيرة . ولكن حكايات بلادنا معقدة وخيالية، والناس لا يقرؤون وإنما يدعون كذبا، أنهم  قرؤوا وحفظوا . فليس من السهل الاختصار والشرح إذا كثر النفاق وتفاقمت الكيدية والعصبية .

          لقد تطرق صديقي القديم إلى موضوعين يستأهلان من وجهة نظري أن نتوقف عندهما ليس فقط للأهمية، وإنما لتحسس معالم الطريق التي نسلكها . فأنا شخصيا لا أعرف إلى أين نحن سائرون، بل إلى متى سنظل نسبح في بركة الدم، في حين أن ما حولنا صار خرابا .

          لهذه الأسباب، بالإضافة إلى فرحة الإتصال من جديد، بصديقي القديم، أضع رسالته بين أيدي القارئ . أرجو أن تغني النقاش  .

          عزيزتي ثريا،

          تحية طيبة وبعد، أتابع مقالاتك بانتظام، فأتذكر النقاشات التي كانت تدور بيننا . لقد كنتِ أكثر حماسة وتفاؤلا، وكنتُ مترددا ومتشائما .  يبدو أن السنين لم تبدلنا .

          ما شجعني على  كتابة هذه الرسالة هما أمران، ليس على درجة واحدة من الأهمية :

ـ أولهما مقال  لكاتب سعودي قرأته صباح اليوم في صحيفة، سبق لها أن نشرت لك عددا من المقالات . تميزت هذه الصحيفة المذكورة في المدة الأخيرة، بإفتتاحيات حماسية، نارية صاخبة، دفاعا عن حزب الله . حتى خيـّل لي أن كتابها ينطقون باسم الأخير، أو أنه توجد صلة ما  تربط بينهم وبينه .

     فاجأني صباح اليوم، المقال للكاتب السعودي (كما تعرفه الصحيفة) وعنوانه “حزب الله في سوريا” .  أثار ريبتي . فما لفت نظري، هو لائحة طويلة من المراجع، ذيلت المقال ( ربما لكسب مصداقية علمية بحثية)، وغالبيتها مقتبس عن اليوتيوب ! لست هنا بصدد الدفاع عن مواقف حزب الله . فما أود قوله أن صاحب المقال أراد، في سياق سردي يعتريه الغموض وتتخلله التناقضات (مثلا حزب الله اصطدم مع العلمانيين : تيار المستقبل . وحاول عقد مصالحة مع السلفيين ولكن تيار المستقبل أرغم الأخيرين على التراجع عن توقيعهم)، أراد صاحب المقال إذا أن يبلغنا رسالة تقول، أن حزب الله هو أقرب إلى السلفيين، من قربه إلى النظام السوري، وأن هذا الأخير يحارب السلفيين، بصفتهم إرهابيين، ليس لأنهم يرتكبون جرائم إرهابية في سوريا، ولكن تملقا وإرضاء لأميركا . كما أن الكاتب نفسه يواصل في الجزء الثاني من المقال (الدراسة) وبعد لف ودوران وأخذ ورد، يرفع الغطاء عن قدره، ليقول لنا بأن المقاومين اللبنانيين الذين يدافعون عن وجود سوريا، والكيان السوري، وعن حقنا بالوجود والحياة، ويبذلون من أجل ذلك أغلى التضحيات، هؤلاء المقاتلون لا يبغون، بحسب الكاتب السعودي نفسه الانتصار على الأعداء الذين يدعمهم المستعمرون الإسرائيليون والغربيون وأمراء الخليج ..

ولا ندري بماذا سيخرج علينا في الجزء الثالث !!

     واستنادا إلى قراءتي للصحيفة التي نشرت هذا المقال، لانك كنت تكتبين فيها، فأنا أتساءل ، من هو هذا الكاتب ؟ وهل كانت الصحيفة المذكورة نشرت المقال، لو لم يكن الكاتب ” سعودي ” ؟!  علما انه لم ترد في المقال أية إشارة إلى الدور السعودي في الحرب على سوريا !

   ـ الأمر الثاني هو ما قرأته صباح اليوم ايضا، عن احتمال إنشاء شريط حدودي في الجولان، لا سيما أن الأخبار تفيد بأن هناك بوابة اسمها “بوابة الرفيد” تفتح مغاليقها أمام جرحى المتمردين والمرتزقة في الجنوب السوري، ليتلقوا العلاج في المستشفيات الإسرائليلية، وأمام الإمدادات القتالية التي يقدمها المستعمرون الإسرائيليون لما يعرف بلواء ” الحرمين الشريفين ” وجبهة النصرة، ولواء أحرار الشام، وكتائب الصحابة، وغرباء الشام، ولواء السبطين ( لم يتركوا شيئا في الإسلام إلا واستولوا عليه ) في قتالهم ضد الجيش العربي العربي، في المواقع الحدودية . حيث يقول المطلعون، أن المتمردين والمرتزقة يسيطرون على مناطق واسعة في محاذاة خط وقف إطلاق النار مع قوات الاحتلال . وأنهم ألحقوا خسائر كبيرة بعناصر الجيش العربي السوري هناك !

         وفي هذا السياق، يحكى أن المرشح للقيام بدور، الضابط اللبناني المنشق سعد حداد ثم خلفه أنطوان لحد، هو ضابط سوري منشق يتزعم لواء ” الحرمين الشريفين “!، أسمه شريف صفوري .

      تجدر الملاحظة هنا إلى أن الشريط الحدودي في جنوب لبنان وعربدة العملاء الذين تجندوا في جيش سعد حداد وأنطوان لحد كانا من العوامل التي أدت إلى ولادة المقاومة في لبنان . بناء عليه يحق لنا أن نسأل كم ستطول مدة الحمل قبل أن تولد مقاومة سورية ؟ هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى، فلا ننسى في إطار هذه المقاربة أنه ليس مستبعدا أن يكون المقاومون اللبنانيون موجودين  إلى جانب جنود الجيش السوري على خطوط المواجهة في جنوب سوريا !

    وأخيرا لا منأى عن القول بأنه آن لحزب الله أن يفهم بـأن المستعمرين الإسرائيليين، هم مستعمرون وأن وحشيتهم وعنصريتهم إنما هما متأتيتان من كونهم مستعمرين، وليس من الديانة التي يدينون بها . كما أنه آن للسوريين والوطنيين والقوميين التقدميين، ان ينظروا إلى رجال حزب الله، كمقاومين ضد الإستعمار الإسرائيلي الذي يتهدد، بالموت والدمار والجوع والجهل والتشريد جميع سكان بلاد الشام، ولا أهمية للمذهب الديني الذي يسير على هديه هؤلاء المقاتلون . إذا فهم حزب الله ما معنى الإستعمار، وإذا اقتنع سكان بلاد الشام بضرورة مقاومة المستعمر وعملائه، سقط المتمردون والمرتزقة وردوا على أعقابهم خائبين، وصارت الظروف ملائمة لكي يجد المقاومون الوسيلة والسبيل الناجعين لتعطيل خطورة المستعمر والظفر بالانتصار عليهم !