العراق حكاية رجل مريض!

جمال محمد تقي

تشبيه الدول بالرجال وما يحيق بهم ليس بالبدعة، على اعتبار ان الدولة ظاهرة سياسية مرتبطة بالتسيد الذكوري، وقد اخذ به الفلاسفة والمفكريو والباحثيون والمؤرخون والكتاب والخطباء، منذ دولة افلاطون، مرورا بالخطاب الديني السماوي، ومقدمة ابن خلدون، وامير ميكافيللي، والعقد الاجتماعي لجان جاك روسو، وروح القوانين لمونتسكيو، وطبائع الاستبداد لعبد الرحمن الكواكبي، وصولا الى اصحاب فكرة المركزية الاوروبية والذين امعنوا بتشبيه الدولة العثمانية بالرجل المريض، ليس تشخيصا نبيلا منهم لاجل علاجها، وانما مقدمة لاعلان موتها، اما تشبيهنا للعراق بالرجل المريض فهو اشارة اتهامية الى مسببات الاصابة والتي حصلت بفعل فاعل وبقصد لا يؤدي الا الى الموت، تشخيصنا هو مساهمة في فضح مسببات المرض بغرض التحريض على معالجتة وتجنيب العراق احتمال الموت معلنا كان ام غير معلن!

دخل العراق دوامة المرض العضال منذ ان اطيح بدولته الأم واستبدالها بما يشبه الدولة كمرحلة انتقالية نحو تقطيعها الى دويلات متنازعة، والاعراض فاقعة وصارخة وهي تتحدث عن نفسها بنفسها، فالنظام السياسي الذي شيده الاحتلال الامريكي والذي يعتمد دستورا مريضا واجهزة مريضة جينيا لايمكن ان ينتج عنها غير اعراض التدهور المتلاحق!

بعد اكثر من عشرة سنين من الاصابة والحالة العامة من سيء الى اسوء، ملايين تحت خط الفقر، ملايين من الاميين، ملايين من العاطلين والمعوقين، ملايين من الايتام والارامل والمهجرين، ملايين من الدولارات التي تسرق وعلى مدار الساعة.

دولة مفككة، الامن فيها مفقود، والقتل والسجن والفساد صار فيها عادة علنية مستدامة، دولة ليس لجيشها وطن يحميه انما مجموعة طوائف ينتصر لبعضها على بعض، سلطة ارهابية انتقامية ذيلية للارادات الخارجية، دولة ناقصة ودونية تسمي فساد التحاصص في المغانم توافق وطني، دولة يحكمها الجهلة والمتخلفين والسراق والمزورين والانتهازيين والمتاجرين بالدين والملل والنحل!

نحن لا نتحدث هنا عن فضائح ابوغريب والسجون السرية لوزارة الداخلية ولا عن مجازر ساحة النسور وحديثة والزركة والنجف والبصرة وبيجي وديالى ولا عن القتل المنظم للكفاءات العراقية ولا عن التخريب المتعمد للبنية التحتية، ولا عن الانهيار الشامل للنظام الصحي والتعليمي، ولا عن شحة الخدمات الاساسية من كهرباء وماء، ولا عن ملايين الضحايا بين قتلى ومصابين ومشردين، ولا عن ملايين المتسرطنين باسلحة الدمار الشامل الامريكية، ولا عن تفجير مرقدي الامامين في سامراء، ولا عن ارهاب  ميليشيات عصائب اهل الحق وحزب الله وبدر وجيش المختار وداعش، وانما نتحدث عن كوارث اضافية، كوارث متجددة، كوارث متواترة تتعمد السلطة تغذيتها وتعميقها لتعميم الفوضى وبالتالي التغطية على اكاذيبها وسيرها الحثيث لتقسيم العراق!

نتحدث عن دجلة التي تحترق وبفعل فاعل، حيث سرب النفط الى ماء النهر ثم احرق وهو عائم على سطح الماء  مما تسبب ومايزال بخنق مدن صلاح الدين بدخانه وتعطيشهم، نتحدث عن جريمة اغلاق سدة الفلوجة بغرض اغراق المناطق المحيطة بها، نتحدث عن حرب مجرمة يشنها جيش المالكي وميليشياته القذرة على اهلنا في الرمادي والفلوجة وديالى وصلاح الدين، ومنذ ثلاثة اشهر متتالية بعد ان هاجمت قواته مواقع الاعتصامات الشعبية التي كانت تطالب بتغيير النهج الاستبدادي والتمييزي والاجتثاثي والطائفي للسلطة القائمة، نتحدث عن افلاس البنك المركزي، واستدانة الحكومة من صندوق النقد الدولي ما يغطي العجز المتواتر في الميزانية الجارية وبشروط غير معلنة، بالرغم من تزايد حجم صادرات العراق من النفط، والتي تجاوزت حاجز الثلاثة ملايين برميل يوميا، وبما يؤمن مردودا سنويا لا يقل عن 120 مليار دولار سنويا، علما ان مجموع دخل العراق من النفط خلال السنوات العشر الماضية قد بلغ حوالي 850 مليار دولار، وهي مبالغ كافية للشروع بنهضة حقيقية في مجالات البنى التحتية والاستثمار بالمشاريع الحيوية، لكن الاهدار والسرقة والصفقات الخاسرة وغياب الدوافع الوطنية والفساد والجهل، جعلت من العراق عاجزا عن تحقيق ولو شيئا بسيطا من مشاريع الحد الادنى للتنمية، وهنا نذكر بتقرير معهد ستوكهولم لابحاث السلام والذي اشار الى ان العراق في مقدمة الدول العربية التي اشترت السلاح خلال عام 2013، مليون عسكري ومليارات من الدولارات تذهب للتموين والتسليح ومن دون طائل فالامن مفقود وحدود العراق مخترقة من كل حدب وصوب واقليم كردستان خارج نطاق حمايته، مما يعني ان لهذا الجيش المهلهل عقيدة قتالية غير تلك العقيدة التي تتبناها الجيوش الوطنية، فهو لا يدافع عن حدود الوطن، وانما يقاتل داخل الوطن، يقاتل اي جهة او اي مدينة او منطقة ترفض الولاء للحكم الطائفي القائم، وهذا ما يحصل اليوم في الفلوجة والرمادي حيث يدافع ثوار تلك المناطق عن انفسهم ضد محاولات اذلالهم من قبل اصحاب هذا الجيش الفقاعة، وهم بذلك يثورون من اجل العراق كله، وكما كانوا يقاتلون الامريكان، فهم اليوم يقاتلون ضد ارهاب وكلائهم الطائفيين!

اكثر من 6000 الاف من عساكر المالكي كانوا حصيلة خسائر المعارك البطولية للثوار بينهم القتيل والجريح والهارب واكثر من 15 طائرة مروحية وعشرات الدبابات والمدرعات، مما يدلل على ثبات الثوار وايمانهم بعدالة ووطنية موقفهم، ومن جهة اخرى على هشاشة الدوافع القتالية لجيش المالكي واصالة منحدراتهم الميليشاوية الارتزاقية، وهذا ما يؤكده سلوكهم الانتقامي من المدنيين العزل وتصرفاتهم الصبيانية واللصوصية اثناء مداهمات البيوتات الامنة، ان الاف الضحايا من مدنيي الفلوجة والانبار يتساقطون جراء القصف المدفعي والصاروخي والجوي للاحياء السكنية والذي لم تسلم منه المستشفيات والمدارس والجوامع، اضافة الى مئات الالوف من النازحين والذين ضاقت بهم السبل!

المفارقة ان المالكي والموالين له من اعضاء الحكومات المحلية في الانبار والفلوجة وصلاح الدين وديالى  يطبلون ويزمرون للانتخابات القادمة، مما يعني ان  الذي يجري من تشريد للسكان يخدم حساباتهم الانتخابية حيث لا يمكن للمشرد ان ينتخب وعليه فهم منتخبون مجددا لانه ليس في تلك المدن من يصوت!

صوت الثوار هو الصوت المعبر عن الارادة الحرة لاهالي الانبار والفلوجة الصامدة وديالى وصلاح الدين، وهذا الصوت لا يحتويه اي صندوق مدجن اومدجل، انه صوت حر لا يبصم الا على مايؤمن به، وهو المدرك سلفا بان انتخابات مفصلة على مقاسات طائفية وبشروط تنعدم فيها النزاهة القضائية والقانونية والادارية ولا تنعم بتكافوء الفرص هي ابعد ما تكون عن الممارسة الديمقراطية، بل هي قريبة كل القرب من الممارسات الاستبدادية التي تحاكي الشكليات وتنافي المضامين!

من لسانهم ندينهم، يقول البرزاني وهو احد اعمدة السلطة المفككة في العراق، ان العراق هو مجرد افتراض، فاقليم كردستان خارج سرب السلطة في بغداد، والمناطق الغربية تقاتل من اجل التخلص من استبداد المالكي، والمالكي بنفسه وبعد ان احس بان لازمة التغيير اصبحت شائعة على كل لسان راح هو الاخر يعزف على هذه النغمة، قائلا بان التغيير يجب ان يطال العملية السياسية برمتها لانها مختلة اصلا، اي انه يريد فرصة اخرى لان العيب ليس فيه وانما في العملية السياسية ذاتها، وهو يطالب باستبدال حكم التحاصص بحكم الاغلبية الطائفية!

العراق بحاجة الى ثورة وبكل مشتقات الوان الطيف الشمسي من الاحمر الى البنفسجي والاخضر والبرتقالي ووو، لان المراهنة على لون واحد سيعطي نتائج احادية، فلا ثورة بنفسجية يمكن ان تنتج عن الانتخابات لانها غير عادلة ونزيهة، ولا ثورة برتقالية يكون زخم الشارع مددها لان المدد السلطوي والطائفي مازال مهيمنا، لوحدها الثورة الحمراء، ثورة المضطرين للدفاع عن حياتهم وكرامتهم وانسانيتهم ووطنيتهم هي الون المشافي المعافي لامراض العراق المستعصية لكنها لايمكن ان تكون بديلا كليا بمعزعن الالوان الاخرى، فلابد للون الاخضر مثلا من وجود، حيث الثورة من اجل السلام والاستقرار والصفاء والمصالحة الذكية، وعلى هذا الطريق نحيي راية الفلوجة والانبار ونريد من اهدافها النبيلة راية لكل العراق.