واقع الجبهات السورية و مسارات انهاء الازمة

العميد د. امين محمد حطيط 

بات يقينا عند كل متابع لمجريات الاحداث في سورية منذ نيف و ثلاث سنين ان ما يجري  هو عدوان خارجي انطلق متكئا على عناصر محلية مستغلا ظروفا تشهدها اي دولة في العالم تعمل على تطوير بنيتها و مواكبة العصر، عدوان قررته و تستمر في قيادته اعتى دولة في العالم، الدولة التي طمحت يوما بان تتربع على عرش المعمورة في نظام عالمي احداي القطبية يجعل من الولايات المتحدة الاميركية سيدة العالم و يجعل  ما عداها اتباعا و اجراما تدور في فضائها الاستراتيجي الحيوي الذي يشمل العالم كله.

لكن سورية متحصنة بعقائدية جيشها و قوته و وعي الاكثرية الساحقة من شعبها و وطنيته، و بحكمة قيادتها و صلابتها، و صدق تحالفاتها الاستراتيجية و ديمومتها، استطاعات ان تواجه العدوان و تدير حربها الدفاعية بشكل علمي و منهجي يركز بشكل اساس على وجوب منع المعتدي من تحقيق اهدافه في اسقاط الدولة من موقعها و جعلها كيان او كيانات فاشلة متناحرة تخدم اغراض المخطط و تمكنه من الانتقال الامن من الشرق الاوسط حيث اتخذه  لعقود اربعة سابقة مسرحه العملاني و الاستراتيجي و قاعدته الرئيسية لاقامة نظامه العالمي، الانتقال الى الشرق الاقصى حيث ينظر اليه اليوم بانه المسرح الاستراتيجي الضروري لحماية المصالح الاميركية.  و نعني  بالانتقال الامن، تحريك القوى من غير خوف على النفوذ و السيطرة بعد خروجها، و هنا تدخل اسرائيل و دورها بعد اعادة التموضع الاميركي، ما يقود الى القول بان اميركا ارادت نقل سورية من موقعها الاستراتيجي  لتريح اسرائيل في وظيفتها الاستعمارية.

و في سياق المواجهة الدفاعية تلك، تمكنت سورية،و بالحد الادنى الممكن من الخسائر، التفلت من كثير من الافخاخ، و ان تحبط الكثير من الخطط التي يمكن و في احصاء سريع لها يمكن ذكر اكثر من 8 خطط او سيناريوهات وضعتها اميركا و نفذتها بايد محلية او اعرابية او اسلاموية، بدءاً  بخدعة التظاهر المدني المزيف، وصولا الى خطط  التدخل الخارجي المباشر و العلني. لكن سورية تمكنت من احتواء المخاطر التي شكلتها استراتيجيات العدوان المتعاقبة  و المتقلبة، ثم انتقلت في الاشهر الاخيرة الى المرحلة الاهم في المواجهة و هي مرحلة التنظيف و استعادة ما افسد الارهاب امنه من مناطق سورية، استعادته  الى نظام الامن الشرعي الرسمي بشكل متدرج و بخطى ثابتة و بهذه الاستعادة الممنهجة بات المشهد السوري مرسوما بخطوط يمكن تبين جزئياته كما يلي :

1)    الجبهة الغربية اي الحدود مع لبنان باتت بكليتها في قبضة الجيش العربي السوري و القوت الرديفة و الحليفية بشكل اسقط دور لبنان السلبي في الازمة السورية و اغلق اخطر باب خارجي على دمشق، و بامتلاك السيطرة التامة على هذه الجبهة بدء التأريخ الفعلي لمسار انهاء الازمة جديا و اسقاط العدوان. و ان ما قد يشهده المستقبل من بعض الخروقات و ظهور خلية ارهابية هنا او جيب هناك ليس من شأنه ان يغير حقيقة او واقع ما ذكرنا  لانه سيبقى تحت السيطرة السورية التي تحول دون تناميه او تطويره.

2)    جبهة القلب او الوسط و الثقل الاستراتيجي للدولة اي دمشق و ريفها و صعودا الى المنطقة الوسطى، تمكنت القوات المدافعة في هذه الجبهة من تفكيك جبهة العدوان و تقطيع اوصالها و منع الاسناد المتبادل فيما بين اجزائها ما انتج ظروف تطهير هذه الجبهة بكاملها عبر احد مسارين : مسار القوة و المواجهة الميدانية، او مسار المصالحة و النجاة بالابدان، و قد قطعت الدولة شوطا بعيدا في العمل على هذين المسارين يمكنها من القول بانها تجاوزت المخاطر الرئيسية التي كانت تشكلها تلك الجبهة و ما تبقى من تصفية بات مسألة وقت فقط في مسار مؤكد النتائج.

3)    جبهة الشمال اي جبهة الحدود مع تركيا. كان ينظر الى هذه الجبهة على انها اخطر الجبهات على سورية و اعقدها بسبب خط التماس القائم عبرها  مع الحلف الاطلسي الذي سارع الى تفعيل هذا الخط منذ الاشهر الاولى للعدوان بنصب بطاريات الباتريوت و التحضير للتدخل العسكري المباشر تحت عنوان الدفاع عن تركيا. فضلا عن ان طول هذه الجبهة و طول  خطوط الامداد اللوجستي فيها يجعل من عمليات الدفاع عنها امرا يشوبه الحذر و الصعوبة مع تارجح الثقة بالنجاح.

رغم ذلك تمكنت قوى الدفاع من ادارة عملياتها بشكل ادى الى تراجع المخاطر تلك و احتوائها وصولا الى التحول الى العمل الهجومي في معرض الدفاع و باتت تلك الجبهة بالمنطق العسكري على طريق الاستعادة الموثوقة الى كنف الدولة خاصة بعد ان تم اجهاض العدوان التركي المباشر في منطقة كسب و رسم سقف للتدخل التركي بشكل عام، و بعد ان صعدت قوات الجيش العربي السوري من عملياتها النوعية في حلب و محيطها ما بات يمكن من القول ان تطهير حلب العاصمة الثانية لسورية و مركز الثقل الاقتصادي العام للدولة بات مسألة وقت تقاس بالاسابيع التي لن تصل الى بضعة اشهر.

4)    الجبهة الشرقية اي الحدود مع العراق، لهذه الجبهة خصوصية مركبة من وجوه سلبية و عناصر ايجابية لمصلحة الدولة في سورية، و قد استطاعت القوى المولجة بالدفاع عن هذه الجبهة ان تتعامل مع هذه العناصر بشكل ادى اليوم الى رسم مسار ينبئ بتساقط الجماعات الارهابية عبر التناحر و الاقتتال الداخلي تمهيد للمرحلة المقبلة التي يتوقع ان تجري على جانبي الحدود بعمل عسكري ينهي خطر تلك الجماعات الارهابية في المنطقة و في كل الاحوال لا يمكن و من منظور عسكري استراتيجي بحت النظر بقلق الى هذه الجبهة على الصعيد الوطني العام لان استعادة السيطرة عليها في الوقت المناسب لن تكون بالامر الصعب او الشأن المعقد.

5)    الجبهة الجنوبية اي الحدود مع الاردن و الجولان السوري المحتل من قبل العدو الاسرائيلي. قد تكون هذه الجبهة اليوم هي المتقدمة على سواها من جهة حجم و عمق الاخطار التي تشكلها ميدانيا و استراتيجيا خاصة مع ما يتردد من نية اسرائيلية لاستعادة مشهد الجنوب اللبناني قبل العام 2000 و تطبيقه في المنطقة الملاصقة لمنطقة الفصل في الجولان و على امتداد 60 كلم و في عمق 35 كلم داخل الارض السورية مع اقامة مجموعات عسكرية سورية تعمل بامرتها كما كان جيش انطوان لحد في الجنوب اللبناني.

للوهلة الاولى، و بنتيجة مراقبة ما يجري في المنطقة و مع اعلان ” التحالف الاستراتيجي الصهيوني – جهادي ” ( وفقا لتسميتهم،)  و هو في الحقيقة تحالف الارهابين الصهيوني و التكفيري و اظهار حقيقة العدوان على سورية بانه  عمل خارجي بادوات اقليمية ومحلية،  مع كل ذلك يمكن القول بان مشروع الحزام الامني الاسرائيلي في حوران بات مشروعا جديا و بدأ بتنفيذه، هذا في ظاهر الامور.

 لكن دراسة عسكرية و مراقبة دقيقة  لكيفية ادارة سورية لمعركتها الدفاعية تقود الى قول مغاير، لان سورية التي اتقنت فن ترتيب الاولويات في الميدان  بشكل عقلاني  واقعي لم تنزلق الى الاستداراج الذي شاءه العدو من تدخله الى جانب الارهابيين  في تلك لجبهة و لم تتوقف عن انجاز ما بدأته في الجبهات الثلاث الاولى، لانها لو اخطأت  في الحساب لامتنع عليها تحقيق الانجازات المذهلة على تلك الجبهات. لذلك و بطمأنينة نقول ان سقف العمل الاسرائيلي الى جانب الارهابيين في الجنوب سيبقى منخفضا و ستكون القوى السورية قادرة و بكل تأكيد على  التعامل معه بما يؤدي الى تصفيته و الحؤول دون قيام اي نوع من انواع الاحزمة الامنية،  اقول هذا ميدانيا دون ان اكون مضطرا لسرد عناصر اخرى تجهض خطة  العدو الاسرائيلي.

اما على الاتجاه الاردني فقد بات واضحا ان تحولا ما بات يلوح في الافق تحول الزم  الاردن بمراجعة الكثير من مواقفه السلبية من الازمة السورية و خدماته الجلى التي قدمها للعدوان مقابل مبالغ من مال او رضوخا لضغوط، لانه وضع الان بين خيارين احدهما خيار مصيري و لمس بيده ان مستقبل الاردن كله كدولة بات تحت علامة استفهام كبرى و لهذا سيكون عليه الاهتمام بمصيره اكثر من الرغبة بالاموال و هذا سيكون حتما في مصلحة المعركة الدفاعية عن سورية.

اخيرا و باجمال عام نقول بان سورية صنعت من الانجازات في الميدان ما جعلها مطمئنة الى نجاحها في حربها الدفاعية، الامر الذي يمكنها من السير قدما في العملية السياسية التي ينص عليها دستورها النافذ دون ان تعبأ بصراخ الفاشلين في تحقيق مآربهم العدوانية، و على هذا الاساس نفهم مواقف الغرب الاخيرة لجهة الاعلان عن تسليح الارهابيين باسلحة متطورة فتاكة او غير فتاكة، او اعادة اثارة مسألة السلاح الكيماوي او استعجاله لنقل كمية ال 8% المتبقية منه الى اخر سلسلة المواقف التحرشية، نفهمها بانها نوع من تنفيس الاحتقان و الغيض تماثل في خلفيتها و اهدافها تفجيرات   و قذائف القتل العشوائي الاجرامي التي ينفذها الارهابيون ضد  دمشق و ريفها و اماكن سورية اخرى رفضتهم. و كما ان تلك القذائف لم و لن تغير اتجاه مسار الدفاع الناجح فان مواقف الغرب التهويلية لن تؤثر في مسيرة سورية لانهاء الازمة ميدانيا و سياسيا بحل سياسي وطني محصن بعمل عسكري ميداني يقتلع الارهاب من الارض السورية.و في هذا الاطار تأتي انتخابات الرئاسة السورية لتشكل صفحة رئيسية في كتاب الدفاع عن سورية.

:::::

الثورةدمشق- 552014