الأمر للظواهري والجربا إلى واشنطن !

ثريا عاصي

      بدأت الفاجعة بحجة أن السوريين يريدون ” الديمقراطية ” . صحيح أن الأخيرة كانت غائبة أو محظورة في ميدان السياسة . ولكن كيف نعرف أن السوريين كانوا تواقين إلى ممارسة  الديمقراطية ؟ ! ما هي الدلائل على أنهم  قرروا انتزاع حقهم بالمشاركة الديمقراطية في إدارة شؤونهم ؟ فنحن لم نسمع عن أحزاب  سياسة سورية، علنية أو سرية ، طرحت للنقاش الجماهيري  الديمقراطي وثائق وبرامج تحتوي على تطلعات سياسية . فالديمقراطية ليست هدفا بحد ذاتها، ولكنها وسيلة من أجل اختيار الهدف، والتوافق على العمل الجمعي بقصد بلوغه وتحقيقه . أما أن تختصر الأزمات الإجتماعية بانعدام الديمقراطية، أو تحجيم هذه الأخيرة إلى مجرد انتخاب أشخاص وليس إلى استشارة غايتها استخلاص رأي الأكثرية حول الأصلح من بين البرامج أو الحلول المقترحة . الديمقراطية المجوفة هي مهزلة وسقوط في مصائد يصعب الخلاص منها . فمن يجهل علته لا يستطيع البحث عن العلاج، حتى لو قيض له أن يطرق بحرية مطلقة، أبواب جميع الصيدليات !

          قالوا لنا أيضا، ان الفاجعة مردها إلى إنتشار الفساد، وكثرة المفسدين في إدارات الدولة . هذه حقيقة لا ينكرها أحد . ولكن الأمانة والموضوعية تفرضان علينا بان نعترف، بأن الفساد هو مشترك بين جميع نظم الحكم في بلاد العرب، بمعنى ان الفساد هو في لب وصلب السلطة في هذه البلدان . تلزم هنا مساءلة علماء الإجتماع في هذا الموضوع، الذي تطرق إليه كما أعتقد إبن خلدون  في مقدمته الشهيرة . فما أود قوله هو أنه من المرجح أن أصْل الفساد كامن في المجتمع وليس في  مدارج السلطة . إذ ليس مستغربا إذا تبدلت الظروف، أن نرى المظلوم ظالما والمحروم يستحوذ على ما ليس له !

           زعموا أيضا، أن نظام الحكم في سوريا صار وراثيا . هذه حقيقية ربما . ولكن أين هي الأحزاب والمنظمات السياسية التي تنمي الوعي وتحيي الحوار من أجل اختيار الرجل المناسب في المكان المناسب . سمعنا، قبل وقوع الفاجعة في العراق، عن حراكات كمثل ” إعلان دمشق ” و “ربيع دمشق”، وكيف أن الحكومة زجت ببعضهم في السجون .  يحق أن نتهم الآن، بعد مرور ثلاث سنوات ونيف على انفجار الأزمة، عناصر شاركت في هذه الحراكات، بأنها كانت على علاقة بدول أجنبية تقف في الراهن وراء الحرب على سوريا . علما أن المتهم بريء حتي تثبت إدانته .

          لا شك في أنه كانت هناك أسباب كثيرة تبرر الإعتراض على السياسة التي كانت متبعة في سوريا . في أعلى السلم، نجد الفقر والبطالة والفروقات الكبيرة في الدخل، التي كانت ظاهرة بوقاحة  أحيانا من خلال الثروات اللاشرعية . ولكن هذه جميعها مسائل كان يجب أن تبقى في إطار السياسة الداخلية . إذ  ليس لها حل يمكن طلبه من جهات خارجية . بل أن استدعاء مساعدة هذه الجهات الأخيرة يؤدي حتما إلى تفاقم الأزمات الداخلية، سواء كانت سياسية أم معيشية أم إجتماعية . ليس من حاجة  للبسط والتوسع في هذه المسألة  لكثرة الأمثلة التي  تثبت ما نقوله !

          من هي الجهات التي أوكلت إلى السيدين أيمن الظواهري، متزعم جماعات القاعدة، وتحديدا الفصيليين اللذين يعيثان في سوريا إجراما وتسلطا وخرابا، المعروفين بداعش وجبهة النصرة، وأحمد الجربا، الذي تجمع المعلومات المتوفرة عنه بأنه من أصحاب السوابق . وبالتالي ليس لديه ما يؤهله لتمثيل السوريين . يستتبع ذلك انه مثلما يحق لنا أن نتساءل عن المصادر التي تمد جماعات الظواهري في سوريا بالعديد من المقاتلين وبالأموال والمؤن والسلاح، نتساءل بالمقابل عن الجهات التي أنشأت الإئتلاف السوري، وقبل ذلك المجلس، ونصبت على رأسه الجربا !

          ماذا قدّم هذين الرجلين حتى الآن للسوريين، بعد مضي أكثر من ثلاث سنوات على بدء الحرب التي يتصدرانها . لا حرج من وجهة نظري، على قائل بأن هذين الرجلين أخذا جزءا لا يستهان به من السوريين رهينة . نعم رهينة . كثيرون هم  السوريون البسطاء، السذج، الجهلة، الفقراء، الذين خدعوا وو قعوا في حبائل تجار الدين لحساب المستعمرين الإسرائيليين والأميركيين . فحملوا السلاح ضد أبناء جلدتهم وضد دولتهم، وأجبروا الناس على النزوح والإنتظار في معسكرات  أعدت في تركيا والأردن ولبنان . أي قانون يحمي هؤلاء الناس ؟  هل يستطيع نازح أن يعترض على تصرفات المتمردين والمرتزقة أو يعصى أمرا لهم ؟؟ من يتوكل توزيع التعويضات النقدية على النازحين في المخيمات، فضلا عن المؤن الغذائية ؟ تحت أية مراقبة ومن هي الجهات التي تدفع أجرا شهريا لكل نازح ؟

          بدأت الحكاية بالديمقراطية التي رفع بيرقها السفيران الأميركي والفرنسي في حماة ! ثم تطور الأمر، فإذا بنا في مواجهة جيش جرار من عشرات الألاف من الجنود، مجهزين بالمدافع والمركبات والدبابات والمضادات للدروع والطائرات !

          هل يقاتل الظواهري من أجل سوريا كما هي، فيحارب ضد الجيش السوري الذي قاتل جنوده المستعمرين الإسرائيليين عندما كان يطلب منهم ذلك ؟ ألا تتلقى جبهة النصرة التي يتزعمها الظواهري، الدعم من أميركا، ومن أتباعها في المنطقة، الذين طبعوا علاقاتهم مع دولة إسرائيل، أو الذين لم يفعلوا بعد ولكنهم يضغطون على سوريا لكي تطبع علاقاتها قبلهم ؟

          أم أن الظواهري هو كالعادة، أدة تحطيم وتقسيم وتشريد ؟!… لا منأى عن السؤال أخيرا، عن مصير سوريا، إذا لم يتمكن السوريون من تحرير بلادهم من جيش الظواهري، ومن تحرير السوريين الذين غرر بهم واستهواهم أصحاب الدنانير، والذين أخذوا رهائن إلى الأردن ولبنان وتركيا ! وماذا عن مصير سوريا إذا لم تتمكن الحكومة من إجراء انتخابات الرئاسة في زمان الحرب، وإذا كانت الحكومة لا تستطيع تأجيلها كما تفعل البلدان في مثل الظروف التي تعيشها سوريا، لا سيما أن نتائج هذه الإنتخابات قد لا تبدل شيئا على الأرض، فأعداء سوريا يقومون بكل ما في وسعهم لمنعها، وإذا أجريت فهم لن يعترفوا بنتائجها ! .. وماذا عن مصير الفلسطينيين واللبنانيين أذا انتصر الأعداء ؟!…

:::::

“الديار”