الفقيه الوالي ووليّ الأمر!

ثريا عاصي

لا جدال في أن أمراء النفط الخليجيين، ليسوا أصحاب مشروع حدثوي غايتهم من ورائه تطوير بنى الدولة العربية، فضلا عن التنمية الإقتصادية وإرساء الديمقراطية السياسية، على طول الرقعة الممتدة من العراق شرقا وحتى الجزائر غربا. بل لا غلو في القول انه إذا كان ليس مستبعدا وجود مشروع خاص لهذه المنطقة فإنه بالقطع أميركي الصنعة والدمغة. أما أمراء النفط الخليجي فهم في إطار هذا المشروع موظفون هذا من ناحية، بمعنى أنه أوكل اليهم تحريض وتجييش المعدمين والمعذبين في الأرض العربية، أما من ناحية ثانية فهم مبتَزون ومسلبون، إذ من المفروض عليهم ان يتكفلوا بدفع رواتب المرتزقة، وتسديد فواتير المؤن والإمدادات العسكرية لجيش في سوريا، يزيد تعداده عن مئة ألف.. العدو أمامهم والبحر من ورائهم! يقتلون أو يقتلون فهم ليسوا بالخيار!
لم نكن نسمع، قبل الفورة النفطية وتدفق دنانيرها، في مجال السياسة بمصطلحات كمثل «ولي الأمر» و«ولاية الفقيه». من البديهي أن الأمور تغيرت وتبدلت بحيث يكاد أن يكون مستحيلا، في هذا الزمان الذي برزت فيه العصبية على شكل تصرفات وحشية، أن تتناول موضوعا سياسيا، أو شأنا إجتماعيا، من دون أن تستنير بضوء المصطلحين الآنفي الذكر. وإلا انهال عليك المثقفون المُطعـّمون ضمنا بنظرية صراع الحضارات، بنعوت مشينة كمثل ماركسي أو مناهض للرأسمالية أو أممي (هم معولمون، ولكنهم ضد الأممية!) تدل من وجهة نظرهم على رجعية وتخلف من يستحقها، هذا من جهة ومن جهة ثانية وصمك جهابذة الفكر السياسي ـ الديني، اذا جاز التعبير، بنكران الجميل والشذود والضلال، كونك لم ترجع إلى الأصول، تماديا بالهذيان وتوهما باحتمال تحقق المثاليات المتعالية في هذه الدنيا!
أدرك تماما أني أتناول موضوعا صعبا ومعقدا وأسلك طريقا وعرة. فمسألة السلطة في بلاد العرب تحيلك حكما إلى مسألة الإستيلاء على الدين الإٍسلامي، واستخدامه من قبل السلطة كدرع تحتمي به فضلا عن ادعائها بأنها تستمد شرعيتها من كونها، بشكل من الأشكال سلطة دينية. فهي تشجع نشر الدعوة، محرفة، وتنتج معاهدها رجال دين يدفعون عنها الشبهات. الدولة ونظم الحكم والدساتير والقوانين والمذاهب وما أكثرها، والسياسة والوطنية والعصبية جميعها موشحة، بوشاح الدين، كما يزعم أهل الحل والعقد، إختزالا للنقاش الديمقراطي، ولحرية التعبير والحركة!
مجمل القول أن مداورة مسألة إقحام الدين في السياسة أوصلتني إلى سؤال عن ماهية أو ما طبيعة الأمر الذي يتولاه، ولي الأمر، في بلاد العرب، حيث أن جميع الحكام يكادون أن يكونوا، أولياء أمور الناس. أي ملوكا عليهم وأوصياء، بحسب المعاني التي يعطيها المعجم للفظة «ولي» أو «والي». وهنا، أقتبس استطرادا الآية الكريمة «إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم» أن تولوهم! أي أن تنصروهم والآية الكريمة «فهل عسيتم أن توليتم أن تُفسدوا في الأرض». ولكن هذا حديث آخر!
من المفترض أيضا أن يكون «وليُ الأمر» قد تلقى أمراً. فبالله عليكم من أين تلقى أمراء النفط الخليجيون، الأمر بإحلال الديمقراطية في سوريا، وبإرهاب وطرد، جميع السوريين؟! السوريون حاف، الذين لا يستطيعون الإنضمام إلى قوافل الوهابية الدينية، مهما بلغت قساوة قلوب المرتزقة، الموزعين على ألوية تسمت خداعا ونفاقا وكيدا بأسماء كمثل «الصحابة والحرمين الشريفين والسبطين وأحرار الشام وغرباء الشام وجند الشام وفتح الإسلام… الخ»! هلاّ سمعتم أيها الناس أميرا خليجيا، ولي أمر، يتهجى ويتأتئُ في قراءة نص مكتوب، أو آية كريمة؟ كيف يستوحي ولُيُ الأمر، أمراُ من القرآن الكريم، وهو لم يقرأه لأنه يجهل القراءة؟ ما بالك بتلمس المعنى!.
العجب العجاب، أن الحقيقة هي أن الأميركيين والفرنسيين والبريطانيين يتناوبون على زيارة ولي الأمر ويملون عليه الأمرَ! وأن هذا الأخير تمكن من أن يؤجر غالبية الكتبة في الصحافة العربية، من أجل أن يساهموا في حملة دعائية تندرج في سياق حبكة دراماتيكية تذكرك بأساليب المخابرات الأميركية والغربية في ذروة الحرب الباردة، التي عرفها العالم بعد الحرب العالمية. لا شك في أن انتصار الأميركيين على الروس في أفغانستان، بفضل الثروات النفطية الخليجية وتجييش الغوغاء في ديار الإسلام ، للقتال معهم، سهل تدمير الدول العربية التي ساهمت، إلى هذا الحد او ذاك في حرب تشرين 1973، بالوسائل نفسها التي استخدمت ضد السوفيات! حتى لا تتكرر مثل هذه الحرب!
استنادا على ما تقدم، نخلص إلى أن ولي الأمر، الخليجي النفطي الممتلئ بالدولارات، لا يتولى أمرا إسلاميا، رغم المظاهر، اللحى الطويلة والقمصان الباكستانية، والذبح وتعليق الناس على الصلبان في الساحات العامة إرهابا وعبرة للآخرين، ورغم الاعتداءات على الرهبان وحرق الأديرة والكنائس وسرقتها، وإنما هو يتولى أمرا أميركيا إمبرياليا إستعماريا.
لأصل من بعد إلى مسألة الفقيه الوالي. فهذا الأخير يعرف كما لا يخفى ليس القراءة وحسب ولكنه ذو كفاءة تمكنه من الفهم والتأويل أيضا، بل ولديه القدرة، من حيث المبدأ، على أن يستنبط من النص الأصلي أحكاما وإجابات تلائم، بحسب تصوره، القضايا المطروحة. ينبني عليه أن المشروع الإسلامي في المنطقة، الحقيقي، هو الذي يمثله الوالي الفقيه، وليس ولي الأمر الجاهل الذي يتلقى الأمر من السيد كيري أو من السيد هولاند!! هذا معطى يبدو لي أنه من البديهيات. هذا لا يعني على الإطلاق، ان المشروع الإسلامي الذي يحمله الوالي الفقيه هو من وجهة نظري قارب النجاة للخلاص من المأزق الذي نحن فيه. ولكن يجب أن نعترف، ان هذا المشروع أنجز في العقود الثلاثة الماضية، السد الوحيد الذي أعاق إلى حد ما تقدم المستعمرين بمساعدة ولي الأمر!!

:::::

“الديار”