في ذكرى افتكاك فلسطين

محمد صالح التومي

تونس

في يوم 15 ماي (أيار) من كل عام يحيى الأحرار ذكرى التقسيم الظالم لفلسطين أو ما اصطلح على تسميته بذكرى يوم النكبة،

تعود هذه الذكرى ونحن في سنة 2014 لتجد القضية الفلسطينية محاصرة بمختلف المستجدات الهادفة كلها إلى تغييب الوعي بها لدى الفلسطينيين ولدى العرب ولدى الأمم والشعوب المناصرة لها ،

فالعدو الصهيوني يتعنت في هذه الأيام في فرض ما يسميه ” الدولة اليهودية”  بكل ما تحمله من معان عنصرية وهدفه من وراء ذلك الاستحواذ على أوسع المساحات الممكنة من الأرض التي يريدها فوق ذلك خالية  من سكانها الأصليين وذلك من خلال:

– إجبارهم على الهجرة من مواقع تواجدهم التاريخية سواء بانتزاع أملاكهم ومصادرتها أو بتطبيق قانون الغياب ضدهم أو بالتحضير دوليا لارتكاب جريمة “الترانسفير” (التحويل القسري)…في حقهم،

– كما من خلال إجبارهم على القبول بالتوطين في أراضي لجوئهم والتخلي نهائيا عن حق العودة أو عن حق الدفاع عما بقي لهم ممتلكات تتضاءل يوما بعد يوم أمام التوسع المتواصل والاستيطان الزاحف وصولا إلى محاولة إقناعهم ذات يوم بالتجمع في أرض بديلة هي الأرض الأردنية طبقا للمخططات الاستراتيجية التي

تطبخ ضدهم في وسق الظلمات.

أما الفلسطينيون بالذات ونتيجة لكل ما سبق فملايينهم في الشتات، وآلافهم في السجون و المحتشدات و بندقية مقاومتهم محاصرة من كل الجهات، والباقون منقسمون فيما مازال لهم من بؤر سكنية بين :

– حكم صهيوني ظالم و عنصري في أراضي ما قبل سنة 1948

– و حكم في الضفة الغربية لاهث وراء اتفاقيات أوسلو و المفاوضات العبثية المنجرة عنها والتي يراد لها صهيونيا أن لا تنتهي،

– وحكم ثالث في غزة أوضح تورطه إلى جانب القوى التكفيرية في سوريا أنه لا يملك فكرا وطنيا تحريريا حقيقيا مرتبطا بالأرض والإنسان والتاريخ وأنه ليس سوى قوة عاملة على تجسيد المخططات المشبوهة لمنظمة الإخوان المسلمين العالمية التي ترتكز مفاهيمها على التفريق بين أرض الكفر كما تفهمه و أرض الإيمان كما تدركه فلا تهمها المعاني الوطنية بقدر ما تهمها معاني “الدعوة” و”الجهاد” و”إعادة الأمجاد” لأمة الإسلام… كما تتخيلها ؛

و”أمة الإسلام” هي مجموعة بشرية موجودة لا شك في ذلك لكنها تنبني على الانتماء الواسع إلى عقيدة روحية تجمع أمما و شعوبا و أوطانا شتى ومتفرقة جغرافيا فمن الواجب التعامل معها كدرجة فقط من درجات التآلف بين الناس و التفريق بجدية بين هذا النوع من التآلف و بين التآلف الوطني المبني على الانتماء إلى لغة واحدة و أرض واحدة وسجية قومية جامعة قد تشمل و تصهر في بوتقتها عقائد و ديانات متنوعة و مختلفة مثلما هو حال تآلف العرب و خاصة بفلسطين التي تحتوي أرضها كما هو معروف على القدس و الخليل كما على بيت لحم والناصرة.

و أما المحيط القومي العربي المفترض أن يكون الحاضن الطبيعي للفعل الفلسطيني المقاوم و أن يكون المساهم في إذكاء جذوته بكل أنواع المدد أو حتى في درجة أدنى و عندما تملي الظروف التاريخية ذلك أن يكون الحاضن على الأقل لإرادة المقاومة في أوقات كمونها والمساعدة لها بكل ما يجب من الأسباب لتمكينها من التفجر في وجه العدو في أي لحظة مناسبة من جديد،

قلنا إن هذا المحيط القومي العربي قد فعلت فيه المؤامرات والمناورات فعلها،

فبعد ميثاق باخرة “كوانسي” الذي أبرم سنة 1945 بين قبيلة آل سعود ويمثلها عبد العزيز آل سعود والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت والذي يضمن السعوديون من خلاله تدفق الطاقة بصورة منتظمة ومتواصلة نحو الولايات المتحدة الأمريكية في حين تتعهد هذه الأخيرة بحماية العائلة السعودية وبضمان بقائها في السلطة مع دعمها بكل الوسائل كي تحرز على مرتبة القيادة في المنطقة بأسرها …مع اعتبار هذه القيادة ” جزءا من المصالح الحيوية ” لأمريكا …

وبعد موجة التطبيع مع العدو الصهيوني التي وقع سوق النخب المتنفذة سياسيا واقتصاديا وثقافيا إلى الانخراط فيها منذ السبعينات في عدد يتزايد من الأقطار العربية ،

وبعد المآسي اللاحقة بالعراق بواسطة العدوان المتواصل والمتكرر والتي وصلت حد احتلاله عسكريا سنة 2003 ومحاولة تفكيكه منذ ذلك الوقت ،

ها نحن وصلنا منذ 2011 إلى موجة الركوب على الانتفاضات بواسطة الاختراق المنظم للنسيج المجتمعي وهو الاختراق الذي أغرق الغضب المشروع للجماهير العربية المتمردة  ضد الاستبداد والفساد والعمالة للأجنبي في مستنقعات جديدة لم تكن حدتها في الحسبان ، وهي مستنقعات وقع الدفع إليها دفعا بواسطة التمويل المشبوه والفكر التكفيري وفوضى السلاح وذلك لإتاحة الفرصة لزرع الفتن الطائفية والجهوية والعشائرية والدينية نشرا لما يسمى  بالفوضى الخلاقة التي “تبشر” بها (تنذر بها في الحقيقة) الأدبيات الامبريالية والصهيونية وصولا إلى إمكانية التدخل المباشر عند الاقتضاء بهدف تقسيم المقسم وتجزئة المجزئ… ومن خلال ” الكنتنة ” بعث ما يسمى بالشرق الأوسط الجديد في ظل ما يسمى بالنظام العالمي الجديد …

بل إنه تجلى من خلال المثال الليبي كما من خلال المثال السوري على وجه التخصيص أن هناك مخططا جهنميا ومفضوحا يهدف إلى تجفيف ينابيع الممانعة في الوطن العربي و” جعل أي معارضة لأمريكا ولإسرائيل معارضة غير شرعية” وفقا لعبارات مراكز التفكير الأمريكية (الثينك- تانكس) فهذا ما من شأنه أن يوفر الظروف التي تسمح للشركات العالمية بنهب خيرات الوطن العربي والاستيلاء عليها بأيسر الشروط بل مجانا عند اللزوم، كتوفير الظروف في علاقة بذلك كله لأمن الكيان الصهيوني الغاصب والمرتبط وثيقا بكل دولاب من الدواليب الإمبريالية والشريك المميز لكل الدول الاستعمارية في كل مخططاتها التآمرية والعدوانية.

 فهذه الأسباب مجتمعة هي التي تجعل المشهد العربي اليوم متخبطا و يعيش الصراعات والفتن و تمنعه الجهود المبذولة لتجاوز هذا الواقع الرهيب من الاهتمام بالقضية المركزية ألا وهي قضية فلسطين.

وأما على المستوى العالمي فإن القوى المسيطرة على الكون تعمل جاهدة على وقف التعاون بين أصحاب القضايا العادلة وهي باسم “صراع الحضارات” ما تنفك تشعل النزاعات والأزمات الاقتصادية في كل مكان و كل ذلك بهدف إجبار المناهضين لسياساتها على الانكباب على لعق جراحهم في كل مرة أو لزومهم مواقعهم و عدم التفكير في تجاوز الخطوط الحمراء المرسومة؛ فمن يفكر منهم في التجاوز فإنه يعاقب بإشعال النيران في حدائقه الخلفية و حتى في بيته عند الإمكان مثلما يقع اليوم أمام أعيننا لروسيا الراغبة في العودة بقوة إلى مسرح الأحداث العالمية والساعية من أجل مصالحها إلى تحدي العالم ذي القطب الواحد و إلى إفشال ما سمي بالقرن الأمريكي الجديد، حيث المقصود من كل ما تتعرض له روسيا في هذه الفترة هو أن يقع الحد من اندماجها في مواجهة المخططات الصهيو- أمريكية في المشرق العربي وخاصة في سوريا وإجبارها على مواجهة القلاقل بشبه جزيرة القرم و بأوكرانيا مع العمل على نقل هذه القلاقل إلى الداخل الروسي و علينا أن لا ننسى هنا أن القوى الهيمنية قد حاولت منذ سنتين- ولكنها فشلت – أن تشعل فتيل الشغب في موسكو بمثل ما فعلته في بعض العواصم العربية ، فلن يكون غريبا أن تفكر في إشعال هذا الفتيل عند القدرة لو وجدت إلى ذلك سبيلا.

إلى هذا الحد من التوصيف قد تبدو الصورة التي رسمناها بمناسبة عودة ذكرى نكبتنا في فلسطين قاتمة وشديدة السواد ولكن الوقوف على الحقيقة في كامل بشاعتها هو وحده القادر حسب اعتقادنا على تأجيج الوعي المضاد ودفع العزائم الصادقة إلى الثبات على مواقعها ومواقفها ، كما إنه وحده القادر  على إذكاء روح المعارضة والتصدي ،يقينا هنا بأن جدلية الصراع تثبت أن رأس المال وهو يبلغ بنظامه الاستغلالي والاستعماري أعلى درجات توحشه مع استتباب الأمر ظاهريا لهذه العولمة المتصهينة إنما هو في الحقيقة إلى زوال، بل إنه رغم أضاليله الإعلامية وبهرجه الاقتصادي وقوة القهرالعسكرية المتنامية لديه يعتبر اليوم في أقصى درجات هوانه لأنه يرتعد خوفا من القوى الجديدة التي تبرز أمام عينيه ونقصد بذلك دول البريكس و إيران وحتى ظاهرة المقاومة الفعالة لحزب الله ، وهو يجد نفسه عاجزا عن النيل جديا من روح الاستبسال المناهضة له والتي تتجسد :

 عسكريا وسياسيا : في جميع المواقع المعادية أوالمنافسة كما في كل مجالات المقاومة ولا عبرة في الحالة الأخيرة بميزان القوى المادية فهو ميزان متغير   ، كما إن الدم سيبقى دائما غالبا للسيف.

واجتماعيا : في تحركات الكادحين والمحرومين في كل مكان وحتى في عقر دار القوى الهيمنية إيمانا منهم بقيم العدل والكرامة المهدورة في حقهم ،

واقتصاديا : من خلال فقدان الثقة المتزايد في الحل ؟النيو- ليبرالي الذي تدعمه صناديق المال الدولية لأنه يتضح يوما بعد يوم كونه حلا مغشوشا ومحفوفا باحتكار الخيرات من طرف خمس سكان الأرض ضد أربعة أخماسهم المتروكين للفقر والمرض والموت ،ومصحوبا بالتضخم المالي المستمر وبالأزمات الهيكلية المؤدية إلى إفلاس الدول والمؤذنة بالانهيار الكامل للنظام برمته ؛

وثقافيا : من خلال تواصل الخط المنير الذي رافق طريق الإنسانية بدون كلال والذي أبدعه الأحرار منذ أول عملية اضطهادية مارسها الإنسان ضد أخيه الإنسان ورسموه بدمائهم وبعذاباتهم وبأناتهم وبجهودهم الفكرية والإبداعية المتواصلة ، وهو الخط الذي يرمي إلى الانتقال بالإنسان من حالة الوحش الذي لا يشبع إلا من خلال النهب والسرقة والتدمير والقتل  وخدمة الأنا إلى حالة الإنسان الجدير باسمه كإنسان والجدير بتراث القيم النبيلة الذي أنتجه عبر صراعه الطويل من أجل الانعتاق من كافة أسباب عبوديته واستلابه وبعث مجتمع التعاون والإخاء القادر على إدارة التناقضات التي لا غنى عنها ولكن بالحكمة والصواب.

ففي هذا المتسع من نور المقاومة مختلفة الأوجه سيظل الأمل نابضا بالحياة ومشيرا إلى حتمية قدوم اليوم الذي تنتصر فيه كافة القضايا العادلة ومنها قضية فلسطين وينتصر فيه رمز الصواب على رمز الخطأ ورمز الحق على رمز الباطل ورمز الخير على رمز الشر أو فلنقل معانقة للخط المنير الذي نشير إليه رمز الله على رمز الشيطان.

وإن المتأمل في مختلف التطورات التي تحدث على كافة الأصعدة لن يعدم أمثلة في كل مكان من الدنيا تعتبر مصداقا عمليا كاملا للقولة المأثورة التي نطق بها ثوار أجلاء والتي مفادها أنه ليس مهزوما من لا ينفك يقاوم .

فــبمثل هذا الرصيد من الأمل نتشارك اليوم في إحياء ذكرى النكبة في فلسطين وذكرى اغتصابها أو تقسيمها الظالم أو افتكاكها بواسطة الحروب الظالمة وحتى العالمية منها وبواسطة عصابات الإرهاب المنظم كما بواسطة القانون الدولي الذي ليس في راهن أحواله سوى قانون الغاب القديم مهما ألبسوه من مسوح حضارية كاذبة وكسوه بتقعيرات لغوية وحقوقية ومفاهيمية زائفة لأنها سرعان ما تنكشف طبيعتها أمام الوقائع كما ستتهاوى ركائزها شيئا فشيئا بفعل الإرادات العاملة على نقضها وإفساح المجال نحو بدائلها الصحيحة.

الحرية لفلسطين … كل فلسطين .