بين التطبيع …وجيوب المقاومة

عادل سمارة

أعترف حتى في الأرض المحتلة أن التطبيع كان عادياً بل محبوباً ولم يعد كما كان. وأعترف بأن مواجهته أصعب من مواجهة الاحتلال لأنه بين ظهرانينا ولأنه كما الفساد شديد القدرة على التمسك بمصالحه، وليست كل مصلحة هي ترجمة مباشرة إلى نقود بالحتم والقطع وإن كانت تنتهي كذلك. كما أنه شديد القوة من حيث قدرته على التلوَّن والإلتواء.

ولكنني أعترف كذلك أن في الحياة الكثير مما يُفيد النفس ويرفع المكانة بعيدا عن تناول هذا المطبع أو تلك. لكن تناول خطورتهم ينفع الناس. لهذا يُجيز المرء لنفسه تعرية ما يضر بالوطن والناس حتى لو أضاع بعض الوقت. وتعرض لبعض النهش.

بعد صدور كتابي “مثقفون في خدمة الآخر بيان ال 55 نموذجا” عام 2003 التقاني صديق قديم محتجاً لأنني أعدت نشر إعلان ل 55 مثقفاً ومثقفة يشجبون العمليات الاستشهادية وكانوا نشروه في الصحف المحلية ودفع الاتحاد الأوروبي كلفة الإعلان. قال لماذا تهاجم أصدقائك؟ قلت لأنهم يهاجمون الوطن. والصداقة الأولى للوطن لا للأفراد. واضفت هل اسمك معهم؟ قال: يا الله تكتب عنا ولا تتذكر اسمائنا؟ قلت هذا يؤكد أنني لا أهتم بالأسماء بل بالحدث. ثم ما يضيرك، فكلما انتشر اسمك يساعدك على النجاح في الانتخابات. قال ، آه قصدك يؤدي لاغتيالي. قلت يخرب عقلك، إذا كنت ترى ما فعلت جريمة لهذا الحد فلماذا توقع!!!

وقبل ايام التقاني صديق قديم آخر وقال انا لم أقل ما كتبه  عني صحفي في مؤتمر عزمي بشارة في قطر، فلماذا كتبت ما قيل؟ قلت لأنه قيل مكتوباً. بوسعك النفي وننشر لك في كنعان الإلكترونية. وعد أن يكتب لي ما يرى ولم يفعل ولديه رقم هاتفي كذلك. ثم أضفت، أنا أرى مجرد دخولك إلى بلاط قطر وقوفا في الصف الآخر. هل يمكن لدكتور لبرالي وشيوعي سابق وأكاديمي ان يشارك في مؤتمر تحت مظلة أمير نفطي؟ هذا كالتطبيع مع الصهاينة. (بوسع الصديقين الاتصال بي إن ارادا ذكر اسميهما.)

وكما كتبت مراراً، لا يعرف أحد إن كان سلوكا ما تطبيعيا أم لا بقدر ما يعرف ذلك الشخص نفسه. وحين أكتب عن التطبيع أهتم بالحدث وليس بالأسماء، وحين يتوجب ذكر الإسم يكون ذلك لتعرف الناس الغث من السمين.

ما كتبه أحدهم نافيا مشاركته في مؤتمر الحريات الصحفية في عمان بعد ان كتب قبل ذلك وشتم ، وما كتبته أخرى، وآخر أسعدني لعدة اسباب:

أولا: من لم يحضر ولم يشارك فهذا جميل لأنني لا اتمناها لأحد. وبوسعه رفع شكوى في عمان (واحة الديمقراطية) على الذين زجوا بإسمه إن كانوا مخطئين، وفي عمان “خير” من يثأر ضد اي وطني. أعتقد كل مثقفي الأردن الشرفاء يعرفون القضية التي رفعها جورج ابراهيم حبش ضد الفنان الزعبي حول مسرح (تيدي كوليك رئيس بلدية القدس الممحتلة السابق).

ثانياً: لا ينحصر التطبيع في دخول الشخص تحت راية الاحتلال، بل اية علاقة مع اية دولة معادية لشعبنا هو تطبيع. وخاصة مع الولايات المتحدة، اية مؤسسة أنجزة امريكية هي اخطر من نظيرتها الصهيونية. ومن لم يصل هذا الاستنتاج بعد، فعليه أن يتفقد وعيه. أما قول البعض، كانت  Logo ال USAid صغيرة أو مغطاة أو هو لم يراها، فهذه يثير التعلق بها قدرا من السخرية. الذي يهمنا مقاطعة الأعداء وحسب. يختلف معنا في هذا كثيرون هذا شأنهم.

ثالثاً: عار كبير على أي عربي وخاصة فلسطيني ان يتلقى دعما أو تكريما من اية سلطة عربية بما فيها مثلا الإمارات. ألم يهدي حاكمها لفرنسا ارضا لتقيم قاعدة عسكرية يوم عيد ميلاده؟ هذا تطبيع حقيقي.

رابعاً: جيد أن يبدأ كل من على راسه بطحة بتلمسها بعد أن كانت على رأسه ريشة. ولا يرفع من مكانتهم/ن اتهام الشرفاء بالفاشية والقومجية (الرحمة لمخترع هذا الهراء…إميل حبيبي) الذي مات على فراش التطبيع والتعاقد ووسام من اسحق رابين ومع ذلك ما أكثر من جعلوه أيقونة. ومن كان بريئاً فلسنا محكمة له ولغيره، ونبارك برائته ونتمنى تواصلها.

وبعيدا عن الأشخاص، لعل المهم أن التطبيع لم يفقد قواه قط. فقلعته الحصينة هي استدخال الهزيمة التي وقعت من أنظمة إلى قوى ومن ثم إلى أفراد.

فالتطبيع هو الند والصد والضد للمقاومة. وحينما تتراجع المقاومة يصبح التطبيع عادياً ويملأ الفراغ ولا يتم الإحساس به سوى من جيوب المقاومة. إذن تقف جيوب المقاومة في مواجهة استدخال الهزيمة. وأهمية جيوب المقاومة في انها اللحظة الانتقالية التي تحمل بذور البدء من جديد. هي اعظم من الانتصار لأنها تؤسس له. هي اللحظة الانتقالية بين الهزيمة والنهضة.

نحن أمام معادلتين: إما مقاومة وبالتالي صد التطبيع ، وإما استدخال الهزيمة وبالتالي تحرك جيوب المقاومة.

وكل هذا مسألة وطنية في مركزها ومآلها.

ومن هنا، فإن تسلل التطبيع إلى البعض وتسلل البعض تحت فراش التطبيع يستدعي التصدي. وليس عدوانا منا حين نتعرض له، بل واجب منا ان نتعرض له. بل نحن نضحي بوقتنا اضطراراً لمواجهة التطبيع خدمة للناس من مواقعنا العادية جدا ودائما عادية جدا.

نعرف من الأرض المحتلة أن هناك محاكماً لمن يتهم أحدا بالتطبيع سواء ببرهان او بدون. ومن هنا يُحجم كثيرون وخاصة في عمان عن التصدي لهؤلاء. ولذا لم يوقع على بيان راديكال كثيرون. وكل إنسان قدر طاقته في التصدي. ويبقى ل راديكال ان تثبت ما نشرته.  وأتمنى أن لا تكون قد أخطات.

مؤتمر “أحباء الديمقراطية” في عمان دفعني لتشبيه لا أملك إلا قوله:

سبحان الله ما أعظم عز العرب الحالي: عمان ورثت اثينا، والدوحة ورثت إسبارطة. عمان بلد الثقافة والفلسفة والفن والشعر والنحت…وكل الحريات، ولكن عمان صحراء بلا نفط، فهل وراء هذ مال النفط؟ ، والدوحة ترسل طائراتها لذبح ليبيا وتمول كل ثوار الأرض لمذبحة سوريا . ألسنا في حقبة العولمة!

وأخيراً، التطبيع رزمة متكاملة، فمن يقف مع داعش والنصرة واللبواني، أخطر بكثير من مشاركته لحظة شعر أو خفقة موسيقى أو دقة كعب رقص. على الأقل هذا موقفي الشخصي من أجل سوريا.

بقي أن اختم بذكرى اشرف الناس. حينما دخل الرفيق ابو علي مصطفى للأرض المحتلة من بوابة اوسلو، لم ألتقيه. وكنا معا لزمن جميل سابق. وحينما زارنا في سجن أوسلو-ستان وكنا عبد الستار قاسم وأحمد قطامش وانا. قال هل يُعقل أن لا أراك سوى هنا؟ كان معه مدير المخابرات في السلطة. قلت له حينما يضعك هنا ازورك. لم يكن من موجب لمجيئك. قال: لم تغير ولم تبدل؟ قلت هات ما يقنعني لأغير الآن. واستشهد الرجل شريفا كما بدأ ورثيته من روحي. كم كنت حزينا حينما قابله سامي حداد على الجزيرة وأحرجه بقوله: طالما أنت ضد اوسلو فلماذا أتيت!

دخول الفلسطيني إلى  الأرض المحتلة يصبح اكثر صعوبة واشد خطيئة كلما كان المرء أكبر دوراً. ولا يحتاج فهم هذا تبحراً في علم الرياضيات.

لا داع لقول كثير بعد، ولكن للأسف،  إن فعلوها ، سنضحي بوقتنا الثمين لأجل الناس. ووقتنا ليس وقت عمل مأجور. بل تفكير في بلد ووطن ذبيحين.