هكذا ترد سورية

العميد د. امين محمد حطيط

في مشهد يعكس المواجهة  بين جبهة العدوان على سورية و سلوكياتها ، و الرد السوري على هذا العدوان على اكثر من صعيد يستطيع المراقب المتتبع لمسار الحرب الكونية التي شنت على سورية باعتبارها القلعة الوسطى في  محور المقاومة ، يستطيع المراقب تبين المراحل التي وصلت اليها العمليات الدفاعية في وجه العدوان ، و تداعيات فشل المهاجم و عجزه عن تحقيق اهداف عدوانه .

ففي اسبوع واحد سجلت على جبهة العدوان جملة من المواقف تعكس خيبة اصحابها و غيظهم من تلك الخيبة و اعترافهم العلني او الضمني قولا او سلوكا بهذه النتائج السلبية لاعمالهم العدوانية .

 نبدأ مع اخراج الاخضر الابراهيمي من الحلبة اخراجا بعنوان “قبول استقالة”  ، و هو في الحقيقة استغناء عن خدمات لعجز في تحقيق المهمة .  و هنا نذكر باننا من الايام الاولى لتعيين الابراهيمي خلفا لكوفي انان في ادارة الملف السوري باسم الامم المتحدة ، كنا على يقين بان الشخص  لم يأت من اجل سلم و امن لسورية و لم يأت من اجل المحافظة على الدماء و الاموال و السيادة السورية مطلقا ، بل ان دوره الحقيقي كان استثمار سفك الدم و التدمير الذي يمارسه ارهابيو جبهة لعدوان من اجل تحقيق الاهداف الاميركية او بكلمة اكثر دقة ، جاء الابراهيمي لصرف الجرائم الارهابية في الميدان السوري ، على طاولة التفاوض تحت علم الامم المتحدة الذي يستظل به ايضا علم “جامعة النعاج العربية “، صرفا يؤدي الى نقل سورية من موقعها الاستراتيجي القائمة فيه الى موقع معاكس تكون ملحقة فيه بالسياسة الاميركية ، في عملية سياسية تفرض فيها على سورية طبقة من العملاء و الجواسيس باسم حكام سورية او سلطة سورية الجديدة .

لكن سورية خيبت امال المخطط المعتدي و ثبتت على حقوقها و اجهضت المناورات الاحتيالية التي كان اخر فصولها في جنيف 2 ، و تفلتت من الالغام الاميركية التي زرعت لها  و فضحت الابراهيمي في مهمته ، الى الحد الذي جعله يدرك بان السير الموضوعي و المهمني في العمليةا لسلمية  التفاوضية سيقود الى عكس ما ارادته الجهة لتي جاءت به ، فسارع الى وقف التفاوض و تعطيل العملية السلمية الدولية  ، ثم خرج من المشهد ليعلن الفشل و الاخفاق في المهمة و يؤكد ثبات سورية و نجاحها في المواجهة .

و نأتي بعده الى الموقف السعودي ، الذي نشهد فيه تداعيات و تغييرات دراماتيكية شكل الميدان السوري السبب الرئيسي في احداثها ، فمنذ اكثر من عام و نيف استلمت السعودية ملف العدوان على سورية من اليد القطرية – التركية  باشراف اميركي مباشر ، و عهدت بالملف الثلاثي سعود الفيصل – بندربن سلطان  – سلمان بن سلطان ، الذين توزعوا الادوار السياسية و الامنية و العسكرية ، و تعهدوا لاميركا بان يحققوا اهدافها في سورية في بضعة اشهر  ليقدموا للابراهيمي ميدانا سوريا ذي ارجحية ارهابية تمكنه من صرفها  في السياسة و التفاوض .

و مرت الايام و الاسابيع و الشهور حتى استهلك العام بكامله  ، و استهلكت معه قدرات المسلحين و الارهابيين و لم تنفع صرخات سعود الفيصل الخارجية و لا جولات بندر ن سلطان المخابراتية ولا ادارة سلمان بن سلطان لغرفة عمليات الاردن ، كلها لم تنجح في وقف تقدم الجيش العربي السوري و القوات الحليفية و الرديفة ، تقدم  بدأ في القصير و بخط تصاعدي تراكمت عليه الانجازات السورية المنفذة  وفقا لاستراتيجية و خطط محكمة حققت الانتصارات الباهرة واستعادت الى حضن الدولة اهم المناطق ثقلا استراتيجيا ، و رسمت مشهدا للميدان لا يحتمل الالتباس في التفسير و يؤكد بان العدوان على سورية فشل استراتيجيا ، و يترنح عملانيا ، و يبقى ان يتابع امنيا و عسكريا خاصة بعد ان انقلب العدوان من حرب التغيير الى حرب الاستنزاف معترفا بفشله في الاولى .

هذه النتائج استدعت تطاير رؤوس المسؤولين عن الفشل اذ بعد اخراج الحمدين القطريين ، اخرج  الاخوين السعوديين (بندر و سلمان ) و يترنح الان سعود الفيصل الذي يستعد للاستغناء عن خدماته في عملية اعادة تركيب و توزيع السلطة في السعودية يقصى بموجبها كل من كان من فريق التخطيط و تنفيذ العدوان على سورية ليؤتى بمن هو اكثر قدرة على تنفيذ استراتيجية الانفتاح و تحديد الخسائر و انقاذ ما تبقى من جزئيات الفضاء السعودي الاستراتجي الحيوي في المنطقة ، في عملية انفتاح على ايران و تشارك في لبنان و محاولة تلمس فتات في العراق و حلم محدود في سورية .

اما  الجامعة التي كانت مسماة عربية قبل خروج سورية منها ، و رغم انها لا تستحق منا الذكر او البحث في مواقفها لانعدام وزنها اصلا  ، فاننا لا نجد ضيرا في الالتفات السريع الى امينها العام الذي قاد حملة الهجوم على سورية من موقعه ذاك و استمات في استصدار قرار من مجلس الامن تحت الفصل السابع ليجيز للناتو التدخل العسكري في سورية لتدميرها كما دمرت  ليبيا بطلب من تلك الجامعة نفسها ، نلتفت اليه و هو يعترف صراحة اليوم بان جامعته فشلت في خططها و فشلت في مهمتها و فشلت في تحقيق التغيير الذي يريده الاستعمار الذي يتخذها اداة لتحقيق اغراضه في دنيا العرب .و ان اعترافه اليوم جاء ليتكامل مع مشهد من ذكرنا و هم يتخبطون في خيباتهم و تتدحرج رؤوسهم و المناصب و تثبت سورية في مواقع عزتها و كرامتها و استقلالها .

اما الاهم في المشهد فهو ما ظهر من مواقف في اروقة الغرب من اروبا الى اميركا حيث كانت جولات و لقاءات و مؤتمرات للتآمر على سورية ، تمخض عنها ما يفيد  بان الغرب بالت مذعورا من الانجازات السورية المتعددة الطبائع و الاتجاهات و التي تؤدي الى القول بانها  افشلت العدوان و انها ماضية في طريقها لا يثنيها  تهديد او وعيد . و ان اغلاق مكاتبها القنصلية في اميركا و اعطاء الصفة الدبلوماسية لمكاتب الارهابيين ممن يسمون ائتلافا سوريا للمعارضة ، امر لن تهتز له سورية اذ لا قيمة قانونية له و لن يصرف في اي مجال ، كما ان التلويح بزيادة تسليح الارهابيين او تطويره نوعا و كما ليس بالامرالجديد و هو لم يحقق في الماضي اهدافه و ظروفه اليوم اصعب ، و ان منع السوريين من الانتخاب في اروبا لن يوقف الانتخابت الرئاسية و لن يغير شيئا في المشهد بل انه شهادة ضمنية اضافية على خشية الغرب من صناديق الاقتراع السورية حتى و لو فتحت في اروبا نفسها ، و ان التهديد برفض نتائج العملية الانتخابية لن يقدم او يؤخر و الكل يعلم ان الغرب و منذ بداية الازمة اعتدى على سورية مدعيا سقوط شرعية رئيسها و لكن اعلانه لم يؤثر في سورية التي استمر رئيسها في موقعه يقود الدولة و و يتابع تساقط من اعتدى على بلاده  .

لقد ردت سورية على تلك المواقف و المناورات العدوانية المتعددة الاشكال ، بالطريقة التي تحقق اهداف حربها الدفاعية ، و على اتجاهين رئيسيين :

–         الاول  ميداني :  حيث  تتراكم الانجازات السورية الهامة التي بدأت منذ و سنة و غيرت اتجاه المشهد ، فبعد القلمون و حمص و الغوطة ،  كانت في الساعات الاخيرة المواجهات في جبهة الجنوب بين درعا و القنطيرة مواجهات ادت الى استعادة السيطرة على اكثر من موقع و قاعدة و اسقطت الحلم الاسرائيلي باقامة الحزام الامني في الجولان ، و تشكيل جيش العملاء فيه  ، كما انها منعت الارهابيين من تحقيق اتصال بين درعا و القنيطرة و جعلت الجبهة الجنوبية محكومة بالقرار و السيطرة السورية بما يخرج هذه الجبهة من دائرة الخطر و التهديد و يلحقها بما سبقها من جبهات باتت مرتكزا للامن السوري ، انجاز يعززه  تناحر الارهابيين و اقتتالهم و اهدار بعضهم دم البعض الاخر كما حصل بالامس بين ما يسمى جبهة النصرة و داعش و جيش الارهاب الحر .

–         الثاني سياسي- قانوني :  و يعمل به حثيثا عبر استراتيجية   مزدوجة المسارات ، مسار لمصالحات تطفئ النار و تقلص مساحات المواجهة و الخسارة في حرب الاستنزاف و تستعيد الى حضن الوطن من ضل عن سبيله و اقتنع بان عليه العودة  ، و  مسار اخر  وهو الاهم الان و يتمثل في الاعداد للانتخابات الرئاسية التي يستعد الشعب السوري و في كل اماكن وجوده في الداخل و الخارج  ( باستثناء من منعه الارهابيون في الرقة و المستعمرون في الغرب)  ) للمشاركة فيها ، انطلاقا من كونها انتخابات لحرية البلاد و استقلالها و كرامتها و قرارها المستقل قبل ان تكون انتخابات لاختيار رئيس الدولة .

 ان انتخابات الرئاسة القادمة هي بحق ضرب من ضروب الدفاع عن سورية حيث يتاح للشعب السوري عبرها  ان يقول للغرب الاستعماري ” نحن السوريون الاحرار نختار رئيسنا و نؤكد هويتنا وفقا لما نريد و لا يمكن لاي قوة في العالم ان تفرض علينا غير ما نريد  او تصادر منا القرار”. قول يؤكد ان الشعب السوري يمنح الشرعية لمن يختار ، و لا شرعية تأتي او تسقط من خارج الحدود .

:::::

“الثورة”، دمشق