3 تدوينات عن تبدل القيم في ذكرى النكبة

مدحت صفوت

مرت منذ أيام، الذكرى 66 على النكبة العربية وإعلان تأسيس الكيان الصهيوني على الأرض العربية، ومن الطبيعي أن تمتلأ الصحف والمواقع بالموضوعات عن ضياع الأرض وتشريد الملايين واستشهاد مثلهم، واعتقال القوات الصهيونية لخمس الشعب الفلسطيني على طوال السنوات الماضية، وعن الفعاليات السنوية وكيفية قمع سلطة عباس أبو مازن وإسماعيل هنية للمتظاهرين الغاضبين، نيابة عن قوات العدو.

تحل الذكرى هذا العام ونحن نشهد المزيد من السقوط العربي، السياسي والثقافي، في حضن الاحتلال، وهو سقوط دال على تبدل القيم الوطنية والعروبية، وهنا ندون ثلاثة مواقف عن القيم المتحولة وتأثيراتها على مسار القضية العربية الأولى.

· أبو مازن يهنئ بريز بعيد الاستقلال!

الرئيس عباس أبو مازن منذ فترة، وخلال ذكرى الهولوكوست قام بإدانة الحادث وواصفًا إياه بـ“أبشع جريمة عرفتها البشرية في العصر الحديث”، وعلى الرغم من وجود دراسات تشكك في أعداد ضحايا النازية، وثبوت عدد الضحايا العرب من الصهيونية، فإن الرئيس الفلسطيني يتجاهل في خطاباته الإشارة إلى جرائم تل أبيب تجاه حق شعبه والشعب العربي بأسره! وفي خطابه الأخير بمناسبة ذكرى النكبة، اجتر أبو مازن الكلام المكرور عن الحصول على الحقوق من خلال المفاوضات المستندة إلى الشرعية الدولية، دون أن يعرج من قريب أو بعيد إلى الجرائم الصهيونية، فربما يرأى رئيس السلطة أن مجازر بني صهيون مجرد جنحة مقابل جناية النازية الكبرى “الهولوكوست”.

إدانة أبو مازن لجريمة لم نرتكبها نحن العرب، بل نحن من دفع ثمنها، من أرضنا ودمنا، بعدما صدّر الغرب لنا “خطيئته” في حق اليهود، محاولًا تعويضهم عن معاناتهم تحت حكم النازية “ياولداه” عَبرَ منحهم الأرض العربية على سبيل الاعتذار! وغض الطرف وتجاهل الجرائم اليومية لقوات الاحتلال؛ أحدثها سقوط شهيدين خلال إحياء ذكرى النكبة، بجانب السقوط المتتالي والمتكرر خلال السنوات الماضية لرأس السلطة السياسية في فلسطين يدفعنا إلى عدم الدهشة إن قام محمود عباس بتهنئة شمعون بريز وشعب إسرائيل بعيد الاستقلال!!

· محمد عساف VIP يجهل الـ“مي وملح

لم تعجبني يومًا ما الهالة التي صُنعت بين عشية وضحاها حول المطرب الفلسطيني الشاب محمد عساف، ولم أبتلع ما روج عنه بوصف بطلًا شعبيًا، صحيح أنني دافعت عن حق الناس في الفرحة حين فاز عساف بمسابقة آرب إيدول، لكنني كنتُ ولا أزال أعتبره مجرد صوت غنائي لا بأس به، ولأمر خاص بذائقتي الموسيقية لا يحقق صوت عساف لي أي حالة “طربية”.

لماذا لا أعتبر عساف بطلًا شعبيًا ولا يُعبر عن الفلسطينيين؟ الإجابة تكمن في شقين، أولهما في الجهات التي ساهمت في صناعة شعبية المطرب ونجوميته التي بلغت حد “الأيقنة” iconization وهي السلطة الفاسدة القابعة برام الله وأنظمة الخليج التي ترعى المسابقة برمتها، وهي أنظمة لا تمتنع فقط عن مساندة المقاومة، بل تناصبها العداء ولا تتواني في أي خطوة تطبيعية تصب في النهاية لمصلحة إسرائيل، بالتالي لا يمكن أن أصدق أن يُخرج تحالف سلطة أوسلو وقبائل الجزيرة العربية بطلاً مقاومًا. أما الشق الثاني فيتعلق بمواقف عساف من القضية الفلسطينية، وعدم اتخاذ أي موقف دال على مساندته لمفهوم لمقاومة.

على العكس مما سبق، يتبرع عساف أحيانًا بكشف دوره التطبيعي المرسوم له من قبل سلطة -ليس بمقدورها منح مواطنيها شهادة ميلاد دون توثيق إسرئيلي- ومنحته جوزًا دبلوماسيًا -بموافقة الصهاينة بالطبع- في غضون دقائق، بينما يعيش آلاف المواطنين بالضفة والقطاع دون هوية، ليتعامل من قبل قوات الاحتلال بوصفه “VIP” التي تعني العمالة والخيانة بالوعي الجمعي، ومن ضمن مواقفه عدم ممانعته أن يغني بحضور بعض الجمهور الإسرائيلي! في تجاهل تام لقيام هذا الجمهور بجرائم تاريخية متواصلة حتى الآن في حق أهل عساف!!!

عساف -الذي تصفه أجهزة السلطة الإعلامية بمطرب الشعب وأقل سعر لتذكرة حفلاته 600 شيكل “180$”- لم يكلف خاطره أن يعلن تضامنًا ولو بسيطًا مع إضراب الأسرى بسجون الاحتلال، لم يغرد على توتير، لم يدون بالفيسبوك، لم ينشر هاشتاج الكرامة “مي وملح”، لم يُضرب ولو بشكل رمزي، تجاهل الأمر وكأنه لا يعينه، وكأن الأسرى من بلد آخر ومن شعب غير الشعب الذي يجمع قوته بحفلات سخيفة وأغنيات أكثر سخافة، فيما لم يفوت أن يلتقي وفدًا فلسطينيًا رياضيًا في الولاية الأمريكية “شيكاغو”، وربما ننتظر منه تصريحًا حول أهمية “السلام الرياضي”.

بالنسبة لي المناضل سامر العيساوي والشهيد معتز وشحة وغيرهما هم أبطال الشعب الحقيقيون، ونتاج الحراك المقاوم، ولك أن تقارن بين موقف السلطة الفلسطينية من وشحة أو العيساوي وموقف السلطة ذاتها من محمد عساف لتعرف من فيهم “ابن الشعب” ومن هو نتاج لتحالفات السلطة الفاسدة.

· هندية سليمان وشعلة الأسرلة

كثيرًا ما حذرنا من الأسرلة التي تقوم بها إسرائيل تجاه الشعب الفلسطيني؛ بخاصة تجاه العرب داخل الخط الأخضر، نظرًا لخطورة الأمر على ذهنية وعقول الأجيال العربية التي ستنشأ وهي تردد الرواية الصهيونية عن التاريخ وتؤمن بها، وهو أمر لا يضاهي خطورة ما يسمونه بالتهويد؛ فشخصيًا لا يقلقني أن يحل “ياهو” محل “الرب” أو “الله”، فإسرائيل غير مشغولة بذلك، لكن ما يزعجني حقًا، أن تحل إسرائيل، في عقولنا لا في الخرائط فقط، محل فلسطين.

أحدث نتاج الأسرلة، “هندية سليمان” امرأة من قرية بعينة النجيدات بالأراضي المحتلة، شاركت في مراسم إشعال الشُعلة في احتفالات عيد الاستقلال المزعوم، “ذكرى تأسيس الكيان”، وهو طقس تقوم به حكومة الكيان ويتم اختيار 12 شخصًا، ممن قدّموا مساهمات ما لصالح إسرائيل بالطبع! ما يعني أن سليمان باتت تعتبر دولة المحتل وطنها، وشقيقها في الوطن الحقيقي الذي يسكن الضفة مثلًا عدوًا يجب التخلص منه، وهي إشارة غير بسيطة لتبدل المفاهيم داخل بعض القطاعات لدى عرب 48، يفسر تفشيها بعض موطني الداخل بقيام الكيان بإغراء ضعاف النفوس والساقطين من سجل الوطنية عبر الأموال.

التدوينات الثلاث السابقة، تنذر بنكبات جديدة، لكن هذه المرة نكبة تتسرب نتائجها بنعومة داخل النفوس، وتتأصل تصوراتها رويدًا رويدًا؛ بفضل جهود الأوسلويين التي بدأت تؤتي ثمارها؛ حيث باتت المقامة “فتية راقصة تطبيعية”، ووصل إهمالنا للداخل حد أسرلة سكانه.