ليبيا: الفراغ الجاذب

ربيع بركات

بين «الحلم» الأوروبي والبؤس الافريقي مساحة شاسعة من الفراغ. يعبر آلاف المهاجرين الأفارقة كل شهر، بلاداً تحكمها سلطات محلية متناثرة ومتقاتلة في ما بينها. يصلون إلى ساحل قاري متحلل من الرقابة اللصيقة، يمتد مئات الكيلومترات، ثم يسابقون الفجر على متن قوارب ضيقة، نحو أقرب نقطة من «العالم الآخر».

قبل أيام، أعلنت السلطات الإيطالية إنقاذها نحو ستة آلاف مهاجر غير شرعي خلال أربعة أيام، حاولوا عبور المتوسط من ليبيا إلى شواطئها الجنوبية بالطرق الأكثر تعسفاً، فيما قضى عشرات آخرون أثناء محاولاتهم تلك. وقد انضم هؤلاء إلى ما يربو عن اثنين وعشرين ألف لاجئ تمكنوا من الوصول إلى السواحل الإيطالية منذ مطلع العام الحالي.

وفي الوقت الذي عمدت فيه روما إلى تنظيم حملات للحد من تنامي هذه الظاهرة، وصل عجز الحكومة الليبية إلى حد «تهديد» وزارة داخليتها بتسهيل عبور المهاجرين إلى أوروبا، ما لم تلق دعماً من الاتحاد الأوروبي للتعامل مع هؤلاء قبل وفودهم إلى أراضيها من جنوب الصحراء.

لم تعد ليبيا مجرد بلاد تتفسخ فيها السلطة المركزية وتدار فيها الحروب الصغيرة والمتوسطة بالوكالة عن الخارج أحياناً وبالأصالة عن الانتماءات القبلية والمناطقية والجهوية المحلية أحياناً أخرى، بل صارت مساحة فراغ هائل، يجذب الكثير من المغامرات والاختبارات وفوائض المشكلات في الإقليم والعالم.

والانفجار العسكري الأخير في البلاد، تماماً كمشكلة اللاجئين منها وإليها، نتاج طبيعي لبقائها من غير مؤسسات ناظمة للحد الأدنى من شؤونها، منذ انهيار دولة القذافي البدائية قبل نحو ثلاثة أعوام. وهو، كمشكلة اللاجئين أيضاً، يتجاوز البعد المحلي ليتصل بعموم محيطها الإقليمي، القريب منه والبعيد، كما يرتبط بمزاج متحول في الغرب حيال التعاطي مع الأزمة الليبية.

وفي هذا الإطار، يجوز الافتراض أن تحرك اللواء المتقاعد في الجيش، خليفة حفتر، ضد من وصفهم بـ«الجماعات المتشددة»، أتى بعد حصوله على ضوء أخضر من لاعبين دوليين، بات بعضهم يخشى بقاء الأمور على حالها، في ظل توافر موارد نفطية يمكن أن تستفيد منها منظمات العنف الممتدة من القرن الافريقي إلى شمال القارة مروراً بجنوب صحرائها.

وتفيد شخصية حفتر في لعب دور يبحث عنه الغرب في الجماهيرية السابقة، في ظل تدهور الوضع الأمني وزيادة التحديات وانتفاء خيار التدخل العسكري المباشر. فالرجل الذي كان شريكاً للقذافي في إسقاط النظام الملكي والذي خاض دورات عسكرية عدة في الاتحاد السوفياتي، راكم علاقات مع جهاز الاستخبارات المركزية الأميركية بعد انشقاقه عن نظام طرابلس في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، ليعود بعد انتفاضة 2011 إلى بلاده، ويشارك في قيادة العمليات العسكرية ضد زعيمه السابق. وقد تمكن الرجل من جمع عدد كبير من ضباط الجيش الليبي السابق حوله، ممن سبق لهم أن انشقوا عن نظام القذافي، فضلاً عمن أرادوا الاحتماء من ثأر الجماعات المسلحة أو مواجهة قرار عزلهم سياسياً، وممن يرغبون بموازنة نفوذ هذه الجماعات الذي تنامى خلال العامين الأخيرين.

ولا يمكن فصل المعركة في ليبيا عن الصراع الدائر بين المؤسسات العسكرية وتيارات الإسلام السياسي، أي عن عمادَي الثنائية التي ثبت تحكُّمها بمفاصل الكثير من النزاعات على امتداد العالم العربي. كما أن الصراع القائم يتصل، في جانب منه، بأبعاد إقليمية تبدأ بمصر التي يخوض فيها الجيش حرباً مفتوحة ضد «الإخوان» ومن يقف على يمينهم من الجماعات الجهادية المسلحة، وتنتهي بالتجاذب السعودي – القطري الذي لم يترك موقعاً إلا وحط فيه الرحال، حيث تدعم الرياض جهود العسكر في مواجهة إسلاميين يتظلل بعضهم بعباءة «الإخوان» الليبيين، ويرتبط بعضهم الآخر بالدوحة مباشرة، من دون قناة أو وساطة. وتظهر الحملة التي تشنها بعض أجهزة الإعلام السعودي على عبد الحكيم بلحاج، أبرز الوجوه الإسلامية المرتبطة بقطر، مدى انخراط الطرفين في معركة تصفية الحسابات على الأرض الليبية هذه المرة، بعدما قطعت المعركة بينهما شوطاً على المسرح المصري. كما تفسر خلفيات المشهد هذه موقف الحكومة التونسية المعترض على التحركات العسكرية الأخيرة لحفتر، حيث تتوجس حركة «النهضة» فيها من استمرار مسلسل استهداف «الإخوان»، ومن احتمال وصوله إلى تونس بعد ضرب نفوذ الجماعة في ليبيا المجاورة وإسقاطها من السلطة في مصر.

ويجذب الفراغ الليبي الراهن، فضلاً عما سبق ذكره من نزاعات بالأصالة وبالوكالة، وفوداً من الجماعات التي ترتبط بـ«القاعدة» تنظيمياً أو عقائدياً. كما أنه يشكل مساحة تسمح لها بتمتين شبكة التواصل في ما بينها، ومن ثم التعاون على امتداد قوس الأزمات الافريقي الممتد من الصومال، حيث «حركة الشباب المجاهدين»، مروراً بمصر حيث «كتائب بيت المقدس»، وليبيا حيث «أنصار الشريعة» وسائر الحركات المشابهة لها، والجزائر حيث «قاعدة الجهاد في المغرب الإسلامي»، ومالي حيث تنظيم «أنصار الدين»، وصولاً إلى نيجيريا التي تنشط فيها جماعة «بوكو حرام». لذلك، ينتظر أن تتحول ليبيا، في حال طال الصراع فيها، إلى محطة عمليات كبرى لـ«القاعدة» ومشتقاتها، أسوة بالواقع السوري الراهن.

المشهد الليبي اليوم نتاج الفراغ الجاذب للنزاعات على أرض تحتلها الفوضى: صدام بين إسلاميين وعسكر، انقسام عميق في الشارع، ميليشيات تعبر عن ولاءات قبلية ومناطقية، جماعات مسلحة تسيطر على البرلمان، حكومة عاجزة عن الحكم برغم أنها الثالثة منذ تشكيل السلطة الموقتة، دعوات ليست الأولى لوضع وثيقة دستورية ناظمة للحياة السياسية في البلاد…

لم يعد مسار الأمور في ليبيا يسمح بغض الطرف عنه. بات جاذباً لأنظار العالم غير المطمئن إلى مآلاته. والقصد بالمآلات هنا هو امتداد الفوضى إلى ما دون الحدود… إلى الخارج الذي أشاح النظر طويلاً عن تسلسل الأحداث الليبية، المؤدي إلى اللحظة الراهنة بكل تعقيداتها.

:::::

“السفير”