الثقافة والرئاسة في مصر

د. أحمد الخميسي

في خضم الاستعداد للانتخابات الرئاسية سألني أكثر من صديق صحفي عما أود أن يحققه الرئيس المقبل في الثقافة. وفي معظم الإجابات كنت أنادي بوقف سجن الكتاب لأن ذلك أصبح شيئا مخزيا، وإلغاء كل أنواع الرقابة على كافة أشكال الإبداع والفكر، واستمرار الدولة في دعم الكتاب ليصل لمستحقيه بسعر رخيص ، والأهم وضع ميزانية وبرنامج وزارة الثقافة تحت أعين مؤتمر سنوي للمثقفين يقررون فيه خطة الوزارة وأوجه إنفاق أموالها. في كل مرة كنت أكرر وأؤكد للأصدقاء أن حديثي هذا ليس موجها لأحد من المرشحين للرئاسة وذلك لاعتقادي العميق أنه لم يكن لدي أي رئيس ولن يكون لدي أحد منهم وقت أو قدرة للاهتمام بالثقافة أصلا. واعتقادي أيضا أن الاهتمام بالثقافة هو جزء من فلسفة الحكم أو الثورة وليس موضوعا قائما بذاته، وعندما تكون فلسفة نظام حاكم الانسياق إلي التبعية الاقتصادية والسياسية فإن ذلك النظام سيعجز عن نشر ثقافة وطنية ديمقراطية. في عهد عبد الناصر كان محمد عبد الوهاب يغني ” من زراعتنا تقوم صناعتنا .. والخير يبقى خيرين في إيدينا.. من مدافعنا مصانعنا .. نحرس حرية أراضينا “. وكانت تلك الكلمات البسيطة تلخص فلسفة الثورة ، ولم يكن لكلمات كتلك أن تظهر إلا في ظل توجه سياسي يعتمد الاستقلال والتصنيع واستنهاض الزراعة أهدافا له. التغييرات الثقافية المنشودة هي جزء من التغييرالذي نريد رؤيته في فلسفة الحكم أولا. الأمر الثاني أننا اعتدنا على تعريف الثقافة إنطلاقا من شق واحد من الثقافة وهو الإبداع الفكري والروحي وكل ما يتصل بالأدب والموسيقا والرسم والرواية وغير ذلك من تجليات الوعى، أي من ” الثقافة الروحية”. لكننا لا نضع في اعتبارنا الشق الثاني أي ” الثقافة المادية” التي تغير الواقع ومن ثم تغير الفكر. أقول على سبيل المثال إن بناء السد العالي كان عملا ثقافيا ماديا من الطراز الأول، لأنه أزاح الثقافة القدرية المرتبطة لدي الفلاحين بانتظار المطر وأحل محلها ثقافة أخرى مرتبطة بقدرة الإنسان على التحكم في الطبيعة . إقامة المصانع كان أيضا ” ثقافة مادية” أدت إلي خلق رؤى جديدة وثيقة الصلة بالآلات والمكننة والحداثة. وإذا كانت معارفنا الثقافية عن الطائرة تنتسب إلي مجال الثقافة الفكرية، فإن الطائرة بحد ذاتها وما تؤدي إليه من تغييرات في الأفكار الخاصة بالزمن والمسافة تنتسب إلي ” الثقافة المادية”. وكل تغير مادي في الواقع نحو الأفضل هو تغيير ثقافي. إنطلاقا من هذا المفهوم فإن بناء المزيد من المدارس والجامعات ونشر شاشات السينما في الريف ومنصات المسرح وقاعات القراءة هو تغيير ثقافي مطلوب. أما الدوران في دائرة ” الثقافة الفكرية ” وحدها ، وما تحتاجه لتطويرها ، فإنه لن يسفر عن شيء كبير. إن التغيير الثقافي الذي نريده من الرئاسة الجديدة هو تغيير الواقع. وإذا عدنا إلي طه حسين وأدركنا قوله ” إن التعليم هو مستقر الثقافة ” سنجد أن أولى التغييرات الثقافية المطلوبة هي القفز بالتعليم إلي الأمام. فلا حديث عن الثقافة في ظل نظام تعليم متدهور،ومن باب أولى في ظل الأمية. وما يستلزمه تطوير ثقافتنا أكبر بكثير من وقف الرقابة وحبس الكتاب ووضع وزارة الثقافة تحت رقابة المثقفين. الثقافة تبحث عن فلسفة ثورة.

***

أحمد الخميسي. كاتب مصري