تقرير خاص: تجسس “اسرائيل” على اميركا هل يفاجيء احدا؟

مركز الدراسات الأميركية والعربية – واشنطن

         قامت اجهزة المخابرات الاميركية مؤخرا بتسريب معلومات حساسة تتعلق بالنطاق الواسع للتجسس “الاسرائيلي” على الولايات المتحدة، نشرتها اسبوعية “نيوزويك” بقلم محرر الشؤون الاستخبارية، جيف ستاين، التي وصفت “تصرفات اسرائيل بأنها الاسوأ وتخطى “خطوطا حمراء” لم يجرؤ احد (من الحلفاء) على تجاوزها في السابق.” عقب الضجة المناهضة المتوقعة، تابع ستاين بمقالة ثانية بعد يومين تحت عنوان “تجسس اسرائيل النشط في الولايات المتحدة غالبا يتم طمسه.”

         تجمع الاوساط الاستخبارية الاميركية ان الجرأة والصراحة التي تحدث بها ستاين جاءت نيابة عن المؤسسة الاستخبارية، التي ضاقت ذرعا “ونفذ صبرها” بعد سلسلة دلائل حسية تحتفظ بها امام مسائليها في السلطة التشريعية “التي تتحكم بميزانياتها.” لعل الأهمية الاستثنائية في التقريرين تكمن في خطاب الاثبات لمصير “العملاء الاسرائيليين الذين يتم القبض عليهم متلبسين بالجرم وغالبا يطلق سراحهم دون عقاب،” الأمر الذي وصفه ستاين بأنه “اسلوب عمل اعتيادي، عادة ما يلقى دعما وتواطؤاً من اعلى وارفع المستويات في الحكومة” الاميركية.

عدد ضئيل من المتابعين ربط توقيت ومغزى “التسريب” غداة وصول وفد اميركي رفيع المستوى برئاسة مستشارة الرئيس لشؤون الأمن القومي، سوزان رايس، في زيارسة رسمية الى تل ابيب، مما يؤشر على ان التسريب كان مقصودا ومدروسا على ارفع المستويات لتحقيق عدد من الاهداف، وعلى رأسها التخفيف من ضغط اللوبي “الاسرائيلي” على الادارة الاميركية لاطلاق سراح الجاسوس جوناثان بولارد بعد ادانته بالتجسس والذي يقضي عقوبة السجن مدى الحياة.

         اشار هؤلاء البعض الى القول المأثور “ان كان لديك اصدقاء على هذه الشاكلة، فلست بحاجة الى اعداء” للدلالة على عمق عمليات التجسس “الاسرائيلية” داخل مختلف الاوساط الرسمية الاميركية، والتجارية والتقنية ايضا، لعقود متتالية لم تشهد انقطاعا، عززتها سلسة احداث موثقة، منها: اكتشاف السفير الاميركي الاسبق لدى تل ابيب، عام 1954، سماعات لاقطة داخل مكتبه “زرعها الاسرائيليون،” كما ورد في تقريره للوزارة. وبعد الحادثة بنحو سنتين اكتشف الملحق العسكري الاميركي في تل ابيب ايضا اجهزة للتنصت على المكالمات الهاتفية داخل منزله.

السفير الاميركي الاسبق لدى قطر، اندرو كيلغور، صرح لزملائه ان تنصت “اسرائيل” على السفارات والبعثات الديبلوماسية الاميركية “اضحت جزءا عاديا من الروتين اليومي.”

         السفير الاميركي في تل ابيب عام 1997، مارتن انديك، سلم رسالة خاصة غاضبة من واشنطن “للحكومة الاسرائيلية تشكو فيها من سبل المراقبة المشددة التي يقوم بها رجال الاستخبارات الاسرائيلية، والذين يتتبعون حركة موظفي السفارة الاميركية في تل ابيب وتفتيش غرف الفنادق للزوار الاميركيين الرسميين.” كما اورد مقال “نيوزويك” حادثة تعرض نائب الرئيس الاميركي الاسبق، آل غور لزرع جهاز تنصت في غرفة فندق اقامته اثناء زيارة رسمية.

“لاسرائيل” باع طويل في التجسس

         للتجسس “الاسرائيلي” على الولايات المتحدة تاريخ طويل يسبق الاعلان الرسمي “للكيان،” سيما وانها وفرت لرجالات الاستخبارات الاسرائيلية الحركة والتنقل بحرية في بداية عقد الاربعينيات. وبات التجسس مادة ثابتة موثقة دوريا في اميركا عبر عدة آليات معلنة، احداها التقرير السنوي لمكتب التحقيقات الفيدرالي، اف بي آي، المقدم للكونغرس حول “توثيق جهود التجسس الاقتصادية والصناعية الأجنبية،” الذي عادة ما يصنف “اسرائيل” في المرتبة الثانية بعد الصين. فعلى سبيل المثال جاء في التقرير المقدم لعام 2005 ان “اسرائيل تملك برنامجا نشطا لجمع  واستخدام  معلومات حصرية داخل الولايات المتحدة،” ابرزها “التسلل داخل اجهزة الكمبيوتر.”

         وزير الخارجية الاميركي الشهير وقائد القوات الاميركية الاسبق، جورج مارشال – الذي تنسب اليه عدد من الانتصارات العسكرية المفصلية في الحرب العالمية الثانية – ابرق للرئيس هاري ترومان في 29 تشرين الاول/اكتوبر 1948 عقب انفضاض جلسة للأمم المتحدة عقدت في باريس قائلا انه اكتشف ان “الاسرائيليين” كانوا على علم مسبق بتوجيهات الرئيس للوفد الاميركي “ربما بالتزامن مع تسلم الوفد الاميركي للبرقية المعنية.”        الرئيس هاري ترومان فرض حظرا آنذاك على “كافة نشاطات تهريب المعدات الحربية الى فلسطين ..” Leonard Slater, The Pledge (New York, 1970), pp. 319-320.

اللافت في الأمر ان الحكومة الاميركية لم تسن تشريعات تجرم تسليم معلومات سرية “بواسطة مواطنين اميركيين الى اسرائيل” الا عام 1954، بعد انفضاح أمر رئيس شعبة الاستخبارات “الاسرائيلية،” حاييم وايزمان وتعيينه ملحقا عسكريا في واشنطن عام 1950 وغادرها عام 1954. وايزمان سعى للحصول على معلومات “عسكرية تخص الاردن” من عنصر عسكري اردني ملحق بالسفارة الاردنية في واشنطن، والذي “تم تجنيده لاحقا من قبل الاستخبارات الاسرائيلية.”

         حذر تقرير هيئة االاستخبارات الدفاعية، التابعة للبنتاغون، في عام 1996، من “جمع المعلومات التقنية والعلمية للولايات المتحدة، والذي يأتي في المرتبة الثالثة من حيث الأهمية والأولوية للاستخبارات الاسرائيلية .. مباشرة بعد مرتبة جمعها معلومات سرية تتعلق بالسياسات او القرارت الاميركية التي تخص اسرائيل.”

         ايضا في العام عينه، اصدر مكتب المحاسبة العام، هيئة تنفيذية ملحقة بالكونغرس، تقريره بعنوان “أمن الصناعة الدفاعية: ثغرات التدابير الاميركية الأمنية مع المقاولين الاجانب (لوزارة) الدفاع،” اشار الى ان “البلد أ – اي اسرائيل – .. تنفذ عمليات تجسس عدوانية ضد الولايات المتحدة من بين كافة الحلفاء،” بغرض الحصول على “معلومات سرية وتقنيات عسكرية اميركية حساسة تحتل رأس سلم اولويات نشاطاتها.” واوضح التقرير انه “تم القاء القبض على عدد من مواطني (اسرائيل) بعد ضبطهم متلبسين بسرقة تقنية حساسة داخل الولايات المتحدة تستخدم في صناعة صمامات المدافع.”

         في عام 1991، اصدر الصحافي الاميركي الشهير سيمور هيرش مخطوطه “خيار شمشون” موثقا سلسلة عمليات سطو ذات طبيعة أمنية قامت بها الاستخبارات “الاسرائيلية،” لا سيما في شأن الابحاث النووية التي ينسب الى احد كبار علمائها الاميركيين، صموئيل كوهين، اقراره بتسليم علماء الذرة الاميركيين لاسرائيل اسرار الاسلحة النووية. واضاف هيرش ان “وكالة الاستخبارات المركزية وفرت العون للاسرائيليين للحصول على معلومات تخص التقنية النووية في نهاية عقد الخمسينيات” من القرن المنصرم.

اخطبوط “اسرائيل” يمتد عميقا في المؤسسات الاميركية

هناك ندرة في المعلومات الموثقة المتداولة حول شؤون التجسس، وبعضها يأتي في سياق نشاطات اميركية اخرى. على سبيل المثال، جاء في كتاب  النائب  السابق في مجلس النواب، بول فيندلي، نقلا عن مسؤول رفيع في الخارجية آثر عدم الافصاح عن هويته بالقول:  ان حجم “تسريب المعلومات الى اسرائيل هائل. ان كان لدي أمر ينبغي اطلاع وزير الخارجية عليه ولا ارغب كشفه من قبل اسرائيل، وجب علي الانتظار لحين تسنح الفرصة بلقاء الوزير شخصيا .. لا يتوفر لنا قدر كاف من الجرأة والجسارة لتدوين معلومات حساسة ورقيا .. بل يتحاشى هؤلاء الرسميون (في الخارجية) الحديث بحرية في مجلس مزدحم حول تلك القضايا.”     (Findley, Paul. They Dare to Speak Out. Chicago, IL: Lawrence Hill Books. 1989. Pgs 139-164)

         اثناء حرب تشرين 1973 تقدمت “اسرائيل” بطلب من اميركا تزويدها بكميات ذخيرة معينة عيار 90 ملم. احد ضباط الاستخبارات في وكالة الأمن الدولي، التابعة للبنتاغون، توماس بيانكا، علق قائلا “قمنا بالتفتيش في كل مكان، واستفسرنا كافة فروع القوات المسلحة – القوات البرية والبحرية والمارينز، ولم نعثر على ذخيرة من عيار 90 ملم بالمطلق.” وجاء الرد “الاسرائيلي” صاعقا لبيانكا وآخرين بالجزم ان “لديكم تلك الذخيرة، وتعدادها 15000 وحدة ذخيرة وهي متوفرة في مخازن تابعة لمشاة البحرية في هاوايي ..”

         سطو “اسرائيل” على مكونات ومعدات تدخل في صناعة القنبلة النووية، لا سيما حادث تهريب اليورانيوم المخصب من منشأة نووية في ولاية بنسلفانيا، تم توثيقها بدقة من قبل الصحافي سيمور هيرش، سالف الذكر. واتهم هيرش جيمس انغلتون، مسؤول قسم التنسيق بين وكالة الاستخبارات المركزية و”اسرائيل،” بأنه “وفّر للاسرائيليين معلومات تقنية (نووية) في منتصف عقد الستينيات” من القرن الماضي. لم تسفر حادثة السطو على اليورانيوم “توجيه تهم محددة” رغم معرفة هوية الاشخاص الفاعلين، وهم يهود اميركيين، بل اسقطت قضائيا ضدهم في شهر ايار عام 1969.

         علاقات التعاون الوثيقة بين اميركا و”اسرائيل” تخللتها بعض محطات التنافس نظرا لتباين المصالح بينهما، ابرزها تشغيل الاخيرة لجوناثان بولارد وتمرير بعض المعلومات الحساسة للاتحاد السوفياتي آنذاك بغية “ارساء الدليل لدى موسكو بأن اسرائيل حليف افضل لها من الدول العربية،” كما ورد في مخطوطة سيمور هيرش المذكورة.

         كما اغضبت “اسرائيل” وكالة الاستخبارات المركزية التي سخرت موارد كبيرة لتجنيد “عالم سوري على دراية ببرنامج الاسلحة الكيميائية والبيولوجية السورية،” ابان ولاية الرئيس جورج بوش الابن، والذي اختفى ولم يعثر عليه. وجاء في المعلومات ان وكالة الاستخبارات “اشتكت من الاسرائيليين لتسريبهم معلومات (العالم السوري) بغية ممارسة ضغط على الحكومة السورية وارغامها على الاقلاع عن برنامجها” التسليحي. استطاعت الاجهزة السورية تحديد هوية المخبر والاقتصاص منه، دل على ذلك ما نقله المخبر لمشغله مدير محطة السي آي ايه المحلية بأن الاستخبارات العسكرية السورية كشفت أمره. (تقرير اوردته وكالة اسوشيتدبرس الاميركية، 29 تموز 2012(

http://www.prisonplanet.com/israel-betrayed-u-s-spy-within-syrian-chemical-weapons-program.html

 

اميركا و”اسرائيل” معا للتجسس على الجالية العربية

         وضعت الاجهزة الاستخبارية “الاسرائيلية” نصب اعينها جمع معلومات مكثفة عن الفلسطينيين المقيمين في الولايات المتحدة، مباشرة بعد هزيمة حزيران 1967؛ وتم توثيق التعاون الرسمي بين الاجهزة الاميركية و”الاسرائيلية” بين سنوات 1968-1974، وفق افضل المعلومات توثيقا في هذا الشأن. وشنت الاجهزة الاميركية، وكالة الاستخبارات ومكتب التحقيقات الفيدرالي، حملة مشتركة ضد النشطاء والمؤيدين للنضال الفلسطيني، اطلقا عليها حملة “كيوس – فوضى،” كان ابرز ضحاياها محامي عربي مقيم في ديترويت، عابدين جبارة. واوضح جبارة لاحقا انه نمى لعلمه ان “مكتب التحقيقات الفيدرالي وفّر معلوماته الخاصة لثلاث حكومات أجنبية ..” احداها كانت “اسرائيل.”

شنت حملة “كيوس” بالتزامن مع حملة اوسع على امتداد الولايات المتحدة “لاصطياد” القيادات الطلابية والعمالية واليسارية في عقد الستينيات، اطلق عليها اسم “كوينتيل برو – عملية مكافحة التجسس،” ذهب ضحيتها عشرات القيادات الواعدة والمئات من الحلقات النشطة وتدجين النقابات العمالية والمهنية الاخرى، اسوة بالضحايا من القادة التقدميين في البلدان النامية: كوامي نكروما، باتريس لومومبا، تشي غيفارا؛ فضلا عن المؤامرات المتواصلة الاخرى ضد فيدل كاسترو وجمال عبد الناصر، ولاحقا ضد احمد سوكارنو وانديرا غاندي.

“اسرائيل” كان لها دور واضح وفاضح في معظم نشاطات الحملة الاميركية، خاصة عند الأخذ بعين الاعتبار ان الحركات الاحتجاجية والطلابية في المدن والجامعات الاميركية المختلفة ومناهضتها للعدوان الاميركي على فييتنام، آنذاك، بلورت وعيا معتبرا ضد شرعية الكيان وتنامي نزعة جماعية عريضة مناهضة للصهيونية داخل معظم اوساطها، مما وضعها في دائرة الاستهداف الصهيونية.

         كما دأبت الولايات المتحدة على تسليم “اسرائيل” عدد من النشطاء الفلسطينيين القادمين من الارض المحتلة، بعد اعتقالهم، كثمرة للتعاون الوثيق بينهما: سامي اسماعيل – 1978؛ زياد ابو عين – 1981؛ ورسمية ابو عودة حاليا التي تقاوم محاولات تسليمها “لاسرائيل” بعد ان قضت ردحا من الزمن في سجونها؛ وآخرين لا تتسع المساحة ذكرهم جميعا.

         اميركا والكيان الصهيوني كشفا عن تأصل العنصرية في ثقافة الغرب الامبريالي والمعولم (بعض الدول الاوروبية لم تمارس الاحتلال الامبريالي المباشر، بيد انها تشكل حلقة اساسية في اخطبوط العولمة لاخضاع الشعوب وثرواتها الطبيعية الى احتكاراتها)، وتنامي الاستهداف العنصري للعرب والمسلمين عموما، منذ تفجير برجي التجارة العالمية في ايلول 2001.

من ضمن ما اسفرت عنه تلك الحملة تعاظم ابتزاز الاقتصاديات والسياسات الاقليمية من جانب، وترويض “قادة” الجمعيات العربية والمسلمة في الداخل الاميركي، وتحييدها بشكل اساسي عن ممارسة دورها المنوط بها في مناهضة الحروب الاميركية العدوانية على العراق وافغانستان، وما تبعها من تدمير واحتلال لليبيا وتدمير سورية واثارة الفوضى والدمار في مصر. وتغلغلت الاجهزة الاميركية داخل اوساط الجمعيات بكل تلاوينها ومشاربها دون استثناء كي تضمن ولاء قادتها ومجالس اداراتها وعدم خروج سياساتها عن الحدود المرسومة لها.

“اسرائيل”: علاقة “تنافس” ضمن معادلة التعاون والولاء المشترك

         تشير الوثائق الرسمية الاميركية الى نشاط تجسسي متواصل “لاسرائيل” يمتد لنحو 70 عاما، لعل ابرزها عملية منظمة اشرفت عليها “اسرائيل” للسطو على معدات اميركية بالغة التطور تدخل في صناعة المكونات النووية. وقد حصلت الاولى على نحو “800 صاعق كرايترون بين اعوام 1979 – 1983” والتي تكمل دائرة التفجير في الاسلحة النووية، من شركة “ميلكو” الاميركية في كاليفورنيا لصالح “وزارة الدفاع الاسرائيلية،” دون العودة للحصول على تصاريح تصدير من وزارة الخارجية الاميركية.

الخارجية الاميركية رفضت سلسلة طلبات قدمت لها بذاك الأمر سابقا. اعتقل رئيس الشركة، ريتشارد كيلي سميث، لاحقا مع عقيلته بعد فراره الى اسبانيا، ووجهت له لائحة من 40 تهمة بالتهريب وتزوير الوثائق، وصدر أمرا بسجنه لمدة 40 عاما، منتصف عام 2001، الا انه استطاع “نيل حريته بعد 4 سنوات” فقط. شارك سميث في عملية التهريب مخرج سينمائي في هوليوود يحمل جوازا “اسرائيليا،” ارنون ميلكان، الذي اقر لاحقا انه تم تجنيده على يد “رافي ايتان” مشغل الجاسوس جوناثان بولارد، الذي وصفته الوثائق الرسمية الاميركية “بالجاسوس النموذجي.”

صحيفة “نيويورك تايمز” ناقضت الرواية الرسمية للخارجية الاميركية بان “اسرائيل ابدت تعاونا كبيرا” اثناء عملية التحقيق في شحن صواعق كرايترون، قائلة ان “الاسرائيليين قدموا تفسيرا غير مقنعا في بداية الأمر .. فضلا عن ان الدوائر الرسمية الاميركية عملت على اخراج المسألة من التداول العام على الفور.” (New York Times, May 16, 1985.)

         علاوة على ما تقدم، تخشى الدوائر الرسمية والاستخباراتية الاميركية “مشاركة اسرائيل لدول اخرى” بالمعلومات التقنية التي بحوزتها، خاصة تلك التي تعتبرها خصما لها مثل الصين. وجاء في تقرير صادر عن “مكتب استخبارات سلاح البحرية،” ان الصين استطاعت الحصول على “التقنية الاميركية عن طريق اسرائيل في برنامج تعاونهما على (تطوير) المقاتلة ليفي وربما ايضا تقنية الصواريخ المضادة للطيران.” واوضح التقرير عينه ان الأمر “ينطوي عليه خطوة دراماتيكية للامام بالنسبة لسلاح الجو الصيني.”

         في عام 2000، حاولت “اسرائيل” بيع الصين “ما توفر لديها من تقنية طائرات الانذار المبكر – فالكون، التي صممت وفق تقنية مرخصة اميركيا.” واعرب تقرير صادر عن مكتب التحقيقات الفيدرالي، لعام 2005، حول الأمر ان “عمليات السطو (الاسرائيلية) تقوض ميزات التطور للعسكرية الاميركية، ووفرت للقوى الاجنبية الفرصة للحصول على تقنيات باهظة الكلفة والتي استغرق تطويرها عدة سنوات.” البعد التجسسي “الاسرائيلي” لا يقتصر على النواحي الاستخبارية والعسكرية والتقنية والأمن القومي فحسب، بل ايضا تتم لصالح القطاع الاقتصادي والشركات “الاسرائيلية” وتحصينها بامكانيات توفر لها القدرة على المنافسة في المستوى الدولي، كما تشهد بذلك تجارة تصدير “الاسلحة الاسرائيلية” الرائجة، والتي تتم في بعض الاحيان على حساب المصالح الاميركية، كما يعتقد البعض، او ربما من باب توزيع الادوار بينهما لحساسية الانخراط الاميركي المباشر في بعض الدول والمناطق العالمية.

         ضمن هذا الاطار يستطيع المرء التوصل الى حقيقة موقف الولايات المتحدة  لعدم “التساهل” في اطلاق سراح جوناثان بولارد، نظرا لخطورة المعلومات التي وفرها “لاسرائيل” والتي ثبت انها قامت بتمريرها للاتحاد السوفياتي، ودلالة على عمق درجة الاحباط من توقعاتها بتصرف “اسرائيل” خلافا لما قامت به.

         المعلومات المتوفرة والمتداولة لا تفي لعرض تقييم حجم الضرر الناجم عن “تجسس اسرائيل على الولايات المتحدة” بشكل دقيق. في هذا الشأن، اوضح الصحافي سيمور هيرش في كتابه المذكور، خيار شمشون، نقلا عن مسؤول رفيع في الاستخبارات الاميركية قوله ان جهود الاولى “نجم عنها خسارات متعددة في الارواح وآليات جمع المعلومات الاستخبارية داخل حدود الاتحاد السوفياتي والتي تسبب بها جوناثان بولارد .. بغية الرغبة الاسرائيلية في اثبات قدرتها الاستراتيجية للحفاظ على ديمومة” كيانها.

         في الجانب العملياتي، اوضحت صحيفة واشنطن بوست ان طلبها للحصول على مخصصات الميزانية السنوية “السرية،” لوكالة الأمن القومي بناء على وثائق وفرها الموظف السابق ادوارد سنودن، جاء بنتيجة ان بند الميزانية المخصصة لمكافحة جهود تجسس الاعداء على الولايات المتحدة يضم “ايران وكوبا .. واسرائيل ايضا ..” ونقلت الصحيفة عن تقرير الميزانيات المالية لصالح الكونغرس لعام 2013 بالاشارة الى ان الولايات المتحدة “تستثمر في جهود تتبع الاهداف وعمليات مكافحة التجسس ضد اهداف حساسة، في بلدان مثل الصين وروسيا وايران واسرائيل وباكستان وكوبا.”

لماذا المفاجأة الآن

         صاحب المقال المنشور في “نيوزويك،” جيف ستاين، اوضح مباشرة الغرض من المجاهرة في مقالته الثانية، بتاريخ 8 أيار الجاري، بالقول نقلا عن مسؤول رفيع في مكتب التحقيقات الفيدرالي شارك في التحقيقات المتعددة “ليس بوسع اي  امرءٍ  احراج اسرائيل .. ارباكهم يعد ضربا من المستحيل. قمنا بالقبض عليهم متلبسين (بجرم التجسس)، لكنهم هزوا اكتافهم استهجانا بالقول “حسنا، وماذا بعد الآن؟” “.

         واضاف ستاين ان كل المسؤولين، من كلا الحزبين، يخشون سطوة “اللوبي الاسرائيلي.” ونقل عن مسؤول سابق في جهاز مكافحة التجسس قوله انه “ارتكب مخاطرة باثارة غضب اسرائيل لسبب بسيط وهو توفيره تقارير استخبارية دورية لمسؤولين اميركيين، ورجال اعمال وعلماء في طريقهم لاسرائيل للمشاركة في ندوات وجلسات عمل.” موضحا “كان يتعين علينا ممارسة اقصى درجات الحذر عندما نتوجه باخطار المسؤولين الاميركيين” لأمر جلل، “كنا نتلقى مكالمات غاضبة من اعضاء في الكونغرس نابعة من عدم موافقتهم على التحذيرات الأمنية الصادرة (من الاجهزة الأمنية) قبل التوجه لزيارة اسرائيل .. كان يحلق فوق رؤوسنا دوما هاجس اعتبار الحساسية السياسية المرهفة التي ينبغي اخذها بالحسبان” حينما يتعلق الأمر “باسرائيل.”

         وتابع ستاين ان ردود الافعال الاولى من “اللوبي الاسرائيلي” كانت توجيه اتهامات بالجملة للمسؤولين الاميركيين “بمعاداة السامية،” ولذا كان لزاما عليه، يقول متابعا، توضيح الأمر بمعزل عن التهم الواهية. واوضح انه بعد نشر الحلقة الاولى من تحقيق نيوزويك، 6 أيار، فان “نفرا صغيرا من ضباط سابقين في الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي والمؤسسة العسكرية (الذين التقاهم) ولديهم معرفة دقيقة بهذا الشأن اعربوا عن عميق بهجتهم لما نشرته” نيوزويك. واضاف “لا يوجد بينهم اي فرد يمكن تصنيفه بمعاداته للسامية. بل على العكس، المسألة لا تتعلق بمعادة السامية بالمرة. ان جذر المسألة يتعلق  بطبيعة الرد (الاميركي) الواهي الذي تقابل به اسرائيل ..” في كل مرة يتم التثبت من خرقها للقوانين الاميركية.

         الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية، فيليب غيرالدي، علق محذرا من سطوة “البعبع الاسرائيلي،” بالقول انه “بصرف النظر عن طبيعة الحزب الحاكم، ينبغي عدم النيل من اسرائيل ان كان المرء يرمي التقدم في مساره المهني .. معظم موظفي الوكالة قلقون من جهود اسرائيل التجسسية على الاراضي الاميركية وكذلك للتحركات الاسرائيلية المناهضة للمصالح الاميركية .. كلهم يمقتون الفعلة، بيد انهم يخشون البوح بمعلوماتهم خشية التداعيات السلبية على مسارهم المهني. لاسرائيل حظوة الامتياز وهكذا ستسير الامور على عواهنها. انه لضرب من الجنون، والكل يدرك انه جنون بحق.”

         في جانب التكهنات، من المرجح ان توقيت المقال المشار اليه تم بايعاز من البيت الابيض مباشرة لسببين: الاول تزامنا مع زيارة مستشارة الأمن القومي، سوزان رايس، لتل ابيب بغية ممارسة مزيد من الضغوط التي فشلت في السابق لحث نتنياهو وفريقه السياسي ابداء بعض المرونة فيما يخص ملفات المفاوضات الثنائية مع السلطة الفلسطينية، والملف النووي الايراني، وقضايا اقليمية اخرى. الثاني، له بعد اجرائي بخلفية سياسية، تتعلق بمطالبة نتنياهو الحكومة الاميركية معاملة “الاسرائيليين” الزائرين بافضلية وتسهيل دخولهم للاراضي الاميركية دون الاضطرار للحصول على تأشيرة دخول مسبقا.

         كما انه من غير المرجح ان يؤدي الافراج عن تلك المعلومات الموثقة والرسمية الى “تراجع جهود التجسس الاسرائيلية،” بل ستمضي قدما دون ادنى اعتبار كما اعتادت على ذلك لما ينوف عن عقود سبعة. ربما الرابح الوحيد من عملية تسليط الاضواء على جهود التجسس هو الشعب الاميركي الذي يكن عداء متأصلا لأي جهود تتعلق بالتجسس على بلاده، خاصة في اعقاب موجات الغضب العامة لتجسس وكالة الأمن القومي على خصوصياته، التي وثقها ادوارد سنودن.

::::::

Center for American & Arab Studies

مركز الدراسات الأميركية والعربية – واشنطن