“إسـرائيـل”: مقـاربـة مكثفـة

بسـام الهلسـه

          اُقدِّم هنا إيجازاً مكثفاً لملاحظاتي الأساسية حول دولة الكيان الصهيوني المسماة “إسرائيل”: تأسيسها، بنيتها، دورها، مصيرها..

          *”إسرائيل” هي أكبر عملية توظيف سياسي للدين (تديين السياسة) في العصور الحديثة، حيث وظفَت الحركةُ الصهيونيةُ وتنظيماتها وأحزابها، الدينَ كأداة لإطلاق “حركة سياسية قومية”، ولإختراع “وطن”، ثم أداة “لبناء الدولة”، ولبناء “قومية يهودية”، و”ثقافة” خاصة متميزة.

          وهي حالة فريدة لا نظير لها في إستخدام الدين على هذه المستويات المتعددة. فاليهود ينتمون لقوميات متعددة بتعدد أماكن وجودهم، ولا يشكلون قومية واحدة. وأوطانهم هي حيث ولدوا وعاشوا في الأقطار المختلفة، مثلهم مثل كل إتباع الديانات الأخرى. وثقافاتهم متعددة بحسب ثقافات الأمم والشعوب التي عاشوا معها على مر القرون.

          ولا تصِحُّ أبداً مماثلةُ بعض الباحثين والمعلقين، لتجربة الحركة الصهيونية و”إسرائيل” بأية تجربة قومية، ولا بأية تجربة سياسية عبَّر فيها الدينُ عن “الهوية” (كالتجربة الباكستانية)، أو قدَّم فيها الدينُ رايةَ التوحيد العقائدي للقبائل والمناطق والأقاليم (العربية السعودية).

          * ينبغي قراءة وفهم قيام “إسرائيل” في سياق الظاهرة الإستعمارية- الإستيطانية الأوروبية التي إبتدأت بغزو العالم الجديد (الأمريكتين) واستراليا وافريقيا الجنوبية والجزائر، مع التأكيد بخاصة, على طابعها الإجلائي للسكان الأصليين (العرب الفلسطينيين) من وطنهم، وإحلال الغزاة المستوطنين اليهود مكانهم. وإدعائها بحقوق تاريخية حضارية قديمة في البلاد المحتلة، بزعم أنها “الوريثة الشرعية” لليهود الذين كانوا في فلسطين و”بلاد كنعان” قبل شتاتهم الأخيرـــ المزعوم ـــ على أيدي الرومان منذ ما يقارب ألفي سنة!

          * ما كان للحركة الصهيونية واليهود المناصرين لها ـــ برغم كل ما ينسب لهم من دهاء وجبروت مالي وعلاقات مع القوى العظمى ـــ أن تنجز خططها بالتوغل في فلسطين والسيطرة عليها، لولا الغزو الذي قامت به أقوى دولتين إستعماريتين (بريطانيا وفرنسا) للبلاد العربية وإحتلالها, إبتداءً من القرن التاسع عشر. وقد توِّج هذا الغزو بإحتلال المشرق العربي في الحرب العالمية الأولى إثر هزيمة الدولة العثمانية، وتقسيم ولاياتها العربية(الشام والعراق) بين المنتصرين من خلال إتفاقية “سايكس-بيكو”- ثم “سان ريمون”- التي وضعت فلسطين تحت الوصاية والإنتداب البريطاني الذي قام بتقديمها كـ”وطن قومي لليهود”.

          * وكما هو معروف، نجح الإستعمار الإستيطاني في البلاد التي تمكن فيها من جذب هجرات كبيرة جداً وسحق السكان الأصليين وإبادة أغلبيتهم (الولايات المتحدة، كندا، استراليا) لكنه أخفق في “جنوب افريقيا”، وهُزِم في “الجزائر”.

          في الحالة الفلسطينية، نستطيع القول أن الحركة الصهيونية و”إسرائيل” حققتا حتى الآن “نصف نجاح” تمثل بالسيطرة على كل أرض فلسطين، وإقامة دولة، وجذب قسم من يهود العالم (ما يقارب 40% منهم)، وتهجير وإجلاء قسمٍ مهم من السكان الأصليين (العرب الفلسطينيين), لكنها أخفقت في تهجير الباقين في أرض فلسطين (أكثر من أربعة ملايين عربي), وعجزت عن إخضاعهم نهائياً لإرادتها. وتثير رعبها نسبةُ التوالد العالية لدى عرب فلسطين ومقاومتهم المتواصلة لها وتمسكهم بهويتهم.

          * وبالنظر لنشأتها وإرتباطاتها بالدول الإستعمارية الإمبريالية، تميزت “إسرائيل” بوظيفة عدوانية تتولى مهام قمع التطلعات العربية التحررية النهضوية، مما طبع مجتمعها ودولتها بطابع أمني ــ عسكري يقوم فيه الجيش والأجهزة الإستخبارية والأمنية بالدور المقرر الحاسم، وهو ما يفسر حساسيتها البالغة إزاء أقل إنتكاسة عسكرية في مواجهة العرب.

          * رغم تفوقها الظاهر الذي بلغ قمته في حرب حزيران- يونيو 1967م، (وتراجع بعدها وإن ببطء)، فإن “إسرائيل” تعاني من مواضع ضعف بيِّنة نذكر أهمها:

كونها جسماً غريباً معادياً لمحيطه العربي الذي سبق له وأن هزم المستوطنين الفرنجة (الصليبيين) من قبل، وهزم جميع المستعمرين في القرن العشرين، وإنهاـــ “إسرائيل” ــ آخر إستعمار قديم باقٍ.

ضعف الحامل البشري اليهودي القادر على القيام بالمهام وتحمل أعباء الصراع التاريخي المديد.

ضيق المدى الجغرافي “لإسرائيل” (فلسطين المحتلة) وإفتقادها لأي عمقٍ يمكنها من المناورة وإستيعاب الهجمات العربية، مما يحيل أي اشتباك حدودي معها إلى العمق مباشرة (تهديد مدنها ومنشآتها الرئيسة) وهو ما لاحظناه خلال الإنتفاضتين الفلسطينيتين، وخلال حرب تموز- يوليو 2006م مع لبنان.

إعتمادها شبه الكامل على الدعم الخارجي في كل المجالات: العسكرية، الأمنية، الإقتصادية، المالية، العلمية، الدبلوماسية..إلخ. وهو وضع يمكن أن يتغير، أو يتم تعطيل فعاليته من خلال خوض صراع إستنزاف طويل معها.

تركيبها البشري كدولة متعددة القوميات والثقافات وهو ما يضعف روابط التضامن الضرورية في أوقات الأزمات بخاصة. وقد نتذكر هنا الهجرة المعاكسة من “إسرائيل” بعد حرب تشرين- أكتوبر 1973م.

كل ما سبق يشير إلى المصير الذي ينتظر “إسرائيل”، ويفسِّر لماذا تنظر نخبُها وجمهورُها إلى كل معركة مع العرب على أنها معركة “وجود” عليها أن تحشد لها كل قواها ومؤازرة حلفائها.

فإذا كان العرب ــ بما لديهم من مخزون وطاقات روحية وبشرية وجغرافية ــ قادرين على تحمل الخسائر والهزائم والنهوض من جديد، فإنه يصعب على “إسرائيل” أن تحتمل هزيمة كبيرة من شأنها أن تكون إيذاناً بتداعيها اللاحق، كما تحدث مرة مؤسسها “ديفيد بن غوريون”.

لكن هذا كله رهن بصمود ونهوض العرب وتحررهم من التبعية، وبالتأكيد: بإستمرار مقاومتهم.

:::::

*كتبت في الذكرى الستين لإعلان قيام(دولة إسرائيل).

alhalaseh@gmail.com