الرأسمالية المضاربة – الحلقة الخامسة –

المبادرة الوطنية الأردنية

” تجزي بلا حساب وتعاقب بلا رحمة”

 

نستمر في هذه الحلقة الخامسة في سردية الإنهيارات المتتالية والمترابطة في الأسواق الرأسمالية العالمية، العابرة للحدود بفعل وحدة السوق الرأسمالي العالمي، وهيمنة قوى الرأسمال المضارب على هذا السوق، ونلفت الإنتباه إلى التحول الهام الذي حصل بعد إنفاذ توافقات واشنطن، بداية تسعينات القرن الماضي، وما ترتب على ذلك من توحيد السوق العالمي تحت هيمنة الطغمة المالية المضاربة، ودخول العالم مرحلة إستمرار تواتر أزمات الإنهيارات، وتلاحم تداعيات الأزمات بين الأسواق الرأسمالية، بفعل تماثل البنى الفوقية بينها.

ويهمنا هنا بهذه السردية، ملاحظة التحول الهائل الذي طرأ على بنية الرأسمالية العالمية، بعد إنهيار المعسكر الأشتراكي، وإنفاذ توافقات واشنطن، التي عبّدت الطريق أمام طغمة الرأسمال المالي لتوحيد السوق العالمي تحت هيمنتها من جانب، ومن جانب أخر محاولتها فرض بنية رأسمالية مضاربة على السوق الرأسمالي العالمي، بدأت بتوحيد تشريعات وقوانين وأنظمة السوق، وآلية عمل السوق، أنتجت إنزياحات هائلة للثروة من يد الدول ليد الشركات العملاقة متعدية الجنسيات، ومن يد المجتمعات ليد أفراد وعائلات، فأفقرت المجتمعات وتراكمت الديون على الدول، وأخذت الأزمات تتنقل عبر ممرات إجبارية من سوقٍ إلى آخر، وترابطت تداعيات الإنهيارات، بسبب تحرير التجارة والمعاملات المالية، وهيمنة الشركات متعدية الجنسيات على القرارات الدولية، ففرضت على الدول خصخصة القطاع العام أينما وجد وسيطرت عليه، وفرضت الانفتاح التجاري، وفرضت إجراء تغير جذري في دور الدولة (رفع يد الدولة عن التدخل في آلية السوق، ورفع الدعم عن المواد الأساسية للشرائح الكادحة) وفرضت خفض العجز في موازنات الدول، على حساب الطبقات الكادحة والمنتجة، مما أحدث تحول اقتصادي إجتماعي، ومما شكّل بداية تحولات في التشكيلة الإقتصادية – الإجتماعية للمجتمعات الرأسمالية.

إملاءات أدوات المركز الرأسمالي العالمي: الصندوق والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية، على الدول خلق البئية الملائمة لفوضى السوق ولإنفجار الأزمات.

أدخلت الطغمة المالية المضاربة في السوق المالي شكل جديد من أشكال مضاربات لم تكن معروفة سابقاً، تحت مسمى المشتقات المالية، التي يعرّفها صندوق النقد الدولي

” المشتقات المالية هي عقود تتوقف قيمتها على أسعار الأصول المالية محل التعاقد ولكنها لا تقتضي أو تتطلب استثماراً لأصل المال في هذه الأصول. وكعقد بين طرفين على تبادل المدفوعات على أساس الأسعار أو العوائد، فإن أي انتقال لملكية الأصل محل التعاقد والتدفقات النقديه يصبح أمراً غير ضروري.”

أي فرض قانون جوهره الثروة تخلق الثروة، على الضد من قانون الطبيعية، أن العمل هو من يخلق الثروة.

أما من حيث التنوع فقد أصبحت المشتقات ( المضاربات ) تشتمل على مجموعة واسعة من العقود المالية المتعلقة بكل أنواع الأوراق المالية والسلع والعقار وغيرها من الموجودات الأخرى.

يتضح مدى هيمنة الرأسمال المضارب على الاسواق من حجم الرأسمال العامل في المشتقات (المضاربات)، فإن الإحصاءات تشير إلى ارتفاع حجم التداول بالمشتقات (المضاربات) على اختلاف أنواعها، فمن حوالي 15 تريليون دولار خلال الفترة من 92 – 93 لتصل إلى نحو 45 تريليون في نهاية 1994، ثلاثة أضعاف، إلى حوالي 600 تريليون دولار نهاية سنة 2008، أربعون ضعف، مقارنة مع 60 ترليون دولار عاملة في القطاعات المنتجة، أي أن نسبة الرأسمال العامل في الإنتاج إلى الرأسمال المضارب يبلغ العشر فقط.

قبل تسعينات القرن الماضي، منذ القرن السابع عشر، حدوث إنهيارات بسبب المضاربات في بعض الأسواق لم يكن يفرض بالضرورة انتقالها إلى سوق آخر، كما تم سردها في الحلقات السابقةً، وذلك بسبب طبيعة الاسواق الرأسمالية القومية المغلقة أنذاك، بينما نجد هذا الترابط بقوة اليوم منذ بداية تسعينات القرن العشرين، أي إنتقال الإنهيار من سوق إلى بقية الأسواق، بالفعل وفي الواقع، بفعل وحدة السوق الرأسمالي العالمي.

إن وقائع الإنهيارات المستمرة والممتدة عبر الأسواق الرأسمالية، تؤكد دحض مقولة قوى التبعية في دول المحيط: في الحكم وفي السوق وفي المعارضة ” أن طريق التنمية الوطنية يمر عبر الإندماج في السوق الرأسمالي العالمي والخضوع لقوانينه الديموقراطية”.

فبعد الأزمة الروسية، التي سبق سردها في الحلقة السابقة، انتقلت الأزمة مرة أخرى إلى البرازيل التي تعتبر أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية، كما وسبقها إنهيارات الاسواق الأسيوية، ثم لحقتها أزمة السوق الأوروبي فالأمريكي.

ازدادت الضغوط على العملة البرازيلية في أعقاب الأزمة الروسية 1998 مع حركة هروب رؤوس الأموال للخارج،(ملاحظة تتكرر هذه الظاهرة مع كل إنهيارفي أي سوق) وتناقص احتياطي البلاد من العملات الأجنبية الذي كان يتناقص يوميا بمقدار مليار دولار، لقد وقعت الأزمة المالية في البرازيل في المدة 1997 – 1999، علما بأن البرازيل كانت قد خرجت من عملية إعادة تنظيم كبيرة للقطاع المصرفي عقب أزمتها المصرفية التي بدأت في 1994 إلى 1995، وبعد الأزمة البرازيلية عادة الأزمة للظهور في الولايات المتحدة الأمريكية عبر ما يسمى فقاعة الانترنت عام2000 ومن ثم أزمة الرهونات العقارية عام 2008 التي ماتزال مفاعيلها تتعمق، حيث بلغت خسائر الاقتصاد الأمريكي بسبب هذه الأزمة حوالي تريليون دولار، 20% فقط من إستثماراتها، بينما بلغت، للمقارنة، خسائر الصناديق السيادية العربية في هذه الأزمة ( 2.5) ترليون دولار، أو ما يعادل 70% من قيمة استثماراتها.

فيما بلغت مديونية الولايات المتحدة (85) ترليون دولار، أي ما يعادل ستة أضعاف الناتج الأجمالي، ترافق مع تنامى وتائر الفقر والبطالة، وأزمة خانقة تلتف حول الأتحاد الأوروبي، مما يؤشر إلى تحولات نوعية في بنية النظام الرأسمالي العالمي.

أزمة ما يسمى الرهن العقاري في الولايات المتحدة عام 2008 التي انفجرت، كما يدعي منظروا الاقتصاد البرجوازي، نتيجة المضاربة على “المشتقات المالية” وبها، في الأسواق المالية وبصورة منفصلة عن السندات، وكنتيجة لتلك الفروقات السعرية، التي أرهقت أصحاب العقارات، فلم يتمكنوا من الوفاء بتسديد إلتزاماتهم، قامت البنوك ببيع العقارات محل النزاع، وفرض على مالكوها الخروج منها، ونتيجة لهذا إنخفضت قيمة تلك العقارات بدءا من عام 2007 وأصبحت قيمتها أقل من قيمة السندات المتداولة والصادرة بشأنها فلم يعد في مقدور الأفراد سداد ديونهم حتى بعد بيع السندات التي بدأت قيمتها في الإنخفاض فأصبحوا مكبلين بالالتزامات المالية.

ونتيجة ” لتضرر البنوك الدائنة” (هل البنوك هي التي تضررت أم أصحاب العقار؟ ) من عدم السداد هبطت قيمة أسهمها في البورصة وأعلنت عدة شركات عقارية وشركات تأمين إفلاسها، فسيطر على المستثمرين حالة عدم الثقة مما دفع في اتجاه قيام المودعين بسحب ودائعهم، إنعكس سلبا على سيولة البنوك، على الرغم من تدخلات البنوك المركزية، التي جاوزت 500 مليار دولار فأعلنت إفلاسها وتوالت الخسائر وانخفضت أسهم البنوك وشركات الإستثمار العقاري، والنتيجة أصيبت الأسواق المالية بالشلل التام، مع ملاحظة دعم الدولة للبنوك المضاربة إلتي هي سبب الأزمة في حين لم يدعم أصحاب العقار الذين هم ضحايا المضاربات.

منذ نهاية القرن الماضي مرّ العالم بعدد من الإنهيارات المتتالية وصولاً إلى ما يسمي بأزمة الرهن العقاري عام 2008 في الولايات المتحدة الأمريكية، الأزمة الأعمق والأهم في تاريخ المنظومة الرأسمالية العالمية، التي تشكل محطة تحول هامة في تاريخ البشرية، مما يستوجب طرح جملة من الأسئلة المصيرية :

هل النظام الرأسمالي العالمي قابلا للإستمرار؟

وهل يمكن للرأسمالية الأمريكية أن تستمر في بقائها قاطرة الإقتصاد العالمي ؟

وهل هناك قوى أخرى جديدة ستظهر لتشكل قاطرة جديدة أو رديفة للاقتصاد العالمي؟

وهل جوهر المعركة القائمة على الصعيد العالمي اليوم، هي بين الرأسمالية المنتجة (دول البريكس) والرأسمالية المضاربة (المركز الرأسمالي العالمي)؟

أم أن ما يحدث اليوم على الصعيد الكوني هو صراع داخل الرأسمالية ذاتها بشقيها المنتج والمضارب، حيث أن الرأسمالية المنتجة تعيش أيضاً تناقضهاً الداخلي الحاد، بسبب الإستغلال القائم للطبقة العاملة والشرائح الكادحة الأخرى، ولكنه كامن بسبب حدة التناقض القائمة حالياً بين المعسكرين المنتج والمضارب، نتيجة لمحاولة الرأسمالية المضاربة السيطرة على الرأسمالية المنتجة وإخضاعها لهيمنتها وشروطها.

الأزمة المالية البرازيلية 1999

على هامش الأزمة الروسية انتقلت الأزمة مرة أخرى إلى البرازيل التي تعتبر أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية حيث بلغ الناتج المحلي الاجمالي لها في 1997 حوالي 786.5 مليار دولار ولكنها في الوقت نفسه صاحبة أكبر مديونية في العالم في ذلك الوقت بقيمة 179.1 مليار دولار.
وقد واجهت البرازيل مضاربات عنيفة على هامش تفشي المضاربات في دول جنوب شرق آسيا على عملاتها في 1997 عندما كانت الأزمة الاسيوية في بداية ظهورها وانتقالها إلى كلا من أندونيسيا وماليزيا والفلبين في الربع الثالث من 1997.

وقد ازدادت الضغوط على العملة البرازيلية في أعقاب الأزمة الروسية 1998 مع حركة هروب رؤوس الأموال للخارج، وتناقص احتياطي البلاد من العملات الأجنبية الذي كان ينقص يوميا بمقدار مليار دولار، اضطرت ” حكومة الرئيس كاردوزو” إلى تخفيض سعر صرف الريال البرازيلي أمام الدولار، إلى نطاق يتراوح ما بين 1.65 إلى 1.75 ريال مقابل الدولار.

وتم التصدي للهجوم ( من قام بالهجوم؟) الذي تعرضت له العملة مقابل خسارة ضخمة من الاحتياطيات الأجنبية، وأسعار فائدة حقيقية مرتفعة، ولكن هذه السياسات قد تسببت في استنفاذ الاحتياطي فقد سارعت السلطات من إعلان برنامج لتصحيح أوضاع المالية العامة، وبفضل هذا البرنامج تمكنت البرازيل من تعبئة 41 مليار دولار كدعم مالي في اطار برنامج يسانده صندوق النقد الدولي، غير أن “التقدم البطيء” (ما معنى ذلك؟)في تنفيذ تدابير التصحيح ساهم في زيادة الضغط على العملة، ومما زاد الامور سوء أنه تم تخفيض قيمة العملة “بأسلوب سيئ” ( كلام بلا معنى) دون تحقيق تقدم كاف في الحصول على الموافقة اللازمة لبرنامج المالية العامة، الأمر الذي أدى إلى تكثيف هجمة المضاربة على العملة بعد وقوع خسارة كبيرة أخرى من الاحتياطات الأجنبية، ( لنصل هنا إلى السبب، إستمرار هجوم المضاربين) في الوقت الذي قام فيه البنك المركزي بتعويم سعر الصرف، وعليه فقد بدأ انخفاض سعر صرف العملة بلا ضابط حيث انخفض الريال البرازيلي بنسبة تجاوزت 60% في خلال أسبوعين.

لقد وقعت الأزمة المالية في البرازيل في الفترة بين 1997 – 1999، عندما كانت امريكا اللاتينية تمر بعملية الاصلاح الشامل لاقتصادها في ظل بيئة تحكمها العولمة، علما بأن البرازيل كانت قد خرجت من عملية إعادة تنظيم كبيرة للقطاع المصرفي عقب أزمتها المصرفية التي بدأت في 1994 إلى 1995، إذ قامت البرازيل كجزء من تحرير التجارة والمعاملات المالية، وتشجيع المنافسة من خلال الانفتاح التجاري، وخصخصة المرافق العامة، وإجراء تغير جذري في تعريف دور الدولة ومحاولة خفض العجز في الحساب الجاري، ونتيجة لما تم من إصلاحات قلصت الدولة دورها كمنتج وموزع للسلع الخاصة، وعززت دورها في إدارة الاقتصاد الكلي، ولكنها لم تكد تهنئ بهذه الإصلاحات حتى هاجمها المضاربون بعد أن قضوا مصالحهم من دول جنوب شرق آسيا ( المحصلة الإذعان لإملااءات الصندوق الدولي هو ما يخلق البئية الملائمة لحدوث الأزمة).

فقاعة الانترنت 2000 الولايات المتحدة

 

صورة أخرى من الانهيارات المالية حدثت بسبب شدة المضاربات في عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون حيث سجل عام 2000 بداية انفجار فقاعة الانترنت، حيث وصل مؤشر ناسداك، الذي يضم أقوى الشركات التقنية، إلى مستوى قياسي 5048,62 نقـطة في 10 مـارس، قـبل أن يـفقد 27 % في أول أسبوعين من أبريل و 39,3 % في عام كامل ابتداء من سبتمبر عام 2000، شهدت مؤشرات البورصات العالمية الرئيسية هبوطا بطيئا دام حوالي 3 أعوام، حتى مارس عام 2003، حيث انخفض مؤشر كاك 40 الفرنسي من مستواه القياسي 6945 نقطة إلى أقل من 2401 نقطة في 12 مارس عام 2003، مسجلا نسبة هبوط 65 % في 3 أعوام، وقد عمقت أحداث 11 سبتمبر عام 2001 هذه الأزمة، بعد أن أغلقت لمدة أسبوع كامل، وفتحت بورصة نيويورك على إثرها أبوابها منخفضة 3.7% وهو أكبر انخفاض في تاريخ داو جونز بعدد النقاط إذ فقد المؤشر 384,81 نقطة.

كان أداء أسهم شركات الدوت كوم في مؤشر الناسداك استثنائيا، فقد كانت أسعار أسهم هذه الشركات تنمو نموا سريعا في البورصة حتى دون أن تحقق أرباحا تساند هذا النمو في القيمة الرأسمالية السوقية لها، أي معامل مضاعف السعر إلى توزيعات الأرباح، حيث كان يتم تداول أسهم هذه الشركات بأسعار مرتفعة للغاية دون النظر إلى المؤشرات الأساسية، والتي يتم استخدامها من الناحية التقليدية في التحليل، وبما أن هذه الشركات كانت لا تحقق أرباحا تقريبا، فإن مضاعف السعر إلى توزيعات الأرباح كان ذا قيمة لا نهائية، ومثل هذه الحالة تعني من الناحية الفنية أنه يجب ألا يتم الاستثمار في مثل هذا النوع من الأسهم، لأن ذلك ببساطة يعني أن المستثمر بلا شك مقدم على كارثة.

عندما أخذ مؤشر ناسداك في الصعود نحو قمته في عام 2000، بدأ المحللون الماليون يروجون لفكرة أن عمليات التقييم في سوق المال لم تعد تستند إلى العناصر الاقتصادية التقليدية مثل نمو العوائد، ومعدل التضخم ومعدل الفائدة، وبدلا من ذلك أخذوا ينظرون إلى عوامل جديدة مثل قيمة الأصول المعنوية للشركات والعلامة التجارية على أنها هي التي تحدد الأسعار المرتفعة للأسهم.

على مدى أكثر من ست سنوات من النفخ المتواصل، تكونت فقاعة ضخمة جدا لأسعار أسهم شركات الدوت كوم، حتى بلغ الضغط داخل الفقاعة مستواه الحرج في 10 مارس 2000، عندما بلغت قيمة مؤشر ناسداك 5132.52، وهي أقصى قيمة بلغها المؤشر خلال الأزمة، وحيث أنه من غير الممكن استمرار هذا الوضع إلى ما لا نهاية، فقد بدأت عملية الانفجار المدوي للفقاعة، لينهار كل شيء.

هنا فقط أدرك المستثمرون أن هذه الشركات لا يمكنها أن تحقق مستويات الأرباح التي توقعوها ولا حتى في المستقبل القريب، واكتشفوا أخيرا أيضا أن القيمة السوقية لشركات الإنترنت لا تقابلها أصول مادية تغطي هذه القيم الخيالية التي تحتلها في السوق، وأن رأسمالها الحقيقي يتكون أساسا من حقوق اختراع وقدر صغير جدا من الأصول المادية الذي يجب ألا يبرر مثل هذا الارتفاع الخيالي للقيمة الرأسمالية لأسهمها في البورصة بسبب زيادة حدة المضاربات، وبالفعل انتشر الذعر بين المستثمرين والذين أخذوا في بيع أسهمهم وكانت الكارثة ما بين يناير 2000 حتى مارس 2001، خسر المتعاملون في السوق تريليون دولار محيت من ثروة المستثمرين ومن القيمة الرأسمالية للأسهم المتداولة في سوق ناسداك، فقبل حدوث الانهيار كانت القيمة السوقية لأسهم شركات التكنولوجيا تتجاوز 1.4 تريليون دولار، وعند انتهاء الانهيار كانت مؤشرات القيمة السوقية تشير إلى انخفاض هذه القيمة الرأسمالية إلى نحو 400 مليار دولار فقط.

بالطبع لم يقتصر أثر الانخفاض في أسعار الأسهم على شركات الدوت كوم، وإنما انتقل إلى قطاعات أخرى في البورصة، انهار عدد كبيرة من الشركات، وبالطبع كان أكثر الشركات تأثرا هي الشركات المرتبطة بالإنترنت.

أزمة الرهونات العقارية 2008 الولايات المتحدة الأمريكية

 

وهي الأخطر في تاريخ الإنهيارات.

عندما انتهت أزمة الدوت كوم ( فقاعة الانترنت سابقة الذكر) قام المستثمرون” تقرأ المضاربون” بتحويل مدخراتهم، بغرض إستثمارها في أصول آمنة من وجهة نظرهم، هذه المرة متجهين إلى القطاع العقاري، لتبدأ على الفور عملية زرع بذور أزمة جديدة، وبدأت عملية النفخ في فقاعة جديدة توفر الأدوات اللازمة للمهووسين بالمضاربة، وكالعادة لم يكن “المستثمرون” يعلمون أنهم ينفخون في أكبر فقاعة للأصول بعد الكساد الكبير (عام 1929)، أخذت أسعار المساكن في الارتفاع بمعدلات غير مسبوقة سنويا، لتنفجر الفقاعة في 2007 ولتنهار أسعار العقارات بشكل مفجع، لتعلن بدء أزمة جديدة نعيشها حاليا (مرة أخرى، إثبات آخر على أن الأزمة هي أزمة بنية النظام الرأسمالي، وليس أخطاء في الممارسة).

تأتي جذور الأزمة حين توسعت المؤسسات المالية الأميركية في منح قروض سكنية لعدد كبير من الأفراد الأمريكيين لتمويل شراء سكنات، وارتفع معدل التمليك السكني في الولايات المتحدة من (64% سنة1996 إلى 69.2% سنة 2004) وتم تشجيع هذه العملية من قبل الحكومة الأمريكية بمقتضى القانون الصادر سنة 1977 والذي ينص على إمكانية أن تحصل أي مؤسسة مالية على ضمانات لودائعها المالية من الهيئة الفدرالية للتأمين على الودائع إذا التزمت بالإقراض إلى أسر أمريكية من ذوي الدخل المتواضع، ومع توسع البنوك والمؤسسات المالية في نسب التمويل العقاري دون ضمانات كافية، أثر ذلك بالسلب على قدرتها المالية رغم محاولاتها الاقتراض من بنوك أخرى عبر السوق النقدية ورفضها إقراضها، وتدخل البنوك المركزية في تقديم مليارات الدولارات كقروض للبنوك إلا أنه زادت عدد البنوك التي تعاني من عجز في السيولة النقدية، الأمر الذي أدى في مرحلة تالية إلى ظهور حالات إفلاس كبيرة للشركات والبنوك والمؤسسات المالية.

وقامت البنوك وشركات العقار ببيع الديون إلى الشركات التي تعمل في المشتقات المالية والتي أصدرت بموجبها سندات قابلة للتداول في أسواق البورصة العالمية من خلال ما يعرف بعمليات التوريق وتوالت عمليات التوريق والتي أدت بدورها إلى توسع الفجوة بين الاقتصاد الحقيقي والاقتصاد المالي، ومن جهة أخرى ولتعزيز مركز السندات:

قامت البنوك والمؤسسات المالية بالتأمين على السندات لدى شركات التأمين على أن يقوم حامل السند بدفع رسوم التأمين عليها ضمانا لسداد قيمة السندات من طرف شركة التأمين في حال إذا أفلس البنك أو عجز صاحب العقار عن السداد، كما قامت برهن تلك السندات للإستفادة من أسعار الفائدة مما شجع على إقتناء المزيد من تلك السندات، وخلال ذات الفترة تم إصدار أدوات مالية جديدة، تسمى”المشتقات المالية”حيث تم المضاربة عليها في الأسواق المالية وبصورة منفصلة عن السندات، وكنتيجة لتلك الفروقات السعرية التي أرهقت أصحاب العقارات توقفوا عن التسديد، فقامت البنوك ببيع العقارات محل النزاع وفرض على مالكوها الخروج منها، وكنتيجة لهذا النزاع بين البنوك وأصحاب العقارات إنخفضت قيمة تلك العقارات بدءا من عام 2007 وأصبحت قيمتها أقل من قيمة السندات المتداولة والصادرة بشأنها، فلم يعد في مقدور الأفراد سداد ديونهم، حتى بعد بيع السندات التي بدأت قيمتها في الإنخفاض فأصبحوا مكبلين بالالتزامات المالية..

وكنتيجة “لتضرر البنوك الدائنة”؟؟؟ من عدم السداد هبطت قيمة أسهمها في البورصة وأعلنت عدة شركات عقارية وشركات تأمين إفلاسها فسيطر على أذهان المستثمرين حالة من عدم الثقة مما دفع في اتجاه قيام المودعين بسحب ودائعهم مما إنعكس سلبا على سيولة البنوك، على الرغم من تدخلات البنوك المركزية بالدعم لشركات سببت الأزمة، والتي تجاوزت 500 مليار دولار، انخفضت أسهم البنوك وشركات الإستثمار العقاري والنتيجة أصيبت الأسواق المالية بالشلل التام.

وفي النهاية خلفت الأزمة المالية العالمية إفلاس متواصل لكثير من البنوك، والمؤسسات العقارية، وشركات التأمين، وقد بلغ عدد البنوك المفلسة 11 بنك، من بينها “بنك إندي ماك” الذي يستحوذ 32 مليار دولار من الأصول، وودائع بقيمة 19 مليار دولار.

وبلغ عد المؤسسات الأمريكية التي أفلست حوالي 120 مؤسسة مالية تقريبا منها إفلاس مؤسستي Lehman Brothers ومؤسسة Merrill Lynch، ووصلت أكبر مؤسسة تأمين أمريكية “AIG American International Group” حافة الافلاس لولا تدخل الخزانة الأمريكية والاحتياطي الأمريكي الفيدرالي لإنقاذها، وقد بلغت خسائر الاقتصاد الأمريكي بسبب هذه الأزمة حوالي تريليون دولار.

كما شهدت الأسواق المالية العالمية تدهورا كبيرا جراء تأثره بالقطاع المصرفي والمالي، كما ارتفعت نسبة الديون العقارية إلى نحو 6.6 تريليون دولار، وبلغت ديون الشركات 18.4 تريليون دولار وبذلك بلغ المجموع الكلي للديون حوالي 39 تريليون دولار.

المضاربات المالية ومستقبل منطقة اليورو

 قد يبدو للبعض أن أزمة الديون السيادية الأوروبية ليس لها علاقة بالأزمة المالية العالمية، ولكن نظرة إلى تداعيات الأزمة المالية العالمية يظهر أن الأزمة الأوروبية هي امتداد لها وإن كانت أكثر حدة، بالإضافة إلي أن مأزق البنوك الأوروبية انقسم في جزء منه إلى أزمة الرهن العقاري، بينما ارتبط الجزء الآخر بالتوسع في الإستثمار وإقراض الحكومات الأوروبية لتمويل عجز ميزانياتها المالية،

وقد كان للعملة الأوروبية الموحدة وسهولة التعامل بها في الدول السبع عشرة الأعضاء في الوحدة النقدية أثره في التوسع في مجالي الإقراض والاقتراض بالنسبة للبنوك الأوروبية، وامتد ذلك التعرض إلى دول شرق ووسط أوروبا، وبالتالي أصبحت هذه البنوك في حاجة لدعم حكومي مكثف وليس العكس، وكان ذلك سببا في أزمة كل من أيرلندا وأسبانيا، بينما كانت مديونية الحكومات وتفاقم العجز المالي والاقتراض لتمويل الآثار السلبية للأزمة المالية العالمية، سببا في تفجر أزمة الديون السيادية بالنسبة للدول الثلاث الأخرى، وهي اليونان والبرتغال وإيطاليا،( ألا يقال بأن العقلية المركزية الأوروبية تخطط بدقة ولا مجال لشيء تتركه للصدف؟؟ فكيف يحصل هذا؟ أليس بنية النظام الرأسمالي ذاته؟)

ومع تخفيض التصنيف الائتماني للدول المتعثرة ارتفعت تكلفة الاقتراض والفائدة على السندات الحكومية الأوروبية، كما لجأ العديد من البنوك إلي التخلص من هذه السندات بأسعار منخفضة في الأسواق الثانوية، بهدف الحصول على أموال سائلة لدفع أعمالها المصرفية، وهنا يجد المضاربون بغيتهم في الحصول على الربح الوفير حيث يقوموا بشراء هذه السندات بأسعار رخيصة ومن ثم ينشروا الشائعات لصالحهم في الأسواق فترفع أسعار هذه المشتقات المالية بشكل خيالي كما حدث في أزمة الرهن العقاري ومن ثم يقوموا بالبيع الجماعي فتنهار الأسواق.

مكانيكية المضاربات

 

المضاربات العنيفة على الأصول خطر كبير جدا لما يمكن أن يترتب عليها من أثار اقتصادية خطيرة، حيث يترتب على ارتفاع أسعار الأصول تكّون فقاعات سعرية في الاقتصاد، ومع انتفاخ الفقاعة يزداد الحافز نحو المضاربة لدى المضاربين بصورة أكبر، على الرغم من ارتفاع درجة المخاطرة المصاحبة للمضاربة على الأصل، وعندما تكون تكلفة الحصول على الأموال أقل من معدلات العائد المتوقع تحقيقه على الأصول، فإن حمى المضاربة تشتعل حتى يبلغ الضغط السعري داخل فقاعة أسعار الأصول مستوياته الحرجة فتنفجر الفقاعة مخلفة آثارا اقتصادية ومالية مدمرة.

للمضاربين وسائلهم الكثيرة الأخرى لتحقيق الأرباح، ومنها وأكثرها ضررا باقتصاديات البلدان الأعضاء، هي المضاربة بالعملات الوطنية أو باليورو، وكان مثالها ما حدث في تسعينيات القرن الماضي في المملكة المتحدة إبان حكومة المحافظين برئاسة جون ميجر التي واجهت انتكاسة مالية للجنيه الاسترليني بعد أن استهدفه المضاربون بالعملات (منهم جورج سورس داعم الربيع العربي) فدفعوا بقيمته إلى أدنى مستوى له في القرن العشرين، وخسرت الخزينة بسبب ذلك حوالي عشرين مليار جنيه استرليني، (حقق جورج سورس من هذه الأرباح خمسة مليارات جنيه في غضون بضعة أيام) وتربص المضاربون في حينه بالعملة البريطانية واليورو فكانت فرصتهم الذهبية لحصد الأرباح دون تكاليف تذكر، إذ أشارت التوقعات بانهيارات وشيكة الحدوث في النظام المصرفي البريطاني، أكبر مركز مالي في العالم بعد نيويورك، كما أن الوضع في أسبانيا والبرتغال مر بأسوء حالة ذعر منذ انهيار بنك ليمان براذر في الولايات المتحدة عام 2008، علما بأن الأسواق الأمريكية هي الأخرى عاشت حالة من عدم اليقين، رسم صورة متشائمة عن مستقبل الاتحاد الأوربي السياسي والاقتصادي على حد سواء.

بالنظر إلى العلاقات المالية المتشابكة بين القطاعين المصرفيين الأمريكي والأوروبي نجد أن حجم التعرض للبنوك الأمريكية تجاه البنوك الألمانية والفرنسية قد بلغ حوالي 1.2 تريليون دولار بالإضافة إلى 641 مليار دولار موزعة بين كل من البنوك البرتغالية والإيطالية، إضافة إلي إسبانيا واليونان وأيرلندا، بل نجد أن تشابك القطاع المصرفي بين أوروبا وأمريكا قد وصل إلى مجالات الاستثمار الأجنبي المباشر، والمشروعات المتبادلة بين الجانبين، فمنطقة اليورو تستوعب 26% من إجمالي الاستثمارات الأمريكية المباشرة، بينما تستحوذ الولايات المتحدة على نسبة 44% من إجمالي الاستثمار المباشر فيها من جانب دول الاتحاد الأوروبي، يضاف إلى ذلك استيعاب أوروبا 20% من إجمالي الصادرات الأمريكية.

يتبع الحلقة السادسة

 

” كلكم للوطن والوطن لكم”