سجن حلب..من الصمود التاريخي..الى النصر المميز

العميد د. امين محمد حطيط 

في توقيت يعتبر ذا خصوصية بالغة، حققت سورية انجازا عسكريا ميدانيا في حلب متكاملا مع ما يسطره الجيش على جبهة الجنوب، انجاز يتميز في طبيعته و تداعياته عما سبقه من انجازات ميدانية كبرى، حيث يمكن اعتباره نصرا مركبا ذو ابعاد و تداعيات ميدانية و سياسية و استراتيجية تتعانق جميعها لتفرض او لتحدد وجهة ثابتة واضحة لمسار الحرب كلها، كما تؤشر الى المدى الزمني المتوقع لانتهاء العمليات الدفاعية المنفذة في سياق تلك الحرب الكونية التي يشنها الغرب الاستعماري ضد محور المقاومة عبر قلعته المركزية الوسطى سورية.

فالانجاز المتمثل بكسر الحصار الذي احدثه المسلحون على السجن المركزي في حلب، جاء متعانقا مع الذكرى الاولى لانطلاق القوات المسلحة العاملة في الدفاع عن سورية وفقا ل”استراتيجية الاسد ” التي بدأ العمل بها مباشرة عندما اطلق الاميركي “خطة اوباما ” لاسقاط سورية في اذار 2013، كما انه جاء في الذكرى ال 14 لانتصار محور المقاومة في تحرير ارض في جنوب لبنان بطرد العدو الاسرائيلي منه في ايار 2000، وايضا جاء على بعد ايام قليلة من مناورات تقودها اميركا في اسرائيل و الاردن تحت تسمية “جنيفر كوبرا” و “الاسد المتأهب” لتمارس عبرها على سورية حربا نفسية عليها تتقاطع مع مشروع القرار الفرنسي الذي قدم الى مجلس الامن مع علم صاحبه باستحالة اقراره نظرا للموقف الاخلاقي و المبدئي للثنائي الروسي – الصيني الجاهز لقطع الطريق في مجلس الامن على اي مناورة عدوانية ضد سورية يقوم بها الغرب. و اخيرا جاء هذا الانجاز قبيل الانتخابات الرئاسية السورية حيث يتحضر الشعب السوري للتعبير عن ارادته و قراره في اختيار من يقوده لمواجهة العدوان، دونما تأثر بتهويل او صخب خارجي. و قد اعطت هذه المحطات الزمنية كلها للانجاز العسكري في حلب بعدا و نكهة مميزة غير مسبوقة بطبيعتها و مفاعيلها.

و نعود الى الانجاز ذاته، فنرى ان كسر الحصار عن السجن المركزي في حلب لم يكن عملية عسكرية عادية، فهو من منظور عسكري يمكن وصفه بالمعقد و المركب ذو الاثر الذي يتعدى المكان و الهدف بذاته ليؤثر على كامل مسار المواجهة من الوجهة الاستراتيجيية . و لايضاح ذلك نذكر بان الجماعات الارهابية العاملة ضد سورية، اقدمت على فرض حصار على السجن الذي ينفذ فيه عقوبته اكثر من اربعة الاف سجين محكوما قضائيا بالشكل العادي قبل اندلاع الازمة في سورية. سجن يقع على مسافة 10 كلم من مدينة حلب في منطقة تتحكم بمداخلها الشمالية، و تشكل حلقة الوصل بينها و بين الحدود التركية. حيث ان المسلحين وبعد ان تمكنوا من الدخول الى تلك المنطقة بشكل مكثف حاصرو االسجن ثم اندفعوا الى احياء حلب الشمالية و تمددوا عبرها شرقا و غربا و وصلوا مناطق سيطرتهم فيها بالحدود التركية و فتحوا الطرق الواسعة عبرها لضرب المرافق الصناعية و الانتاجية في حلب انتقاما من الشعب السوري و خدمة للاقتصاد التركي و كان ما يعرف ب”قرصنة اردغان” لسرقة المعامل السورية و هدمها.

 في مواجهة الحصار استبسلت القوات المسلحة السورية المولجة بالسجن حراسة و ادارة، استبسلت في الدفاع و القتال لمنع المسلحين من الدخول اليه، و نجحت في ذلك رغم شدة الظروف و سوئها بالنسبة للمدافع المحاصر وعلى اكثر من صعيد و رغم فنون الاجرام التي مارستها الجماعات المسلحة و تعدد الهجومات على السجن، نجحت القوى المدافعة في منع المسلحين من تحقيق اهدافهم و تسجيل انتصار يبتغونه استراتيجيا و ميدانيا بالدخول الى السجن، ما اضطرهم الى الى البقاء خارجه منتشرين على طوق محكم رسمت خطوطه حتى كادت تلاصق السور الخارجي للسجن الذي تحول الى جزيرة في محيط من جماعات مسلحة ارهابية ليست بالقليلة العدد او محدودة القدرات.

هذا الواقع جعل الجيش العربي السوري غير طليق اليد في فك الحصار خاصة لجهة استعمال السلاح او طبيعة الهجوم، و رغم ذلك وضعت الخطة المناسبة التي نجح تنفيذها في تمكين الجيش من فرض طوق خارجي يحاصر المسلحين في اكثر من موقع و قطاع في محيط بالسجن وصولاً الى بناء قواعد ارتكاز فعالة و ملائمة للعملية، ثم اختيار نقاط الخرق التي تجعل العبور من خلالها منخفض الكلفة، ثم تحديد مراحل الهجوم بما يجعل النجاح اكثر احتمالا و اقل خسارة. و هكذا اندفعت مفرزة الخرق الاساسية و تمكنت من بلوغ السجن و تحقيق الاتصال بالقوى المدافعة عنه، خرق نفذ عبر عملية رشيقة خاطفة ادت الى انهيار معنوي في جانب المعتدين و رفع المعنويات بشكل غير محدود لدى القوى داخل السجن و معهم السجناء الذين اختار الكثير منهم الخط الوطني للدفاع عن سورية في وجه الارهاب و العدوان الخارجي.

و بنجاح المرحلة الاولى فتحت الطريق امام المراحل التالية فكان التقدم نحو سور السجن في عملية فاقم نجاحها انهيار المسلحين معنويا و ميدانيا و حسمت نتائج العملية كلها قبل ان تنفذ المرحلة الثالثة و النهائية و التي ما ان نفذت حتى ادت الى كسر الحصار عن السجن و رسم مشهد جديد في منطقة حلب و منها الى سورية كلها يمكن رسم خطوطه كما يلي :

1) اكمال السيطرة على المنطقة الشمالية لحلب، ما أدى الى قطع خطوط امداد المسلحين عبر تركيا، و باتت مداخل حلب كلها تحت السيطرة الكاملة للقوات العربية السورية سيطرة بالقبض الميداني المباشر ( وجود القوى على الارض ) او بالنار المؤثرة، كما هو الحال مثلا في طريق الكاستيلو حيث يتمكن الجيش من التحكم عن بعد بالحركة عليها عبر النار الارضية.

2) انقلاب حال المسلحين الموجودين في بعض احياء حلب الشمالية الشرقية من محاصرين يعملون على جبهة ذات عمق يمتد الى الحدود مع تركيا، الى جماعات معزولة مقطعة الاوصال منعدمة القدرة على توفير الامداد اللازم للمحافظة على القدرة القتالية لديها و في هذا تغيير جذري لطبيعة المواجهة التي قلنا سابقا بانها تتحول من “حرب الجبهات”، الى “حرب الجيوب و الاوكار ” و بات عليهم القتال في مراكز معزولة و مطوقة او الفرار و الاستسلام، و لهذا الامر دلالاته العملانية و الاستراتيجية الهامة التي تقود الى القول بان المحاصرين لن يقووا على قتال هجومي يحقق اهدافا كبرى بل جل اهدافهم ستكون قتالا دفاعيا بغية النجاة بانفسهم في ظل تردي حال اقرانهم و استحالة امدادهم بما يخرجهم من ورطتهم و ان مثل حمص لناظره قريب.

3) فتح الطريق امام تطبيق ” مخرج حمص ” في حلب مع ارتفاع منسوب احتمال تنظيف المدينة كلها دون الاضطرار الى عمليات عسكرية قاسية او قتال يفاقم الخسائر في الارواح و الممتلكات، و سيكون تطبيق “مخرج حمص” مرجحا في الاسابيع المقبلة وفي فترة معقولة يستلزمها الضغط العسكري لانتاج القناعة لدى المسلحين بانهم خسروا الحرب في حلب و عليهم الاختيار بين النجاة بالابدان و التسليم و الخروج او الانتحار بالقتال الميؤوس من نتائجه.

4) تأكيد جديد على تراكم الخبرات لدى القوات المسلحة المدافعة عن سورية في وجه العدوان المسلح عليها، و التأكيد على قدرة تلك القوات على العمل في ظرف ميداني معقد مثلته موقعة سجن حلب حيث تتداخل القوى، و ضخامة التحصينات التي اعدها المسلحون، و كثافة الانفاق التي حفروها في المنطقة لتمكنهم من الحركة بمنأى عن النظر و النار، اضافة الى حجم حقول الالغام و النسفيات الكبرى التي حضرت حول السجن لمنع الجيش العربي السوري من الوصول اليه و فك الحصار عنه.

5) فتح الطريق واسعا امام تحكم الجيش العربي السوري بقرار الجبهة الشمالية لاقفالها لتكون الجبهة الثالثة التي يملك الجيش السيطرة التامة عليها بعد ان تمكن من احتواء الهجوم التركي المقنع على كسب و دفعه الى فشل ميداني افقد تركيا و من خلفها ورقة استراتيجية مهمة كانت تهدد بها باستمرار، و بعد اسدال الستار على جبهة لبنان و الامساك بزمام الامور في جبهة الوسط (الجبهات االرئيسية في سورية خمسة ). و سيكون لهذا الانجاز تأثير مباشر على رسم الملامح الاولى لتاريخ انتهاء الازمة من الوجهة الاستراتيجية و العسكرية (تبقى الامنية) و هذا ما يجعلنا نقول مطمئنين ان المتابع لما يجري في سورية بات بامكانه ان يرى نهاية النفق، و يرى فشل العدوان الاجنبي الذي استهدفها و سيكون الشعب السوري في 3 حزيران المقبل اكثر ثقة بالنفس بانه سيذهب الى صناديق الاقتراع ليؤكد الانتصار و يستثمره لصالح سورية و المنطقة و الاحرار في العالم.

و في كلمة اخيرة نقول ان صمود سجن حلب كان بذاته حدثا مميزا بذاته و علامة فارقة في التاريخ العسكري، ثم جاءت عملية كسر الحصر لتتكامل معه و تشكل عنوان فخر عسكري لسورية و قواتها المسلحة، عنوان يضيف صفحة مضيئة الى ما سطرته من بطولات سابقة، عنوان سيؤكد للمعتدين ان جيشا يصمد رجاله في حصار لاكثر من عام، ثم يعمل رفاقهم على كسر الحصار في منطقة يلتهمها اللهب و ينفذون عملية عسكرية مركبة استمرت اكثر من اشهر، هو جيش يستعصي على الانكسار.

:::::

“الثورة”