سوريا: الانتخابات، السفير وخطاب الصد والرد والضد

عادل سمارة

بعد سنوات انقطاع وخاصة بعد العدوان على سوريا حيث انضم مثل غيره من السوريين سريعاً إلى الثورة المضادة هاتفني طالباً ما كتبته عن اقتصاد المناطق المحتلة والحماية الشعبية. أرسلت له الكثير ربما ألف صفحة.

لم يُجب بشكراً.

قلت لا بأس فالفكر مجاني، هكذا تعلمنا عن الفارق بين القيمة الاستعمالية للفكر والغذاء مقابل راس المال ذي القيمة التبادلية

اتصل بعد اسبوع وطلب مواد محددة، نبشت أعماق الملفات وارسلتها له.

اتصل في اليوم التالي، لم يقل شكراً، وقال:

يا داعم القتلة والديكتاتور، لماذا تكتب الجيش العربي السوري؟

قلت: ماذا أكتب؟

قال الجيش السوري لأن العربي السوري هو خطاب البعث.

رددت بكلام قليل طبقاً لوزنه في رأيي.

لم أتخيل ان يصل الحقد في الطابور السادس الثقافي إلى هذا الحد. والذي يبدو بأن الثورة المضادة إن لم تواجهها فهي تلاحق الوطن بالمطلق، ونحن منه.

اي خطاب نختار؟ بل اي خطاب ننتخب؟

أمامنا خطاب الصهيونية والثلاثي الإمبريالي (الأمريكي والأوروبي والياباني)  وخاصة الأمريكي. خطاب يكاد ضجيجه يصل السماء رافضين أية خطوة ديمقراطية في سوريا. يهذون بسقوط النظام مدفوعين بحقد عميق على البلد  وعلى الأمة العربية

كعربي فلسطيني أحمل بطاقة هوية جيش الاحتلال في الضفة الغربية، وجواز سفر أوسلو-ستان، وجواز سفر اردني لا درجة له بعد ان سُحب جواز سفري وأنا في السجن 1967-1973. أما  بعد ان اعتقلنا عرفات 1998 على بيان العشرين قررت اخذ جواز امريكي لأن عناية  تحمله وكنا تزوجنا 25أكتوبر 1975،  ذلك لأنني لا زلت اعتقد ان يوما ما قد تبعدني إحدى السلطتين في الأرض المحتلة 1967. فأخذت ذلك الجواز عام 2002.

رغم سلسلة هذه الأوراق، لم اشارك في اية انتخابات في كل هذه الدول والدويلات. (على الهامش التقاني صديق من الطابور السادس وقال انت تحمل جواز امريكي إذن انت ضد حق العودة)! آه ما أجمل أمراض هؤلاء حتى وهم في السبعين!

أما اليوم فاشارك في الانتخابات السورية بوضوح.  لأنها أول انتخابات عربية حقيقية بقرار سوري تام. وهذا يشفي الغليل. هي بلا إملاءات خارجية. هي انتخابات تحصل وأعداء سوريا والعرب والإسلام العربي يديرون حرب سلاح وحرب مال وحرب إعلام وحرب ثقافة وحرب جنس ضد سوريا. ويُهزمون ليس فقط بقوة الجيش العربي السوري بل اساساً يُهزمون من  داخلهم حين يرون سوريا ذات العشرة آلاف سنة ماضية إلى الأمام دون اكتراث بهم. أليست هذه هي الحرية الحقيقية؟

قلما نجد انتخابات في العالم لا تُديرها اصابع الراسمالية العالمية بشكل او آخر. وليس لبنان سوى النموذج الأوضح حيث غالباً ما كان الرئيس “إبن ابيه” بل “إبن فريق” غير لبناني. ونأمل بصمود سوريا أن يكون الرئيس إبن سوريا.

انتخابات سوريا يفرضها واقع شعبي صامد على الأرض ينتج ويقاتل ويبكي ويبتسم معاً. أليست هذه هي جدلية الحياة ؟ انتخابات يفرضها الوطن على الشعب والشعب على القيادة ليختار قيادته، فاين الخلل؟

رافضو الانتخابات يريدون  ويعملون وينتظرون فناء البلد؟ ومن يعمل على فناء سوريا، هيهات له أن يقبل بالانتخابات.

هل كانت انتخابات حقيقية لو كان فورد في دمشق يتسلل إلى وكره الطابور السادس الثقافي، وسياسيون من تمفصلات وهابية وطورانية وصهيونية؟ أو لو كان السفير الفرنسي الذي يحمل في راسه تراث حقد بسبب هزيمتهم في الجزائر؟

هل كانت انتخابات ديمقراطية لو باركها الكيان الصهيوني الإشكنازي كما حصل مرتين في الأرض المحتلة 1967 وكانت النتيجة تذابح على القيادة وتصالح بالاقتسام؟ تلك باركها كارتر . آه من ذلك القديس الوغد الذي أنشا قوات التدخل السريع في نفط العرب 1980 Carter Doctroine . تدخل كان جاهزاً قبل أن يسترجع العراق الكويت 1990.

طالما زعموا ان الكيان هو الدولة الديمقراطية الوحيدة في ما يسمى الشر ق الأوسط.

لا ايها الدجل التاريخي. لا ديمقراطية على اساس اغتصاب وطن الآخرين. إنها ديمقراطية يقوم تماسكها  It is cemented byعلى تثبيت الاستيطان والاغتصاب. ديمقراطية المذبوح الذي اقامها على ذبح من لا علاقة له بالنازي. ديمقراطية أكاذيب رجال الدين وليس الدين. هذا القتيل الصهيوني لم يأخذ درساً من المحرقة سوى قرار حرق شعبنا، فاية ديمقراطية هناك. رجال الدين السياسي ، نعم. وإلا ما معنى أن يأتي البابا إلى كيان تحت قدم كل شخص فيه مهجة طفل فلسطيني وصرخة امرأة وعنفوان رجل؟ وكرامة  عربي وربما نسخة من القرآن الكريم. (عام 2000 في زيارة لي إلى الأندلس قال لي فتية وفتيات : نحن دمنا عربي، لقد وجدنا في جدران بيوت قديمة مصاحف خبأها أجدادنا بعد هزيمة العرب). بالتأكيد لم يكن المقصود إسلام داعش، بل إسلام محمد. ثم لا ننسى أن البابا يمثل المسيحية المسروقة المسيحية الغربية. الغرب الراسمالي سرق حضارة اليونان التي هي شرقية (انظر كتاب برنال: اثينا السوداء) وسرق المسيحية الشرقية. واليوم تغتصب امريكا افسلام العربي لتضمن نهب النفط العربي عبر أدوات عربية وبه يحرق الشام. لا بل سرق الإسلام ليقدم لنا إسلام أل سي. آي. إيه و: يو . اس إيد عبر الأنجزة.

الانتخابات الديمقراطية الوحيدة في الوطن العربي هي الآن في سوريا. وحين يكون كل هؤلاء ضدها، فهي تماما تؤكد قولي هذا. وتؤكد أن هذا مشروع المستقبل. والذي سيفرز لكل العرب هوية واحدة هي المقاومة، الحياة مقاومة لتضم المسلم والمسيحي والعلماني والقومي والشيوعي وطبعا السيدة والسيد.

إذا كانت سوريا بلا دستور هم ضدها، وإذا كانت بلا انتخابات هم ضدها، وحين تكون بدستور هم ضدها، وحين تكون بانتخابات هم ضدها! فهل هذا لغز صعب الفهم؟ هم ضد وجود سوريا. وهنا بيت القصيد. لو كانت سوريا تابعة مثل معظم  إن لم نقل جميع القطريات العربية لقالوا:

تمالكت سوريا نفسها وتحاملت على جراحها ومارست الديمقراطية. طبعا لأن الوليد سيكون حينها وليد سفاح غربي راسمالي صهيوني مخروقا منذ كونه جنيناً. لكن سوريا لم تحمل حملاً خبيثاً.

الأردن وإبعاد السفير

حين يرقص قطر عربي على أنغام بنادق الولايات المتحدة وأموال النفط المنهوب في السعودية، وعلى تنظيرات الطابور السادس الثقافي، لا يمكننا إلا وضع هذه المصفوفة في نطاقها الصحيح وهو : إن هذه خطة الصهيونية التي خلقت كيانا شرقي النهر ليحمي كياناً غربي النهر. لا علاقة للسوريين الذين يعيشون شرقي النهر بكل هذا. فالأردنيون سوريون والفلسطينيون سوريون واللبنانيون سوريون. وليس أمام سوريا سوى استعادة هذه الأجزاء. وسنقف ضد سوريا المتجددة بقوة إن لم تعمل على هذا حتى لو بعد مئة عام. يجب على سوريا منذ اليوم أن لا تعين سفيرا لها في عمان ولا في بيروت. وطبعا لا حتى بعد تحرير القدس. هذا شرط عشقنا لسوريا.

إبعاد السفير السوري مقدمة لمنع السوريين من التصويت؟ أليست هذه هي الديمقراطية الأمريكية؟ لا غرابة،  هناك ملايين الأمريكيين من السود الذين يُمنعون باشكال عدة من الانتخاب لأنهم سود. هذا مع أن نتيجة الانتخابات في كافة الأحوال هي للبيض. إنما المنع هو ممارسة رياضة التمييز ولو بلا مردود.

إن لم يكن إبعاد السفير منعا مباشراً فهو تخويف وإرهاب مقصود به الحرمان من الإقامة، واين؟في صحراء بلا نفط، وصحراء بلا ديمقراطية وصحراء يعيش نظامها على تشغيل شقيه في فتنة إقليمية”!!! تخويف على لقمة العيش وحماية الأطفال وستر العِرض. أليست هذه تهديدات حقيقية تتضمن منع الناس من التصويت؟ هذه هي ديمقراطية امريكا.

ولكن المنع هو عمليا، تأكيد بأن الأصوات هي لسوريا وهذا ما يؤكد نجاح التجربة الانتخابية. وإلا، لماذا لا يترشح ممثلو الغرب والصهيونية وترسل فيالق من المراقبين؟ الا يوجد ممثلين للصهيونية والغرب الراسمالي في سوريا؟ بلى يوجد.

أوروبا في معظمها تمنع السوريين من التصويت؟ وهذا يؤكد أكذوبة الديمقراطية اللبرالية التي لا تمارس الانتخابات إلا وهي متأكدة من كسبها. هناك تُقاس مواقف الناس بالأرقام بينما انتخابات سوريا تقاس بالانتماء حتى والدم يسيل. موقف سوريا مثل موقف سينيكا، ظل يلقي خطابه والدم يسيل منه حتى توفي. ويذكرني بموقف الحكيم في مظاهرات في الرمثا عام 1954، كانت مظاهرات وطنية لصالح سوريا، ضربه أحد أعضاء حزب التحرير سكينا في خاصرته لم يتحدث حتى لا تكون فتنة، وحتى رأوا رفاقه الدم يسيل من خاصرته إلى بنطاله وحذائه . أما اليوم فما اكثر اعضاء وقيادات الجبهة الشعبية الذين يضربون خاصرة سوريا مع الطابور السادس الثقافي. فهل عرفتم من هي جبهة جورج حبش، وجبهة اوسلو -ستان.

الأردن كالاتحاد الأوروبي يعيق الانتخابات في سوريا. يُبعد السفير ليضع، إن أمكنه ذلك،  في السفارة ممثل الائتلاف الذي وعد الكيان بالجولان. وبهذا لا يذهب السوري إلى السفارة للإدلاء بصوته، فيبدو كأن السوريين لا ينتخبون. اليس هذا عيب العيوب؟

الاتحاد الأوروبي عدو بالفطرة والجغرافيا والمصالح والثقافة، ولكن ماذا عن النظام الأردني؟ في خدمة من هو؟ ولكن لا غرابة، ألم يستمر برلمان 1965 لأكثر من عشرين سنة؟ ألا يتضح أن النظام الأردني ممتعض من المصالحات في سوريا، فما بالك بانتصارات الجيش العربي السوري (حتى لو امتعض الصديق المرتد)!

لا يزال الغرب الرأسمالي يمارس بقايا الأستذة بينما العالم يتغير، بينما تنزلق الأرض من تحت قدميه، وكما كتب ناظم حكمت: “وحينما تنزلق الأرض من تحت قدميك فإنك تصبح ذئبا”. لكن هذا الغرب ذئب في كافة الأحوال. فهنيئا للنظام الأردني بالتطوع لصالح هذه الذئاب.

قد يضع البعض موقف حكام السعودية ضد الانتخابات إلى جانب موقف الغرب الرأسمالي والصهيونية أو حتى موقف النظام الأردني. وهذا ليس دقيقاً. فكيانات النفط وريع النفط لا تفهم قط اي معنى مبسط للديمقراطية. لعلها ترتعب إذا ما تم انتخاب مختار في قرية صومالية نائية، لأن في ذلك خطوة ضد لا إنسانيتها. فالتابع والناهب لا يمكن أن يسمح باي راي ولا حتى بعقل. فطوبي للعرب الذين يحكمهم هؤلاء.

عاش الأردن منذ  1921 كسور شرقي للكيان، وها هو اليوم يعيش على حد السيف. المجتمع تحت تهديد الانكسار الاقتصادي والمديونية وغلاء المعيشة والبطالة. والنظام يقبض ريع دوره من قطر مرة ومن السعودية مرة وليس من أمريكا….لا ابداً. فليس ذي عقل من يعتقد أن امريكا حين تقدم مساعدات للأردن تدفع من خزينتها. لا بد أن نقرا الاقتصاد السياسي . هي تدفع من الصناديق السيادية لقطريات النفط. ولا تحصِّل ذلك على طريقة الشرطي، وهي شرطي طبعا، ولكن هؤلاء يدفعون مما يتبقى لهم من اقتصاد التساقط Trickle-down Economy، يدفعون ما ينفق على ذبح سوريا وليبيا والعراق واليمن والجزائر وكل متر شريف عربي. وسيدفعون ثمن كونفدرالية مع الكيان وسلطة رام الله. وما أكثر من نظَّروا لهذا. احدهم اسماها ذات مرَّة : “وحدة برَّ الشام” . طريف أن يصبح الصهاينة من مكونات بر الشام!

طريف هذا الرقص الحكومي المخابراتي الأردني على حد السيف وعلى الحدود مع سوريا. إدخال ألف مسلح لذبح ياسمين وبنفسج دمشق وقتل مسلح واحد عائد إلى الأردن؟ ثم الزعيق، : “والله مضطرين”! إذا كان نظام لا يعيش إلا بدوره ضد الأمة فما مبرر وجوده إذن؟

مناورات “الأسد المتأهب” فيه كل جيوش أوغاد الأرض من أجل ماذا؟ لتحرير الأقصى؟ وهل من عبث اختيار تسمية “اسد”؟ هذا تأهب من يتمنى أن ينهش لحم نساء دمشق الوحيدات في الوطن العربي اللائي كسرن التقاليد ومشين في جنازة نزار قباني. ترى هل تفهم نساء الجندر والأنجزة عبقرية هذه الخطوة؟ .

 وهذه المناورات ليست سوى تدريب على غزوات أخرى قد تصل الجزائر. ألم يشارك هذا النظام في قمع ثورة رشيد عالي الكيلاني في بغداد 1941، وفي ذبح ثوار الجبهة الشعبية الديمقراطية لتحرير عُمان 1973 وغيرها وغيرها؟

فهل بعد كل هذا يمكن القول بأن كيان الأردن يجب ان يبقى مفصولا عن سوريا، بحجة أنه بلد تعترف به الأمم المتحدة كما روجوا عن الكويت بعد ان استعادها العراق؟ اليس الكيان الصهيوني دولة تعترف بها الأمم المتحدة؟ فهل هذا اعتراف أخلاقي.

لنتذكر دائماً، بأن الدولة القطرية عدوة للدولة القومية حتى لو لم ترغب فوجودها ومصالح قيادتها  معادية للقومية العربية بلا  مواربة (في حالة الأردن فلسطينيون واردنيون لا فرق). وهذا يفتح على غدٍ بعد أن افهمنا امس واليوم. بمعنى، أن سوريا بعد الانتخابات وبعد النصر، لن تكون في مأمن من الأردن التابع، من الأردن القُطري. ولا من لبنان ولا حتى من اي كيان في الأرض المحتلة ناهيك عن كيان الكيانات، الكيان الصهيوني.

لعل الأمر أكثر. لنتذكر دائماً، أن سايكس- بيكو كانت 1916، ووعد بلفور 1917، وتشكيل إمارة شرق الأردن 1921، وصانع الجميع هو الغرب الراسمالي. لنتذكر جيداً، إذن بأن هناك حبل سُرِّي يربط  كافة هذه الكيانات القطرية مع بعضها البعض مع الكيان الصهيوني بداية واحدة ومصير واحد. ولنتذكر أن الذي أنشأ كل هذا هو الذي انشأ جامعة الدول العربية التي أتت كتثبيت للقطريات وانتهت كأداة لتدمير القطريات الجمهورية بحرب مشتركة: من قطريات النفط والصهيونية والغرب الرأسمالي جميعه من عمالقته المتوحشة كأمريكا إلى بُغاثة الطرايا  كالنرويج.

موقف الأردن من سوريا سواء بإبعاد السفير أو ب مناورات الأسد المتأهب ينقض تماما فذلكات كثير من المحللين الذين يزعمون بأن الولايات المتحدة تخرج من المنطقة نحو الصين. لا ايها السادة الولايات المتحدة تعاني من مأزق الخروج من الوحدانية القطبية، وهي تعرف أن بقائها في الوطن العربي أعز عليها من بقائها في ارض الهنود الحمر. وها هي تجند أحزابا ودولا لتقوم بالدور بأخطر من امريكا نفسها.

بقي ان نقول، طبيعي ما يحصل من النظام الأردني . نظام هرب من الضفة الغربية ولم يطالب باستعادتها. والأغرب أن لا أحد يسأله عن ذلك. النظام ضد المقاومة وسوريا مقاومة. فما الغريب.

ليس أمام الأمة العربية سوى اعتماد هوية الحياة مقاومة ، هذه وحدها تعيد صهرنا معاً. وإن اردتم هذا معنى عرب المرحلة لتكون مرحلة العرب.