حتى لا تعود الديكتاتورية إلى تونس

مائة وثلاثون قضية جنائية مفتوحة في حق شباب متهم بحرق “مراكز سيادة” أثناء الثورة ، في الفترة بين 17 ديسمبر2010 و14 جانفي 2011، خمسون من هؤلاء الشباب هم بحالة إيقاف، والإيقافات لازالت متواصلة في منزل بوزيان وجلمة وتالة وقبلي وتونس العاصمة ومنزل شاكر وجربة، رغم أن أحداث الثورة شملها العفو التشريعي العام ولا يمكن التتبع في شأنها ( جريدة الصباح 20 ماي 2014)، اعتداءات  على الصحافيين والمصورين وافتاك معداتهم من قبل قوات الأمن ، إيقاف صحفية بتهمة “إثارة الفتنة ” لأنها سألت مواطنين في شوارع العاصمة حول رائهم في إطلاق سراح علي السرياطي،  المسؤول عن الأمن الرئاسي في عهد بن علي و المتهم في قضايا جرحى وشهداء الثورة (انظر بيان النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، الصادر بتاريخ 17 ماي 2014)، عنف يستهدف الحقوقيين والسياسيين. استعمال التتبع القضائي  للانتقام من النشطاء. حالات معزولة ؟ المؤشرات لا تدلّ على ذلك.

إذ لم تعد تقتصر  مؤشرات عودة النظام السابق على رموز سياسية أفلتت من المحاسبة واستغلت فوضى غياب عدالة انتقالية فاعلة ،خارجة عن الحسابات السياسية والمحاصصة الحزبية،  فالأساليب الأمنية القديمة التي ميّزت نظام بن علي لم تعد مقتصرة على بعض الأحداث المتفرقة التي طبعت الذاكرة مثل أحداث 2012 ، بسليانة وشارع الحبيب بورقيبة وساحة الاتحاد العام التونسي للشغل، بل أصبحت ترافق التجمعات والاحتجاجات، تستهدف المحتجين وتعمل على طمس الشهود ، مثلما حدث يوم 17 ماي 2014، حين احتج الشباب على إيقاف عزيز عمامي وصديقه صبري بن ملوكة.

 يومها لم يقتصر الاعتداء على الشباب المحتج، بل تجاوز ذلك ليستهدف الصحفيين والحقوقيين. السيد شكري الذويبي ، عضو الهيئة المديرة ،أوفدته الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان للمراقبة ،لم يكن مشاركا في التحركات  لكنه نال من الضرب والاعتداء اللفظي ما لم يكن يتوقعه، عنف لفظي  استهدفه وطال  الرابطة وتاريخها ودورها . الصحفي جلال فرجاني ، الذي أراد تصوير إيقاف مدوّنة يوم مظاهرة 17 ماي يقول في شهادته للمركز تونس لحرية الصحافة: ” تلقيت صفعة من الخلف وحين استدرت افتك عون الأمن  الذي صفعني آلة تصويري وهشّمها أمام عينيّ.” ( 17 ماي 2014)

الشباب هو أكثر الأطراف استهدافا اليوم، الشباب الذي غيّر المعادلة زمن بن علي ،وهو  الذي أخرج الاحتجاجات من المقرات الضيّقة للأحزاب والمنظمات الحقوقية المحاصرة ليلا نهارا إلى فضاء المواجهات في الشوارع، الشباب الثائر لا على نظام بن علي فحسب ، بل على الأساليب القديمة في مواجهة القمع الأمني. ابهر العالم بتقنياته البسيطة: قدرة على التنسيق والتحضيرعبر وسائل التواصل الاجتماعي (الفيس بوك وتويتر..)وشعارات وأغاني ابتدعها لتعكس طموحاته في الديمقراطية والحرية، بعيدا عن الإيديولوجية والتحنيط وتوقا إلى حلم حياة أفضل. وخلدت الذاكرة التونسية أسماء مثل : لينا بن مهني وأمال المثلوثي وغيرهم. حاول نظام بن علي الحد من التيار بالتشويش على الانترانت. لم تنجح المحاولة،بل وكان لها ارتداد عكسي، فاتجه إلى حملات أمنية تستهدف الشباب الثائر.

من بين هؤلاء عزيز عمامي ، صاحب المدونة التي كانت تنشر صورا فورية عن المظاهرات والاحتجاجات، والذي أوقف أخيرا بتهمة حيازة مادة مخدرة. لكن لم يقتصر نشاط عزيز عمامي على أيام الثورة . فهو من  طينة الشباب الذي لم ييأس من عقم الجدل السياسي الذي رافق وتلى الانتخابات وواصل نضاله بنفس العزيمة الأولى: اعتبر كل الشباب الذي وقع إيقافه بعد الثورة بتهم متعددة، مثل نصرالدين السهيلي وولد الكانز وجابر الماجري  ” سجناء حرب” وتوقع نفس المصير لكل من يجرأ على توجيه انتقادات للسلطات الحاكمة بعد 14 جانفي 2011، ثم وبعد أن ابتدأت حملة الإيقافات ضد شباب الثورة بتهمة “حرق مراكز السيادة” ، أطلق حملته الشبابية “انأ أيضا حرقت مركز أمن ” لذلك يعتقد الجميع هنا في تونس أن التهمة الأصلية غير المعلنة تأتي في إطار الحملة الموجهة لكل الشباب الذي أسقط نظام بن علي البوليسي ، وخاصة أولئك الذين لازالوا يواصلون نفس المسار النضالي،بنفس الإصرار والجرأة.

و”تعود حليمة إلى عادتها القديمة” ليصبح القانون، تماما كما كان في عهد بن علي، اليد القوية التي تضرب بها السلطة خصومها وكل الذين يزعجون راحتها  بإلحاحهم الدائم على  تحقيق أهداف الثورة، ومن منا لا يذكر أن بن علي ، طيلة فترة حكمه وما صاحبها من قمع، لم يعترف بوجود سجناء رأي ولا باستهداف نشطاء سياسيين؟ النص القانوني للإحالة  يكون، أحيانا، جاهزا حتى قبل أن يلقى البوليس القبض على المتهم. يقول توفيق بن بريك، الصحفي الذي تحدّى نظام بن علي باسلوبه الخاص وافتتح إضرابات الجوع في تونس والذي تمّ استدعاؤه أخيرا من قبل فرقة الأبحاث التابعة للحرس الوطني العوينة، على خلفية شكوى تقدمت بها نقابة الأمن بباجة في 6 نوفمبر2012  :”كلما أتى الحديث عن تطبيق القانون، يبقى الاستدعاء ترجمة لمنظومة الحكم التوليتاري.”

 والآن؟

أربعة مؤشرات متزامنة و متداخلة أزعجت الرأي العام و المنظمات الحقوقية:

 العودة القوية لرموز سياسية كانت فاعلة ومؤثرة زمن بن علي،

 الأحكام المخففة الصادرة في حق القيادات الأمنية العليا، المتهمة في جرائم إطلاق النار على النار على الشهداء والجرحى،

 رجوع الانتهاكات الأمنية وقمع التحركات السلمية بنفس الأساليب السابقة،

 إيقاف عشرات من شباب الثورة بعد صمت دام سنوات.

هل هي بداية رجوع  السابق؟

المؤكد انه الصراع الأبدي بين قوى الماضي بكافة مكوناتها إرهاصاته السياسية والحزبية والأمنية وبين قوى التغيير التي داعبها حلم الحرية والديمقراطية والعدالة فانطلقت تسعى إلى تحقيقه ، لم تحبطها سنوات الفوضى وتدهور الوضع الاقتصادي وعقم التجاذبات السياسية.

المسؤولية موكولة إلى القوى الديمقراطية والمجتمع المدني ،داخل تونس وخارجها ، أن لا تسمح بارتداد ثورة أبهرت العالم بسلميتها وبمشروعية مطالبها، والبداية لن تكون إلا بالوقوف في وجه كل الانتهاكات و العمل على احترام القانون الذي يجب أن لا يخضع للحسابات السياسية وان لا يكون عصا السلطة التنفيذية تضرب بها خصومها متى تشاء.

لذا ستعمل اللجنة على  التنسيق مع بعثات دولية من منظمات المجتمع المدني للوقوف على هذه الأوضاع.