في مشهد التمويل، نضال منصور أنموذجاً

محمد فرج

 

أثار الملتقى الذي عقده مؤخراً مركز حماية وحرية الصحفيين أصداءً واسعة في الوسط السياسي، وأهم ما في الأمر السؤال القديم الجديد، سؤال المنظمات “غير الحكومية” والتمويل الأجنبي.

 

العديد يتعاطى مع المسألة من الزاوية الأخلاقية، وعندها يتم الحكم على المشاركة من عدمها من بوابة “الحلال” و “الحرام”. مسألة التمويل الأجنبي أبعد من ذلك، مع وقوفي الأكيد في صف كل المواقفيين الذين يرفضون التمويل الأجنبي، ويتناقضون بشكل تناحري مع كل من يؤيده، ويتغذى به. ولكن، لنبني الموقف على أسس أكثر متانة، على أساس المنفعة إن شئتم، فإدراك مخاطر التمويل الأجنبي والدور الذي تلعبه المنظمات التي تسمي نفسها “غير حكومية” هو الأساس الأمثل للمواجهة. أسئلة أساسية لا بد لنا أن نتعرض لها: ما هي أهداف التمويل الأجنبي وآلياته؟ ما هي الحجج التي يحاول المنتفعين منه أن يسوقوها؟ ما هي آليات مواجهته في ضوء المخاطر المذكورة؟

عن أهم أهداف التمويل الأجنبي وآلياته

o في الدول التي تفتقد لشروط التطور الرأسمالي، كما هو الحال في بلداننا، تسعى الرأسمالية لملء الفراغ الذي تتركه الدولة، وفي ذلك خطوة حمائية من ثورات ستكون أهم مطالبها بلورة دور الدولة في الحماية الاجتماعية، مما يعني التطوير على بنى الإنتاج. وهذا ينطبق على المنظمات التي تلعب دوراً “خيرياً”، والتي تعمل على تحويل الثوار المحتملين، إلى مجموعة من المتسولين.

o الوقوف (عكس ما تدعي)، في وجه الاندماج المدني للمكونات الاجتماعية، وذلك من خلال تسخين قضايا خلافية تحت عنوان “حقوق الأقليات”. وذلك يضمن إبقاء مجتمعاتنا مقسمة إلى طوائف وإثنيات وقبائل وغيره.

o العمل على ولادة “مجتمع مدني” فاقد الصلة بـ “المجتمع السياسي”، ويتم ذلك من خلال ضرب فكرة النقابات والأحزاب كمؤسسات مجتمع مدني وسياسي في نفس الوقت، ومؤسسات قابلة أن تحمل بعداً ثورياً في برامجها، إلى منظمات “مجتمع مدني” تعتبر المسافة البعيدة عن “المجتمع السياسي” إحدى أساسيات تعريفها ومزاياها.

o تفكيك قضايا التحرر الكبرى إلى قضايا جزئية، يخلق لكل منها حرس لحمايتها. وفي كل ساحة هناك هامش واسع للمناورة وتقديم التنازلات، ومن ذلك “تحرر المرأة”، “حقوق الإنسان”، “الحوار الديمقراطي”، “التنمية السياسية”، “حرية التنظيم النقابي بديلاً عن النضال العمالي بمعناه التناحري” وغيرها.

عن الحجج التي يسوقها أنصار التمويل (المنتفعين منه)

o “لا يمكن تجنب مسألة التمويل في بلد غارق بأكمله في التمويل الأجنبي، فمؤسسات الدولة (الجيش، ومؤسسات الدولة الاقتصادية مثلاً) والمؤسسات الأهلية (المدارس والجمعيات مثلاً) جميعها بحاجة إلى تمويل، وليس من طريق أمام الناشطين سواه”. أخذ جميع المؤسسات في حزمة واحدة بدافع تكريس اللا-جدوى مسألة يسوقها أنصار التمويل الأجنبي أنفسهم.

o “هناك فرق بين الـ USAid والمنظمات الألمانية مثلاً”. فالثانية صادقة في مشروعها التنموي في البلاد. بنظرة بسيطة إلى المنظمات النرويجية، نكتشف أن منظمة فافو لعبت دوراً أساسياً في عقد اتفاقية أوسلو مع الكيان الصهيوني، وفافو حالها حال العديد من المنظمات النرويجية والدنماركية والسويدية، ما هي إلا قفاز قذر بيد الإمبريالية العالمية تم استخدامها بداية نظراً لأنها لا تمتلك تاريخاً استعمارياً في المنطقة فكانت واجهة مقبولة إذا ما قورنت مع المنظمات الأمريكية والفرنسية والبريطانية. وبالنسبة للمنظمات الألمانية، فيكفي أن فريدريتش ناومن نفسه دعا في كتابه إلى ضرورة التعاون مع الحركة الصهيونية، ويكفي ما تفعله فريدريتش إيبرت، التي تختبئ خلف قضايا العمال، من محاولات لترويج السلام مع الكيان الصهيوني على موقعها الإلكتروني.

o “تمويل الـ USAid يشبه منح الاتحاد السوفياتي التعليمية سابقاً، ففي كلتا الحالتين تكمن مصلحة الدولة المانحة” (لماذا لم يتم سحب ذلك على المنظمات الألمانية حينما تم تمييزها؟). بالمناسبة، مسألة التمويل ليست مسألة فقهية، المال الحلال والمال الحرام. المسألة ببساطة تتعلق بالمشروع المشترك، ماهية التمويل أو التضامن، ماهية الجهتين، مشروع نظاميهما السياسي. هل يمكن أن نعترض على تمويل فنزويلا للأرجنتين في أزمتها المالية ومواجهتها للإمبريالية؟ نحن نؤيد تلك الخطوة وبشدة، تماماً كما أيد الشيوعيون سابقاً أن تنتشر دور الثقافة، التي تنشر الفكر الاشتراكي في كل العالم. المنهج الذي يحكم الموقف من هذه العلاقة أو تلك قائم على المحددات سابقة الذكر (ماهية الأنظمة المعنية، وماهية برامجها). ما فعلته فنزويلا هو مشروع تضامني تقدمي، وما تفعله الـ USAid وغيرها ما هو إلا مشروع تفكيك وإغراق أكثر وأكثر في التخلف. دور الثقافة السوفيتية التي شكلت الذراع الأهلي لنشر الاشتراكية، والـ USAid وغيرها هي الذراع الأهلي للتفكيك وإغراق البلاد في المزيد من التخلف والتبعية. وإن تساءلنا عن مغزى هذا التفريق بين الحالتين، فهو نابع من اختلاف ماهية المشروعين، من السذاجة بمكان أن نعتبر التضامن الأممي لمشروع اشتراكي شبيه بتمويل المشروع الرأسمالي.

عن الآليات

عن حجة البلد بأكمله ممول، والتي يحاول البعض من خلالها دفع الناس إلى اللا-جدوى وقبول التمويل: في مواجهة التمويل هناك مستويان أساسيان من المعارضة، الأول سياسي يتمثل في الوصول إلى السلطة السياسية، والثاني ثقافي-اجتماعي يمس مباشرة مؤسسات الهيمنة الأيديولوجية. حتى تتمكن من مجابهة التمويل لمؤسسات الدولة الاقتصادية والأمنية، فهذه معركة سياسية خالصة لا يمكن حسمها إلا بتبديل السلطة، النضال لإسقاط السلطة إنما هو بناء الكتلة الاجتماعية النقيضة (التي يحاول التمويل الأجنبي قطع الطريق على تشكيلها من خلال حملات التسول). يتوازى مع هذا النضال، مع مواجهة كل المشاريع على الجبهة الثقافية، أن يتم استبدال ومهاجمة المنابر التي تحاول تطبيع العلاقة مع الإمبريالية بمنابر أخرى، وما المشكلة في المنابر الأخرى إن كان جمهورها هو حاضنتك الاجتماعية؟ ماذا يفيد الشاعر أن يقرأ قصائده على جمهور متصالح مع وجود السفارة الأمريكية في الحفل؟ ماذا يفيد الرسام أن يعرض لوحاته هناك؟ لمن؟ هل تريد أن تقنع عدوك قبل أن تقنع حليفك؟

تستند آليات المواجهة على مبدأين أساسيين: الأول تحريض الصراع الاجتماعي أكثر وأكثر بعزله عن القضايا الجزئية (وهذا العزل لا يعني محاربة القضية نفسها بقدر ما هو محاربة عزلها من سياقها الموضوعي) التي تنتجها منظمات التمويل لتجاوز خطر أية ثورات محتملة، وإن حصلت أن تبقى في هامش الموضوعات التي تطرحها، دون أن تتعرض لإشكاليات دور الدولة، والحماية الاجتماعية والنمط الاقتصادي. والثاني هو مهاجمة المنابر التي تكرس فكرة التصالح مع الإمبريالية من خلال الاكتفاء بالمنابر، هي ليست البديلة عملياً، وإنما هي المنابر المجدية (وهنا لا بد من تفكيك وهم جدوى منظمات التمويل الأجنبي من الأساس، بل على العكس فضح مخاطرها) لصالح الثورات الاجتماعية، ومن هنا يتوجه المبدعون، المقفون، الفنانون، والموسيقيون إلى تلك الساحات، فجمهورهم يتواجد هناك، وفي الوقت ذاته لا يكونوا أدوات لبروبوغاندا الرأسمالية العالمية في قدرتها على استيعاب التنوع و “وجهات النظر”.

عن الحادثة .. مقاربات مع المشهد النظري

ما جرى لم يكن سوى مثالاً لما طرح أعلاه، ما نحتاج إليه فقط هو استنباط الظواهر في هذه الحادث وربطها بما طرح سابقاً:

مركز حماية وحرية الصحفيين هو أحد الأمثلة على تفكيك القضايا الكبرى، من الأمثلة على ذلك، موقف مديره نضال منصور في أزمة العرب اليوم، فما قاله هو أن هذه القضية إعلامية فقط. إذن يريد أن ينأى بها عن أسبابها السياسية، فتتحول مسألة محاولة النظام المنتصر في الجولة الأولى من الحراك الشعبي، إلى مسألة حريات إعلامية فقط ويتم التعتيم تماماً على الأولى لحساب الثانية، ولحساب النظام في الوقت نفسه.

استخدم نضال منصور “أيقونات” تسهل عملية القبول للـ USAid في مشهدنا الثقافي، فكم الإفادة من اسم مارسيل خليفة ليس بالقليل! أعتقد أن وجوده دفع البعض لإعادة التفكير في مسألة التعاطي مع الـ USAid نفسها! لذلك كان من المنطقي جداً أن تتم مهاجمة مارسيل خليفة على هذه المشاركة. هكذا يدافع نضال منصور عن التمويل محتمياً بالمحتوى (مارسيل خليفة واسكندريلا). إن كان هذا المحتوى معاد بالكامل للولايات المتحدة الأمريكية وسياستها، ألم يفكر نضال منصور (وبالتأكيد أنه فكر)، لماذا تضطر هي أن تقبل؟

موقف اسكندريلا لم يكن موقفاً استثنائياً، فالخوف من الفضيحة مع المشاركة في الوقت نفسه، لا يمكن أن يعد بأي شكل من الأشكال موقفاً مناهضاً للتمويل الأجنبي.

تلخيص لمشهد التمويل، نضال منصور مثالاً

o دافع التمويل الأساسي هو الإبقاء على حالة التفكيك للمجتمعات ووضع المعيقات لتشكيل مجتمع مدني مندمج بالهم الاجتماعي، وتفكيك القضايا الكبرى إلى جزئيات، وتحويل الثوار المحتميلن إلى متسولين. وخير المنفذين لهذه الأجندات هم من مروا على برامج اليسار.

o يحاول المنتفعون من التمويل دفع الناس إلى اللا-جدوى من بوابة أن التمويل يطول جميع مؤسسات الدولة. ومن خلال خلق حالات تمايز بين المنظمات المرتبطة بدوائر الإمبريالية العالمية.

o آليات المواجهة تستند إلى ربط حالات النضال السياسي، مع حالات ضرب المنابر الممولة والنهوض بالمنابر المجدية.

o نضال منصور ليس إلا مثالاً في ساحة الإعلام (قضية معزولة من السياق العام وبقصد)، هناك الكثيرون غيره يمارسون النشاط نفسه في ساحات أخرى (التعددية، الحوار، المناظرة، حقوق الأقليات، حرية التنظيم النقابي)….. وهكذا.

:::::

“راديكال”

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بيان حول “ملتقى المدافعين عن حرية الإعلام” والذي أقيم في العاصمة الأردنية عمّان بدعم من وكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAid) وبحضور فرقة اسكندريلا، مارسيل خليفة، أميمة الخليل، ريم البنا، أمل مرقص، ومحمد محسن:

بيان صادر عن مجموعة من المثقفين والناشطين، ضد ملتقى المدافعين عن حرية الإعلام.

عقد مركز حماية وحرية الصحفيين في الأردن مؤخراً ملتقى “للمدافعين عن حرية الإعلام في العالم العربي”، وقد تم دعم الملتقى من قبل العديد من الجهات من بينها الـ USAID، وقناة الجزيرة والسفارة الأمريكية في العراق.

حضر هذا الملتقى، عدد من الشخصيات الثقافية والفنية، التي لطالما حُسبت في صف المعارضة للإمبريالية والكيان الصهيوني، وعلى رأسها الفنان اللبناني مارسيل خليفة والشاعر الفلسطيني إبراهيم نصر الله. بالإضافة إلى آخرين: أميمة خليل، وأمل مرقص، وريم البنا، وفرقة اسكندريلا.

مارسيل خليفة قبل بتكريم قاتلي الأطفال في العراق له، متناسياً تماماً كل كلمة غناها لـ “أحمد العربي”، والشاعر الفلسطيني إبراهيم نصر الله يرمي دواوينه في أحضان الـ USAIDالتي دمرت كل الخطط التنموية لشعوبنا التي مازالت تبحث عن تحررها، وفرقة اسكندريلا وافقت على المشاركة في ملتقى تدعمه قناة الجزيرة التي لم تتردد في التلاعب بالمشهد المصري وتسخينه لحساب الأجندة السياسية للإخوان المسلمين، ولم يكن طلبها في تغطية الشعار الخاص بالـ USAID وقناة الجزيرة، سوى محاولة خجولة للهروب من “الفضيحة”، لقد كان بإمكانها ببساطة الانسحاب من هذا الملتقى مباشرة حال علمها بالجهات الداعمة له.

إن الدور الذي تلعبه المنظمات التي تسمي نفسها “غير حكومية” ما هو إلا العمل على تفكيك قضايا التحرر الأساسية إلى قضايا جزئية، ويتمظهر ذلك في الدور الذي يلعبه مركز حماية وحرية الصحفيين نفسه، الذي لم يتردد مديره نضال منصور أثناء أزمة العرب اليوم من التصريح بكل وضوح أنها قضية إعلامية، وإعلامية فقط. محاولاً بذلك لفت الأنظار عن المصالح السياسية وراء ذلك الحدث، ومصير العديد من العائلات الذي وضع على المحك حينها.

ضد التمويل الأجنبي، ضد المنظمات التي تسمي نفسها “غير حكومية”، مع تعرية كل الذين يقدمون أنفسهم كمناضلين، ولا يترددون للحظة في تنفيذ أجندة الإمبريالية العالمية والكيان الصهيوني، مع حماية المشهد الثقافي من التشويه الذي تمارسه هذه المنظمات.

 الموقعون:

فراس صويلح – الأردن

لبنى بجالي – الأردن

عبدالله نعواس – الأردن

نادين القدومي – الأردن

وسام عبدالله – الأردن

فؤاد بجالي – الأردن

وائل عطاوي – الأردن

رشا صويص – الأردن

عماد الحطبة – الأردن

محمود عبدالحكيم – مصر

محمد عبدالمقصود – مصر

ليلى مصطفى – الأردن

دانا شوارب – الأردن

طلال عبدالله – الأردن

راوية كاندان – تركيا

أسماء عواد – الأردن

منة الله محمد – مصر

وفا قطينة – فلسطين

عمار سعيد – الأردن

مصلح الهباهبة – الأردن

علي أبو فرحة – الأردن

عادل سمارة – الأردن

لبيب لويس شومر – الأردن

أسامة أبو زين الدين – الأردن

يزن سمارة – فلسطين

رومل عبدالنور – فلسطين

لينا دايوب – سورية

ناتالي حمارنة – الأردن

محمد العملة – الأردن

محمد فرج – الأردن

فراس محادين – الأردن

سامر هنداوي – الأردن

هاشم التل – الأردن

محمد أبو علي – الأردن

قيس مدانات – الأردن

زيد حمد – الأردن

موفق محادين – الأردن

عزت عوض – الأردن

بيان خطاب – الأردن

هاني معلا الزيود – الأردن

محمد حسين أبوزميرو – الأردن

فراس تحبسم – الأردن

محمد طارق غانم – مصر

نسرين درادكة – الأردن

ناصر عيد – الأردن

يزن حداد – الأردن

حسن حمدان – مصر

زينة أبو عنّاب – الأردن

محمد الحريبات – الأردن

لميس الحمامي – الأردن

شام يزبك – الأردن

مريم الأشعل – لبنان

روبير بشعلاني – لبنان

عقاب زعل عقيل – الأردن

خالد مساعدة – الأردن

محمود رقص – ليبيا

أحمد ضمرة – الأردن

سعاد نوفل – الأردن

غادة الكردي – الأردن

هاني الأدهم – الأردن

خالد أبو شميس – الأردن

جهاد محب – مصر

حسام غوشة – فلسطين

نضال الزغير – فلسطين