المشرق والتشيُّع

د.موفق محادين

ابتداءً، لست معجبا لا بالحاكمية عند اهل السنة ولا بولاية الفقيه عند اهل التشيّع، فأنا قومي عربي اشتراكي علماني، منحاز بقوة لفصل الدين عن السياسة فصلا تاما مع احترامه وعدم المساس به أو التطاول عليه بأية صورة من الصور…

بعد ذلك، لا أرى سببا حقيقيا واحدا لكل هذا القلق والذعر والتهويل مما يسمى التمدد الشيعي.

ففضلا عن محدودية هذا التمدد إذا كان صحيحا، وعن حق كل مذهب بالانتشار، سواء كان سنيا أو شيعيا، وعن حق العلماني بإشهار مواقفه، وفضلا عن ان الأغلبية المذهبية وغيرها لا تخشى على نفسها من هذا (الاختراق) او ذاك… فإن الشرق العربي، برمته، من مصر إلى بلاد الشام كان شيعيا عندما كانت بلاد فارس مركز أهل السنة، بل ان ايران هي آخر البلدان التي دخلها التشيع وكان ذلك على ايدي عائلة تركية (الصفويون) وبمرجعية عربية من الشيخ علي الكركي، تماما كما جاء التسنن على ايدي عائلة غير عربية هي العائلة الأيوبية الكردية.

فقبل ذلك كان العرب مسلمين وحسب وكانت المذهبية، مجموعة من المدارس التي تحظى بقبول أو معاداة عائلة أو قبيلة أو حاكم هنا وهناك ولم يخل الأمر من رواسب الصراع بين عائلات قريش المختلفة.

ولو اخذنا المرحلة العباسية فبأي وصف مذهبي يمكن ان نطلق عليها، واسمها نفسه يحمل ايحاءات لا لبس فيها من آل البيت، كما أن اعظم سلاطينها لم يكونوا على منوال واحد، بل ان واحدا من أكبر الائمة وهو ابن حنبل تعرض لمحنة معروفة تحت ضغط المعتزلة والخليفة المأمون، الذي يعد مع والده الرشيد من اعظم زعماء هذه المرحلة..

وبالمحصلة، فقد بدا الانقسام المذهبي يظهر مع ضعف الدولة العباسية بسبب تناوب السيطرة عليها بين السلاجقة الاتراك والبويهيين..

وكان أبرز تعبير (قومي عربي) مضاد لهذه المرحلة ما تمثل بدولتين ناصرتا آل البيت وتشيعا له بشكل أو بآخر، هما الدولة الحمدانية العربية بزعامة سيف الدولة الذي كان العدو الأول لروما البيزنطية وضم بلاطه شعراء وفلاسفة كبار، امثال المتنبي وأبي فراس الحمداني..

اما الدولة العربية الثانية فهي الدولة الفاطمية التي توجت تشيعها ببناء جامعة فاطمة الزهراء (تحولت إلى الأزهر في عصر صلاح الدين الأيوبي) وامتدت إلى مناطق مصر وبلاد الشام..

وعندما سقطت هذه الدولة العربية المتشيعة، حل الأكراد الأيوبيين محلها ولم يقدموا انفسهم كمسلمين وحسب، بل تمذهبوا على غرار الفاطميين، ولكن بتبني ما بات يعرف بالتسنن وفرضوه على المنطقة..

ولو اخذنا شرق الأردن مثلا لعرفنا أن كبرى قبائل (جند الأردن) وهي قبائل عاملة اليمانية وكانت ركنا أساسيا من الجيش الفاطمي، رفضت التسنن الأيوبي، وهاجرت إلى جنوب لبنان وبعلبك والهرمل اللبناني، واطلقت اسمها على أكبر جبل في الجنوب وهو جبل عامل، كما اطلقت اسماء القرى التي كانت تعيش فيها شرق الأردن على مواطنها الجديدة، ومن ذلك الكرك والطفيلة وغيرها في البقاع.

ولا تزال الثقافة الشعبية الأردنية غنية بدلالات الثقافة الشيعية الفاطمية كما في المثل الشعبي( الله وعلي معك) وكقولهم عند الاستخارة ( الله – محمد – علي).

وعدم الغسل يوم الاثنين تكريما لدم الحسين الذي قتل في مثل هذا اليوم.

وسبق أن ذكرنا أن ولاية الفقيه هي من اختراع الشيخ علي الكركي قبل الخميني بقرون.

:::::

 “العرب اليوم”