الرأسمالية المضاربة – الحلقة السادسة –

خاتمة

المبادرة الوطنية الأردنية

20/5/2014

” تجزي بلا حساب وتعاقب بلا رحمة”

الهدف من هذه السردية، حول جذور الرأسمالية المضاربة، التي امتدت على مساحة خمس حلقات ، هو فهم ما يجري اليوم على الصعيد العالمي والإقليمي من كوارث وأزمات وصراعات، وفهم العلة والسبب لهذه الويلات التي تجتاح المجتمعات والدول، من خلال فهم محاولات المركز الرأسمالي فرض تحول وهمي قسري يتمثل في محاولة بناء بنية رأسمالية مضاربة، بالرغم من عدم توفر شروطها الموضوعية والتاريخية، واستحالة توفر شروط موضوعية لها في المستقبل، ففهم هذه المحاولة البائسة هي المفتاح الحقيقي والشرط الرئيس لفهم ما يجري  من إضطرابات عالمية، خلال الثلاث العقود الأخيرة.

حاولنا عبر هذه السردية متابعة تاريخ المضاربات واشكالها، عبر عدة قرون، وحاولنا الإضاءة على التحول الذي طرأ على بنية الرأسمالية العالمية، بعد إنهيار المعسكر الإشتراكي، وإنفاذ توافقات واشنطن، بداية تسعينات القرن الماضي، تحولات عبّدت الطريق أمام طغمة الرأسمال المالي لتوحيد السوق العالمي تحت هيمنتها من جانب، ومن جانب أخر محاولتها فرض بنية رأسمالية مضاربة على السوق الرأسمالي العالمي، حيث نجحت إلى حدٍ كبير في توحيد البنى الفوقية، من تشريعات وقوانين وأنظمة السوق، وآلية عمل السوق، بواسطة أدوات المركز الرأسمالي العالمي: صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية، ولكنها عجزت عن توحيد البنى التحتية، قوى الإنتاج.

سردنا نشؤ ظاهرة المضاربات في السوق الرأسمالي منذ الثلث الأول من القرن السابع عشر، وحاولنا الإجابة على جملة من الأسئلة أهمها:

 ما هي الرأسمالية المضاربة؟ وكيف تشكلت؟

هل تحققت، أم ما زالت تخوض معركة بنائها، أو تحللها قبل أن تستقر؟

تعرّف الرأسمالية المضاربة بكونها تطور في وظيفة الرأسمال المالي من رأسمال مموّل للإنتاج في قطاعاته المختلفة: الصناعة والزراعة والتكنولوجيا .. الخ، إلى رأسمال مموّل لفعاليات المضاربة على كافة الفعاليات الاقتصادية المالية ( الأسهم والسندات) والخدمية (العقارات وتكنولوجيا الاتصالات ) والإنتاجية (السلع والبضائع).

لنصل في نهاية هذه السردية إلى مجموعة من الإستخلاصات، تبدو بالنسبة لنا هامة جداً، ونرجوا أن تشكّل إطاراً للنقاش بين كافة المعنيين والمهتمين وأصحاب المصلحة الحقيقية، وكل من يناضل من أجل الاستقلال الوطني الناجز- إنجاز مهمات مرحلة التحرر الوطني – من شرائح وطنية كادحة ومنتجة والنخب الوطنية المنتمية، والإشارة بقوة إلى خطورة التشويه الايدولوجي وتزييف الوعي الذي تمارسه ما يسمى القوى اللبرالية على الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة، وتسويق قوى التبعية في المعارضة وفي السوق مقولة “أن حل الأزمة التي تعيشها الدول التابعة تكمن بالمزيد من الإندماج في السوق الرأسمالي العالمي” والخضوع لآلية السوق، هذا السوق الذي يظهر وجهه القبيح والمتوحش بوضوح خلال الأزمات.

أهم الإستخلاصات:

إستخلاص أساس  – في رأينا – نطرحه للنقاش، ونعتقد أنه قد  توضّح إلى حدٍ ما في سياق هذه السردية، جوهر هذا الإستخلاص ” غياب أي فرصة جدّية لنشؤ نظام رأسمالي مضارب ”  بسبب  تناقض  قاعدة إرتكاز – الرأسمالية  المضاربة – تقوم على مبدأ وهمي ” الثروة تنتج الثروة ” مع قانون الطبيعة الحقيقي ” العمل يخلق الثروة”.

يبدو أن طغمة الرأسمال المالي قد نجحت، إلى حد ما، في توحيد البنى الفوقية للسوق الرأسمالي العالمي – توحيد التشريعات والقوانين والأنظمة وآلية السوق – ولكنها لم تنجح ولن تنجح في توحيد البنى التحتية – قوى الانتاج – أساس وقاعدة أي بنية أو تشكيلة إقتصادية -إجتماعية.

أي أن الرأسمالية المضاربة لم تتشكل ولن تتشكل في سياق تطور طبيعي، وجميع محاولات الطغمة المالية فرض هذا التحول بالقوة كلف ويكلف البشرية الكثير من المعاناة والدماء والحروب الأهلية القذرة، ومنها الحروب التي تجري على ساحتنا العربية والساحات الأخرى اليوم، من خلال سياسة غسل الدماغ القائمة على إنفاذ فرضية ” صناعة القبول وثقافة القطيع ” المتبعة بكثافة في وسائل الإعلام، حيث يتم تحريض الغرائز البدائية عند مجاميع بشرية تحركها غرائز وثقافات ما قبل الحضارة، تجلب هذه المحاولة الكثير من الويلات على البشر قبل هزيمتها النهائية، وتخلي طغمة رأسالمال عن هذا المخطط الهمجي.

أدخلت الطغمة المالية المضاربة في السوق المالي، نهاية ثمانينات القرن الماضي،  شكل جديد من أشكال المضاربات لم تكن معروفة سابقاً، تحت مسمى المشتقات المالية، التي يعرّفها صندوق النقد الدولي ”  المشتقات المالية هي عقود تتوقف قيمتها على أسعار الأصول المالية محل التعاقد ولكنها لا تقتضي أو تتطلب استثماراً لأصل المال في هذه الأصول. وكعقد بين طرفين على تبادل المدفوعات على أساس الأسعار أو العوائد، فإن أي انتقال لملكية الأصل محل التعاقد والتدفقات النقديه يصبح أمراً غير ضروري ” أي فرض قانون جوهره “الثروة تخلق الثروة” على الضد من قانون الطبيعية،  أن “العمل هو من يخلق الثروة”.

تداعيات الإنهيارات المترتبة على المضاربات تصيب بشكلٍ مباشرٍ وعنيفٍ دافعي الضرائب من الشرائح الكادحة والمنتجة في الدول الرأسمالية، أولاً، وتعطل الدورة الإقتصادية للمجتمع، وتسحب رؤوس اموال كبيرة من الدورة الاقتصادية، وخاصة من قطاعات الانتاج وقطاع الرعاية الإجتماعية في الدول الرأسمالية، وأن تداعياتها تكون مدمرة على الشرائح الكادحة والمنتجة، والشرائح الفقيرة الحدّية، وتعطل دورة الاقتصاد الوطني في الدول التابعة.

المضاربات تعاود إنتاج الكوارث والدمار، كما سبق وتم وصفه خلال عقود أربعة من الزمن، وسرد العشرات من الإنهيارات،  فلماذا لم يتم تحريم وتجريم المضاربات من قبل المركز الرأسمالي العالمي، كما  تجرّم وتحرّم تجارة المخدرات قانونياً؟ لنصل إلى نتيجة مفادها أن المضاربات هي ظاهرة أصيلة تكمن في بنية الرأسمالية منذ نشؤها، ولذلك لا يمكن القضاء على ظاهرة المضاربات ألاّ من خلال إنهاء بنية الرأسمالية ذاتها.

أنتجت تطبيقات سياسات الطغمة المالية نتيجة تطبيق توافقات واشنطن،  إنزياحات هائلة للثروة من يد الدول ليد الشركات العملاقة متعدية الجنسيات، ومن يد المجتمعات ليد أفراد وعائلات، فأفقرت المجتمعات وتراكمت الديون على الدول، وأخذت الأزمات تتنقل عبر ممرات إجبارية من سوقٍ إلى آخر، وترابطت تداعيات الإنهيارات، بسبب  تحرير التجارة والمعاملات المالية، وهيمنة الشركات متعدية الجنسيات على القرارات الدولية، ففرضت هذه الشركات على الدول خصخصة القطاع العام أينما وجد وسيطرت عليه، وفرضت رفع الحماية الجمريكية على الدول التابعة من خلال الإنفتاح التجاري، وفرضت إجراء تغير جذري في دور الدولة ( رفع يد الدولة عن التدخل في آلية السوق، ورفع الدعم عن المواد الأساسية للشرائح الكادحة ) وفرضت سياسة خفض العجز في موازنات الدول على حساب الطبقات الكادحة والمنتجة، مما أحدث تحول اقتصادي إجتماعي، ومما عمق تشوهات  التشكيلة الإقتصادية – الإجتماعية للمجتمعات الرأسمالية.

 إملاءات أدوات المركز الرأسمالي العالمي: الصندوق والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية على الدول خلق البئية الملائمة لفوضى السوق ولإنفجار الأزمات، وتسليع البشر بأبشع صوره وعلى أوسع نطاق، ولم تكن بهذه البشاعة والوحشية كما هي الآن.

يتضح مدى هيمنة الرأسمال المضارب على الاسواق من حجم الرأسمال العامل في المشتقات (المضاربات)، بحسب الإحصاءات التي بينت ارتفاع حجم التداول بالمشتقات (المضاربات) على اختلاف أنواعها ، فمن حوالي 15 تريليون دولار خلال الفترة من 92 – 93 لتصل إلى نحو 45 تريليون في نهاية 1994 ، ثلاثة أضعاف، إلى حوالي 600 تريليون دولار نهاية سنة 2008 ، أربعون ضعف، مقارنة مع 60 ترليون دولار عاملة في القطاعات المنتجة، أي أن الرأسمال المضارب إلى الرأسمال العامل في الإنتاج يبلغ عشرة أضعاف.

قبل تسعينات القرن الماضي، ومنذ القرن السابع عشر، حدوث إنهيارات بسبب المضاربات في بعض الأسواق لم يكن يفرض بالضرورة انتقالها إلى سوق آخر، كما تم سردها في الحلقات السابقةً، وذلك بسبب طبيعة الاسواق الرأسمالية القومية المغلقة أنذاك، بينما نجد هذا الترابط بقوة اليوم منذ بداية تسعينات القرن العشرين، أي إنتقال الإنهيار من سوق إلى بقية الأسواق، بالفعل وفي الواقع،  بفعل وحدة السوق الرأسمالي العالمي.

ظاهرة المضاربات كما اسلفنا في الحلقات السابقة، تكمن في جوهر البنية الرأسمالية، أي أن هذه الظاهرة باقية طالما بنية النظام الرأسمالي قائمة، كون مبدأ الرأسمال وأولويته هي البحث عن الربح تحت عنوان ” أولوية الربح وثانوية قيمة البشر” وبسبب هذا الهدف فأن الرأسمال يخضع السلع والخدمات والأسهم لقانون المضاربات كما ويخضع البشر أنفسهم للمضاربات.

زيف مقولة قوى التبعية في الحكم وفي السوق وفي المعارضة بإمكانية الإعتماد على الإستثمارات الخارجية من أجل إنفاذ خطط تنمية وطنية، فهذه الجولة عبر عقود من الزمن تثبت بلا مجال للشك بأن ما يسمى رؤوس أموال الإستثمار ما هي إلا عبارة عن ” رؤوس أموال تراويح ” أي رؤوس أموال تتجول بين الاسواق من أجل المضاربة والربح والهرب، ولا تدخل في مجالات التنمية الحقيقية إطلاقاً لا في بلدانها ولا في بلدان الإستضافة،

التنمية الوطنية الحقيقية تستند أساساً على إحداث التراكم الرأسمالي الوطني وعلى إحداث التراكم المعرفي بشقية التقني والثقافي.

إضاءات في النهاية:

تم التعرف على تاريخ المضاربات وأهم الأحداث التي حصلت، والآدوات المستعملة والنتائج المدمرة المترتبة علىيها على كافة  الصعد: الإجتماعية والإقتصادية والتنموية.

 دحض مصطلحات ومفاهيم يتم تداولها في الإعلام وعند بعض النخب الساذجة أو النخب التابعة، مثل سهولة الأرباح من خلال المضاربات، أو الخسائر الوهمية، أو الإقتصاد الإفتراضي … الخ.

أموال المضاربات، هي أموال حقيقية (وليس إفتراضية، بغض النظر عن شكلها) مسحوبة من الدورة الإقتصادية، وبالتالي ضررها كبير على العملية التنموية للمجتمعات، وخاصة على خطط التنمية في الدول النامية التابعة، حيث  أرقام الخسائر الهائلة التي إستهلكت في مضاربات مثلاّ أزمة عام 1929 في الأسواق المالية الأمريكية، في أسبوع واحد بلغ إجمالي الخسارة 30 مليار دولار، في ذلك الوقت رقم خيالي، أو في خسائر سوق المناخ في الكويت 1982 فعندما طلبت وزارة المالية تحويل شيكات المضاربات الآجلة كي تتم تسويتها، كان هناك (( 29 ألف شيك آجل، بقيمة تصل إلى (94) مليار دولار، على أكثر من ستة آلاف مضارب، وهو رقم يفوق العجز المالي للولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وبريطانيا وفرنسا في هذه السنة، بل إن الشيكات المحررة بواسطة ثمانية من أكبر المضاربين بلغت قيمتها 55 مليار دولار، وهو رقم يساوي ضعفي احتياطيات المملكة البريطانية في عام 1980 أنذاك.

خسائر المضاربات، من المضحك القول إنها غير عادلة، حيث خسرت “الإستثمارات” الأمريكية في الأزمة الآخيرة، أزمة ما يسمى الرهن العقاري عام 2008 حوالي 20% ، بينما بلغت نسبة خسائر “الإستثمارات ” الأوروبية 40%  ، فيما بلغت خسائر “إستشمارات ” صناديق السيادة العربية 70%.

المضاربات تتم على كل شيئ من زهرة التيولب ممروراّ بالعقار والأسهم  إلى المضاربة بالغذاء والدواء والطاقة والمعادن، وكما في سوق المناخ المضاربة على المضاربة ذاتها، وصولاً إلى المضاربة على البشر ذاتهم.

يفرض المضاربون – مسببي الأزمات – على الحكومات  تحمّل كلف المضاربات، حيث يتم إزاحت هذه الكلف على كاهل الشرائح الكادحة والمنتجة، بحجة حماية الاقتصاد الوطني، حيث يتم دعم المؤسسات المالية والبنوك التي موّلت المضاربات، من جيوب دافعي الضرائب الضحايا، ويظهر ذلك بشكل جلي في إنزياح الثروات من يد الدول لصالح الشركات العملاقة المتعدية الجنسيات، ومن يد المجتمعات لصالح الأفراد ( الدول مديونة والشركات تراكم رؤوس الأموال، المجتمعات مديونية وأفراد يراكموا ثروات).

وفي الختام لا يمكن معالجة هذه الظاهرة، ظاهرة المضاربات بتحريمها وتجريمها، بل بإلقضاء على النظام والبنية ألتي تكمن فيها الظاهرة حيث تنشأ وتنمو، أي القضاء على المنظومة الرأسمالية ذاتها.

” كلكم للوطن والوطن لكم “