أبو هريرة أم جاكسون؟ أخرجوا على خطاب التبعية

عادل سمارة

بعد تهنئة سوريا ببطولة الانتخابات عالمياً.

لا يكتمل تحرير الأرض إذا لم يُقرن بتحرير اللغة والخطاب والثقافة بما فيهنَّ الإعلام. والإعلام هو أقلُّهن قيمة وتاريخيةً بل وأكثرهن ضرراً إن لم يجد ويفرز فرسانه الحقيقيين.

أتناول هنا زاوية محددة من خلل قاتلٍ في الإعلام العربي وخاصة منه الإعلام المقاوِم. وهو خلل لا بد مرتبط بالسياسيين والمثقفين ، سواء كصدىً لهم، أو بين الطرفين تغذية راجعة أو كدليل لهم.

فمنذ أن بدأ ضخَّ المسلحين إلى سوريا بغض النظر عن جنسياتهم ومن ثم تنظيماتهم، حصلت متابعات لدور هؤلاء وكُتب الكثير عنهم وعن من ورائهم بمختلف أشكال التجنيد والتسليح والتمويل والتعبئة الثقافية (تلغيما وتفخيخاً).

لكن أكثر ما يلفت في التعاطي مع هؤلاء المجلوبين من أكثر من ثمانين دولة هو تركيز كل من الإعلام والساسة والمثقفين على المجلوبين من دول المركز الرأسمالي الإمبريالي الغربي وخاصة فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة. لا أضيف اليابان إلى ثلاثي الإمبريالية  العدوة بالطبع، فهي لا تختلف عن الغرب الراسمالي، ولكن في هذه الحالة ربما لأن العرب والمسلمين فيها قلة نادرة.

إن التعاطي السياسي والإعلامي تعاطٍ يقوم على التشكي والنصائح والتحذير. وهذه ليست لغة:

·        لا المقاوم

·        ولا المنتصر

·        ولا من يعمل على تأسيس خطاب ومستقبل مختلفين يليقان بالتحدي الذي لن يتوقف وبالتضحيات وبحجم مصالح العدوان وحقده.

منذ ربما سنة يتكرر الحديث عن المجلوبين من الغرب الراسمالي بأنهم قنابل موقوتة وسيعودون إلى الغرب ليمارسوا الإرهاب وبأن على الغرب أن ينتبه لهذا. كما يتم احصاء أعدادهم، مثلا من بريطاني 700 أو من فرنسا 600، أو أول انتحاري من الولايات المتحدة أبو هريرة او نموش القاتل في بلجيكا…الخ.

هذه النصائح المجانية، يركلها الغرب بقدمه قبل ان تصل شواطئه. ومعذرة على هذه اللغة القاسية. وسبب هذه القساوة ما يلي:

أولاً: هؤلاء ليسوا من الغرب  الراسمالي الأبيض به هم في الغرب الرأسمالي البيض.

ثانياً: هؤلاء عرب ومسلمون يحملون جنسيات دول غربية . قد يكون هناك بعض الغربيين اصلا ربما واحد في المئة.

ثالثاً: هؤلاء من جيل “المجاهدين” في أفغانستان او جيل جديد منهم لم يكونوا سوى عرب ومسلمين.

رابعاً: هؤلاء إذن يأتون بوضوح عبر علاقات مع مخابرات الدول الغربية وأدوار محددة.ولذا لا يحتاج الغرب “للشاطر حسن” في هذه الفضائية أو تلك ليخبره بأن هؤلاء سيعودون إليك مفخخين.

خامساً: من لم يسمع عن القدرات التكنولوجية الغربية في ضبط الحدود الأرضية والسماوية وباطن الأرض فليس جاهزاً للانتصار. ومن يعرف هذا ويغض الطرف عنه، فعلينا أن نسأله لماذا؟ هل هو فقط لنظم بكائيات على ابواب العدو الاستعماري الراسمالي الغربي الذي لا يحتاج دموعك. لقد وقع كثيرون من البسطاء، في ما يعرفه الخبثاء، بأن اعتقد البسطاء ان عزمي بشارة وهو قوميسار سياسي وثقافي للثورة المضادة في سوريا، اعتقدوا بأن عزمي خرج دون أن يراه الكيان الصهيوني. وزعم هو انه نُفي! وهذا حال المفخخين الذين يزعمون التسلل عبر السماوات والمحيطات ونقاط الحدود.

سادساً: هؤلاء من تمفصلات تنظيم القاعدة الذي خلقته المخابرات الأمريكية والغربية. كنت أراهم يزورون جريدة العرب في لندن في طريقهم إلى افغانستان في أعوام 1984-87.

سابعاً: لذا ليس لهؤلاء شأنا ضد الكيان الصهيوني منذ توليدهم مخابراتياً غربيا وحتى الآن وهذا يؤكد على أن إسلامهم ليس عربياً.

ثامناً: قيادات هؤلاء تفتح بوعي ومعرفة في علاقاتها مع المخابرات الغربية، ومعظم هؤلاء يتبعون إسلاماً لا علاقة له بالأصل اي الإسلام العربي.

تاسعاً: لا شك أن من يرسلونهم أو من يُسهِّلون لهم الخروج إلى سوريا تحت تسميات الجهاد والنفير…الخ يدركون تماما الأثر الراجع لبعض هؤلاء وهم جاهزون لدفع الثمن أو ثمن مراقبتهم ولكنهم، أي المخابرات والساسة الغربيين يقيسون المسألة بقواعد الاقتصاد الراسمالي Cost-benefit الكلفة-الفائدة. وحتى الآن، فإن الفائدة أعلى من الكلفة لأن هدف تدمير سوريا اثمن آلاف المرات من أرواح عشرات ومئات وآلاف الغربيين البيض الذين قد يُقتلون من تفخيخ هذا اوذاك لنفسه في باريس وشبيهاتها من عواصم راس المال. ألم يُقتل ملايين الجنود البيض في حملات الاستعمار/الإمبريالية وليس آخرهم القتلى في فيتنام والعراق وأفغانستان.

لذا، حدثوا الناس بلغة أخرى تقوم على مضمون آخر وعلى شكل آخر. لغة تقول بأن هؤلاء يُرسلون رسميا ومخابراتياً من الغرب الرأسمالي. هم ليسوا غربيين بل هم من تمفصلات المهاجرين العرب والمسلمين إلى الغرب. وبأن هؤلاء لم يتكيفوا مع ثقافة الغرب ولا حضارته، وتحوصلوا على أنفسهم هناك وأخذوا من هناك فرص جمع المال وأكل اللحم الحلال، وحرية الحركة، ولكنهم تحت عيون الغرب تماماً.

هناك يعيش ملايين العرب والمسلمين. صحيح أن المهيئين للتفخيخ قلة، وقلة غالباً تجندها المخابرات هناك. ولكن في أوساط الأكثرية كثيرون يكرهون الغرب ليس من مدخل ثوري تقدمي اشتراكي مثلاً، بل من مدخل تكفير الغرب بنمط حياته وثقافته بل ويحلمون باحتلاله وضمه للإسلام! ولكنهم بالطبع “يتمتعون” بكل ما توفره لهم الحياة هناك. يعيشون كحاقدين ولكن لا يفضلون العودة إلى مواطنهم لأن الحياة هناك افضل، ويبررون البقاء زاعمين بأنهم مقدمات “للفتح الإسلامي هناك”! ولو كانوا ضد الغرب الاستعماري الدموي لما بقوا هناك أو لانضموا للقوى التقدمية هناك.

تشترط اللغة الجديدة والخطاب او المحمول الجديد التأكيد بان هؤلاء المفخخين يأتون من خلال برنامج رسمي مخابرات غربي، علينا إدانته ومواجهته وليس تقديم النصح والتشكي له لأن في هذا استهبال للعربي تحديداً.

والأمر أخطر، إنه تبرئة غير مباشرة للقيادات السياسية وللطبقات الحاكمة المالكة في الغرب لأنها هي التي تدير الحرب اساساً.

قرأت التالي في مقالة عن هؤلاء المفخخين:

” وتشكو الشرطة من فراغ ذات اليد قضائيا لإثبات «جهاد» من نفروا إلى سوريا واعتقالهم. فليس بوسع الأجهزة الأمنية، قانونيا، أن توقف من يسافر إلى سوريا، أو تمنع خروجه من الأراضي الفرنسية. ولم يمنع تهديد السلطات البريطانية نزع الجنسية عن «الجهاديين» من توجههم إلى سوريا. فلكثرة الجمعيات الإنسانية التي يبذل الأوروبيون في سبيلها المال والعون، أصبح «الجهاد» السوري، في ما يتعدى السلفيين وشبكاتهم، يملك واجهة يعمل خلفها الكثيرون.”

هل يصدق ذو عقل هذا البكاء؟ هل كل هذا إعجاب بما يسمى “القانون” في الغرب؟ أليست أجهزة الأمن فوق القانون هناك؟ أوفر واقعة واحدة هنا. فمنذ عشرين سنة كتبت الصحف البريطانية أن عمداء الجامعات هناك يقدمون تقاريراً مفصلة ومتواصلة عن الطلبة الأجانب فيها؟ كيف تقوم بذلك دون شبكة مخابرات؟ هذا إلى جانب شبكات المخابرات المرتبطة بالمخابرات نفسها.

وهذه التبرئة مثابة تكريس لخطاب استدخال الهزيمة وتزكية تبعية خطابنا لخطابهم وتكريس العجز عن توليد خطاب جديد يقوم على تفكير مختلف وثقافة التصدي والحياة مقاومة وعلى أن يكون ما  هو آت مشروع تحدي للتبعية باشكالها العديدة وعلى راسها تبعية الخطاب.

وإذا كان السياسي والإعلامي لا يزال مضمَّخاً بالدونية للغرب الراسمالي، فإن المطلوب قوة خطاب ثقافي تكرس نقد ودحض تهالك هؤلاء وبناء خطاب جديد. ولحظة المقاومة هي الأنسب.

أخرجوا على هذا الخطاب التابع بخطاب مقاوِم ومتأصل في الطبقات الشعبية التي ترفض الغرب الراسمالي بفطرتها وتقاومه بجسدها وجوعها. قدموا لها رؤية تقول لها من هي وما هو وطنها وأين مصلحتها، وما هي ثقافتها، وكيف تصوغ مستقبلها.

ضعوا امام كل مفردة مفردة وكل مصطلح مصطلح، وكل كذبة صدقاً، وكل توهيم واقعاً:

الشر ق الأوسط وشمال إفريقيا بديله الحقيقي الوطن العربي المغرب والمشرق

سوريا بديلها الحقيقي سوريا الكبرى او بلاد الشام بل كل الهلال الخصيب

الإسلام الطوراني والأمريكي والوهابي، بديله الحقيقي الإسلام العروبي

الإسلام الطائفي بقيادة طبقة الإكليروس بديله الإسلام بلا رهبانية.

الدولة الفلسطينية بديلها فلسطين التاريخية كجنوب سوريا

الحياة مفاوضات بديلها الحياة مقاومة

الدولة القُطْرية بديلها الدولة الوحدوية (لجميع المكونات عربا وأمازيغ وكردا…الخ)

الدول العربية المستقلة بديلها الحقيقي المقاومة والتنمية والوحدة

ما أكثر ما يتطلب التصحيح بل الاستبدال الجذري.