الأيام الأولى لنكسة حزيران

رد على اتهامات تظلم عبد الناصر

كمال خلف الطويل

تخرصات كثيرة تخرج من بعض العقول المضادة للثورة، كلما اقترب يوم الخامس من حزيران. والهدف منها تشويه سمات رجل ما فتئ ظله منبسطاً على أفق الأوطان في أمته.

أحدهم، وهو على حبل صداقة وود مع أصدقاء يثير عدداً من الأضاليل ومنها:

1 – يتهم عبد الناصر ـ العارف بحتمية الهجوم الإسرائيلي، بل وبموعده ـ بحرمانه قواته المسلحة من فرصة الهجوم الاستباقي مفضلاً «الانصياع» للتحذيرات الأميركية والسوفياتية بعدم البدء بالاشتباك.

إن كان للأمر من وصف فهو أنه حكمةٌ وبعد نظر، لسببين: إن أوضاع الطيران المصري بالذات كانت كفيلة بهزيمة في السماء مريرة تحصد لا الطائرات فقط بل وطياريها… هذه أكيداً معرفة راجعة، أي تبينت بالمليان بعد وقوع الهزيمة.

والسبب الثاني والأهم، ان بدء الاشتباك هو دعوة قاطعة للولايات المتحدة للتدخل السافر والشامل نصرةً لإسرائيل، وهو ما لا قِبَل لأحدٍ به.

الأمثل والأصوب أن تُمتص الضربة المعادية الأولى بما يكفل القدرة على ضربة مضادة وازنة ومبررة… ثم إن صدقي محمود، قائد الطيران وصفيّ المشير، أجاب عندما سئل عن نسبة خسائره في حال هوجم بالقول إنها 15 ـ 20 في المئة، وهي في حدود الاحتمال.

والمذهل أن صدقي تحجج بعدم توافر المخصصات المالية لبناء حظائر للطائرات، فيما تكلفة جهد كهذا شديدة التواضع بالقياس لما اعتاد على إنفاقه.

2 – يزعم أن عبد الناصر أمر بتخفيض حمولة الطائرات من الذخيرة بنسبة 25 في المئة والسماح لـ 15 في المئة من الطيارين بالإجازة اعتبارا من 5 حزيران. وهذا كذب صريح.

3 – يزعم أن عبد الناصر أصدر أمرا للمشير وللشافعي بركوب الجو في الخامس من حزيران إلى سيناء، فالحق أن المعتاد من توقعات الضربات الجوية الكبيرة في تاريخ الحروب الحديثة هو أن تبدأ إما مع أول ضوء أو مع آخر ضوء.

ذاك الصباح الأغبر، انطلقت طائرة الشافعي وبصحبته طاهر يحيى ـ في الثامنة صباحا – أي مع انتهاء الإنذار وسطوع قرص الشمس، ثم لحقه المشير إلى الجو في الثامنة والنصف، ليفاجأ الأول على الأرض والثاني في السماء بالموجة الأولى من طيران العدو.

كان قرار المشير، بعد إخطار عبد الناصر له ولقادته في الثاني من حزيران، بأن العدوان آت في الخامس، لذا سيكون هو على رأس قواته في ميدان سيناء في اليوم نفسه ليقودها من هناك.

النقطة الأساس في هذه المسألة هي معرفة العدو برحلة المشير وموعدها، ومن ثم خروجه عن مألوف مواعيد البدء، ليتصاحب انطلاق الضربة مع كون المشير عالقاّ بين السماء والطارق، فيما قوات الدفاع الجوي مغلولة اليد عن التصدي خشية إصابة طائرته بنيران صديقة.

واقعة معرفة الموعد وواقعة تغيير الشيفرة صباح الخامس وواقعة عدم إيصال معلومة تحرك قوات العدو البرية أمام القسيمة، قبل الهجوم الجوي بساعة وثلث، كلها تشير إلى أن جاسوساً كان منزرعاً في أوساط المشير المباشرة.

4 – أما قصة إرسال مئات الدبابات لسيناء من دون أمر ضرب نار، وأن دبابات شيرمان الغربية قد حصلت عليها مصر «سرا» قبل فترة وجيزة من الحرب، فأكاذيب تنضح بطبيعة مروجيها…

5 – وان تحرك القوات لسيناء كان هيصةً بجلاجل، فهو ما قاله المشير نفسه لأركانه عند زيارته الأولى لسيناء يوم 20 أيار حيث وصفه بأنه «بلدي أوي زي تحرك الجيش عام 36».

المشير هو المسؤول الأول والأخير عن تردي جاهزية القوات سواء للحشد أم للقتال بعده… وهو نفسه الذي شعر بضرورة تغيير كل قادة الفرق المحتشدة لفشلهم في الاحتشاد ـ قام بذلك يوم 25 أيار ـ ليستبدلهم بخليط من قادة، ثلاثة أكفاء: عبد العزيز سليمان قائد الفرقة السابعة مشاة، والذي استشهد في رفح في اليوم الأول، وعبد القادر حسن قائد الفرقة السادسة الآلية، وسعد الشاذلي قائد المجموعة الخاصة… والأخيران استطاعا الانسحاب بقواتهما بأخف الأضرار، فيما قبالتهم أربعة قادة من الذين أخفقوا اخفاقاّ جسيما، وبالأخص منهم نديم المشير عثمان نصار قائد الفرقة الثالثة الآلية، وسعدي نجيب قائد فرقة المشاة الثانية، وصدقي الغول قائد الفرقة المدرعة الرابعة، وعبد المنعم حسني قائد فرقة غزة.

6 – أما أم الكوارث، أي الانسحاب، فحكايته تقطع بمسؤولية المشير المنفردة عن كارثيته. الانسحاب بذاته هو الإشكالية، فمن البديهي، وبعد أن فقدت القوات البرية غطاءها الجوي، أن تثبت على خط تجهيزاتها الهندسية أطول مدة ممكنة، ثم تنكفئ إلى خط الدفاع الأخير.

ما جرى هو أن وقائع الميدان مع ظهيرة الثلاثاء السادس من حزيران أومأت إلى انكسار فرقة المشاة السابعة، التي انفلشت بين رفح والشيخ زويد، ما سمح باختراق المحور الشمالي والتمدد على خط الساحل، ثم تواقت ذلك مع حصار الموقع الأوسط من الخط الهندسي الأول – القسيمة – وتهديد جانب فرقة المشاة الثانية هناك.

هنا اضطرب تفكير المشير لدرجة الشلل، بعد تحطم طائرته، فاستدعى رئيس أركان الحرب – والذي كان يكرهه لدرجة شل فعالية دوره الوظيفي – الفريق أول محمد فوزي ورئيس هيئة العمليات الفريق أنور القاضي، وكلفهما بإعداد خطة انسحاب، وأبلغ عبد الناصر هاتفياً بنيته الانسحاب وبتكليفه الأركان بإعداد الخطة، فثنّى الأخير بالموافقة. عاد فوزي والقاضي في حدود الثالثة بعد الظهر ليبلغاه بتفاصيل خطة انسحاب على أربع ليال وثلاثة أيام، تقف بعدها القوات على خط المضائق.

صعق فوزي وهو يسمع المشير يقول: «أنا خلاص، أعطيت الأمر لقادة الفرق بانسحاب تام على 24 ساعة وعبر القنال إلى غربها، وأمرت قائد الجيش الميداني وقادة الوحدات بقطع الاتصال معي… إنه أمر نهائي».

كان ذلك عند الثالثة من عصر السادس… لم يصدق بعض أشاوس المشير آذانهم، ففروا بجلودهم واصلين إلى الإسماعيلية، أنشاص، مع صباح الأربعاء السابع من حزيران. ثم ان المشير ساوره الندم على تسرّعه بالانسحاب، فقام بأمر الفرقة الرابعة المدرعة – جوهرة العسكرية المصرية – لتعود أدراجها عبر القنال بأمل تثبيت خط المضائق.

ما بين صباح الخامس إلى عصر السادس، استشهد مئات من العسكريين المصريين، فيما انضاف عليهم أكثر من 9000 شهيد ما بين عصر السادس وفجر التاسع، بسبب الطريقة الخرقاء والمجنونة التي أدار بها المشير وشمس بدران الانسحاب.

7 – الملامة الكبرى على عبد الناصر أيام الحرب – ولا أتكلم عن الفترة السابقة لها – هي أنه لم يتولَ بنفسه مقاليد القيادة العسكرية حال تيقنه من فداحة الضربة الجوية الإسرائيلية، لا سيّما وقد لمس بنفسه مدى هشاشة وضع المشير النفسي والذهني بعد عودته لمقره بالقاهرة.

:::::

“السفير”