الرئيس ترومان عارض إنشاء دولة يهودية

واقترح دولة ثنائية القومية في فلسطين عام 1946

سعيد عريقات

قال الكاتب الأميركي اليهودي جون جودس (يهودا) الخميس 5 حزيران 2014 أن الرئيس الأميركي السابق هاري ترومان (1945-1953) عارض فكرة إنشاء دولة يهودية في فلسطين وقدم اقتراحا متكاملا عام 1946 لقيام دولة ثنائية القومية، لا تلقب عربية ولا يهودية في فلسطين، تقام على نموذج الولايات المتحدة، ولكنه رضخ لضغوطات اللوبي الصهيوني الأميركي الذي ازداد قوة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وهدد بمعارضة الحزب الديمقراطي في الانتخابات النصفية لعام 1946.

جاء ذلك في ندوة نظمها مركز فلسطين في واشنطن بمناسبة الذكرى السابعة والأربعين للعدوان الإسرائيلي في الخامس من حزيران 1967 القدس والضفة الغربية وقطاع غزة والجولان وسيناء في عرضه لكتابه الجديد “التكوين: ترومان، والأميركيون اليهود وجذور الصراع العربي الإسرائيلي” قائلاً  “إن ترومان لم يتحمس أبداً لفكرة إنشاء دولة يهودية وأخرى عربية في فلسطين، وبعد حوارات مكثفة مع وزير خارجية بريطانيا آنذاك هنري بيفن، أوفد ممثله لبعثة الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية هنري غريدي إلى أوروبا حيث انكب مع نظيره البريطاني هربرت موريسون، الذي شغل منصب نائب رئيس وزراء بريطانيا، حيث قاما بصياغة اقتراح متكامل لقب باقتراح “خطة موريسون غريدي” في شهر تموز 1946؛ يفند سلبيات إنشاء دولة، أو دول على أسس دينية أو عرقية، ويطرح بالمقابل نموذجا فدراليا في فلسطين، يقوم على أساس إنهاء العنف من قبل اليهود والعرب ضد بعضهم البعض وضد جيش  الانتداب البريطاني، وترفع بريطانيا حظرها العلني  لهجرة اليهود إلى فلسطين، والسماح  بهجرة 100,000 يهودي في وقت واحد إلى فلسطين، وأن الفكرة لقت تقبلاً حتى من الزعيم اليهودي ديفيد بنغوريون ألذي أصبح أو رئيس وزراء، والعديد من الشخصيات الصهيونية  البارزة آنذاك مثل آينشتاين وبراندايس ومئات الآخرين”.

وأضاف جودس في محاضرته (كما يشرح في كتابه المكون من ثلاث أجزاء و16 فصلاً (400 صفحة) “كان ترومان كذلك ينظر لوعد بلفور بعين من الريبة كون أنه اعتبر أن هذه وصفة لصراع طويل الأمد سيستمر لسنوات طويلة، وأنه (ترومان) كان يرغب في تكريس جهوده لمواجهة المد الشيوعي والسوفييت والحرب الباردة التي كانت قد انطلقت للتو ولا يرغب بوضع قوات أميركية في فلسطين لحفظ تعايش دولتين بعد الحرب العالمية الثانية التي كلفت الأميركيين الكثير آنذاك”.

ولكن تعاضد الظروف التي خدمت الفكر الصهيوني الساعي لقيام دولة  يهودية، “خاصة وأن العالم كان مصعوقاً أمام ما تبين عن حجم فاجعة المحرقة والحل النهائي (لمشكلة) اليهود الذي مارسته ألمانيا النازية من جهة، وكون أن أحداً (من الدول الغربية) لم يرغب في السماح لملايين اليهود من الهجرة إلى بلاده، ودعم فكرة قيام دولة يهودية في فلسطين وتقديم المساعدات اللازمة لضمان استمرارها، وهو ما أعطى حيوية وقوة مالية وسياسية للوبي الصهيوني الذي قاده آنذاك الحاخام آبا سيلفر؛ وهو حقيقة أول من اكتشف أسلوب الضغط السياسي الحقيقي على السياسيين الأميركيين خاصة وأنه في ذلك الوقت كان هناك أكثر من 200,000  ناخب يهودي يصوتون للحزب الديمقراطي في ولاية نيويورك لوحدها، حزب السلطة آنذاك، ويرجح كفة أغلبيتها في الكونجرس الأميركي في الانتخابات النصفية المقبلة (انتخابات الكونجرس تشرين الثاني 1946) مما أثار حفيظة الديمقراطيين الذين بدورهم  مارسوا ضغوطات جمة على الرئيس هاري ترومان لعدم العمل بخطة موريسون غريدي”.

ويصف جودس الذي أراد من وراء كتابه “سرد  القصة الحقيقية لفشل الولايات المتحدة المزمن في رعاية حل سلمي عادل للصراع العربي الإسرائيلي” كيف أن الحاخام سيلفر نظم حملة مكثفة أرسل فيها 35,000  رسالة من اليهود الأميركيين إلى ترومان تعارض “خطة موريسون غريدي” وتؤيد فكرة إنشاء إسرائيل وتطالب ترومان بدعم هذه الفكرة وتهدد بانتخاب الجمهوريين وإن “ترومان أخبر السيناتور كلود بيبر (رئيس لجنة العلاقات الخارجية): لقد وضعت هذا الكم الهائل من الرسائل على مكتبي وتأملت مذهولاً أمامها” في حين لم يكن هناك ولا رسالة واحدة تدعم فكرة الدولة الفدرالية ثنائية القومية.

وفند جودس النظرية التي تروج لها الحركة الصهيونية بأن الرئيس الأميركي الثالث والثلاثين هاري ترومان كان مناصراً منذ البداية لفكرة قيام دولة إسرائيل اليهودية في فلسطين وهذا ما دفعه للاعتراف بإسرائيل قبل أي دولة أخرى، قائلاً “تراجع ترومان عن فكرة خطة موريسون غريدي على مضض وتحت ضغوطات جمة، وظل يحمل هذه الفكرة؛ فكرة حل الدولة الفدرالية ثنائية أو متعددة القوميات في فلسطين حتى بعد إنشاء إسرائيل وكان يعتبر أن إيجاد حل لقضية اللاجئين الفلسطينيين يجب أن يعطى الأهمية اللازمة  وشرح  أن “ترومان اعتنق الفكر الصهيوني الداعم بالمطلق لفكرة إسرائيل بعد إنشائها؛ في بداية الخمسينات بعد أن روج له اللوبي الصهيوني كبطل إنشاء إسرائيل”.

ولا يخفى على جودس الذي يتناول في كتابه دور اللوبي الصهيوني في تغير موقف ترومان بالتحديد، “استمرار الرؤساء الأميركيون في ممارسة السياسة نفسها – باستثناءات بسيطة، وهو بالضبط ما يتعرض له الرئيس باراك أوباما اليوم”.

وفي معرض رده على سؤال وجهته القدس بخصوص مستقبل اللوبي اليهودي الأميركي المعارض لقيام دولة فلسطينية مستقلة ويعرقل “عملية السلام” من خلال دعم الاستيطان قال جودس “لا أرى أن اللوبي سيضعف أو يغير من مواقفه بالنسبة لقضية حل الصراع العربي الإسرائيلي، على الرغم من ازدياد حركة الاحتجاج اليهودية الأميركية ونشوء منظمات مثل جي ستريت الداعمة لقيام الدولتين”. وحول الدور الأميركي في هذه العملية “إذا كان لحل الدولتين أن يقام، وهو الحل الوحيد حقيقة، فلا بد من قرار أميركي حاسم يفرض هذا الحل على إسرائيل ويضع زخم الولايات المتحدة ورائه”.

يشار إلى أن كتاب جودس يأتي في سلسة من الكتب التي تفضح دور اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة كان آخرها كتاب اليهودي الأميركي بيتر باينارت “أزمة الصهيونية”.

:::::

“القدس”، فلسطين المحتلة