«جهاديو» سوريا لم يعكّروا صفو الانتخابات:

عجز ميداني.. أم خوف من خسارة الحاضنة الشعبية؟

عبد الله سليمان علي

 

أنجزت الانتخابات الرئاسية في سوريا من دون أن تعكّرها منغّصات ذات طابع دموي (لم تعد المنغصات غير الدموية تثير الاهتمام في سوريا)، برغم أن جميع الأطراف، موالاة ومعارضة ومسلحين، كانوا يتحسبون ليوم الانتخابات، متخوفين من حمّام دم قد يفتح صنابيره طرفٌ أو آخر لحسابات ودوافع مختلفة.

وبرغم سقوط عشرات قذائف الهاون على دمشق، إلا أن ذلك لم يؤدّ إلى تنغيص العملية الانتخابية، التي يمكن القول بعد انتهائها إنها جرت في ظروف أمنية «غير سيئة» بالنسبة لما تشهده البلاد من حروب ومعارك منذ ثلاث سنوات ونيف.

فهل كانت الفصائل، مثل «جبهة النصرة» أو «أحرار الشام» أو «جيش الإسلام» أو «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) عاجزةً عن استهداف هذه الانتخابات، وتعكير صفوها بالدم؟ أم كانت هناك أسباب أخرى وراء عدم الاستهداف؟

يصعب التصديق أن الفصائل، منفردة أو مجتمعة، كانت عاجزة عن تنفيذ عمليات ضد مراكز الاقتراع المنتشرة في نواحي البلاد، لاسيما إذا أخذنا بالاعتبار أنه قبل أيام فقط نفذت «جبهة النصرة» وخلال أربع وعشرين ساعة حوالي تسع عمليات انتحارية، توزعت بين جبل الأربعين وريف حماه ومدينة حمص، بينما ذكر «داعش» أنه نفذ حوالي سبع عمليات انتحارية في ريف حمص الشمالي.

في المقابل لا يعني ذلك أن هذه الفصائل كانت قادرة على تنفيذ عمليات انتحارية ضد مراكز الاقتراع من دون أن يكلفها الأمر ثمناً غالياً لم تعد قادرة على تحمل أعبائه، لجهة الرد العسكري من قبل الجيش السوري الذي أوجعها سابقاً مقابل عمليات قامت بها.

كما تدرك هذه الفصائل، التي تتناحر في ما بينها في المنطقة الشرقية، أن الجيش السوري يملك الكثير من أدوات التأثير على مسار صراعها مع بعضها، أو لجهة رد فعل «الحاضنة الشعبية» التي تعرضت خلال الفترة السابقة للكثير من التشققات في بنيتها، ما جعلها غير قادرة على تحمّل استهداف حشود الناخبين أو تبريره بأي شكل من الأشكال، لذلك سمعنا عدداً من التصريحات الصادرة عن قادة فصائل، على رأسهم رئيس «الهيئة السياسية في الجبهة الإسلامية» حسان عبود وصلت إلى درجة التطمين بأنها لن تقوم بأي عملية خلال فترة الانتخابات. وهي بالتأكيد لم تكن تسعى إلى طمأنة النظام، وإنما كانت تريد تبرئة ذمتها أمام من بقي من حاضنتها الشعبية كي لا تخسره في حال قرر فصيل آخر الإقدام على عملية ما.

لكن يبدو أن الأمر أبعد من موضوع القدرة أو العجز، إنه موضوع تبدل أولويات وتغير قناعات، فلم يعد «إسقاط النظام» هدفاً ملحّاً لدى الفصائل التي تحوّل همها، في ظل حروبها ضد بعضها البعض، إلى الحفاظ على نفسها وحماية مناطق سيطرتها من الفصائل الأخرى، بل يمكن القول إن «إسقاط النظام» أصبح هدفاً منسياً مقابل إحياء هدف إسقاط الفصائل لبعضها، وأصبح كل فصيل يرى الأولوية في إسقاط الفصيل الآخر، معتبراً «إسقاط النظام» غير ممكن قبل ذلك.

ويعزز من ذلك أن الموقف من الانتخابات، وكيفية مواجهة إجرائها، كان ملتبساً بل مزدوجاً، وقد يكون تصريح رئيس «الائتلاف السوري» المعارض أحمد الجربا وتحذيره من «تفجيرات سيقوم بها النظام في مراكز الانتخاب، طالباً من السوريين التزام منازلهم»، خير تعبير عن هذه الازدواجية الملتبسة. فهل تصريحه تحذير فعلي مما يمكن أن يقدم عليه النظام، أم أنه غطاء مسبق قدّمه الجربا لأي جهة تخطط لاستهداف العملية الانتخابية وتطمينها بأن المتهم بالتفجيرات سيكون النظام وليس أحداً سواه؟

ومع ذلك بقيت المراكز الانتخابية خارج دائرة الاستهداف طوال اليوم الانتخابي الطويل الذي امتد حتى منتصف ليلة أمس الأول، ولم تتبرع أي جهة أو فصيل بارتداء الغطاء المجاني الذي قدّمه الجربا.

وبرغم أن غالبية هذه الفصائل كانت محرجة أساساً من واقع إجراء الانتخابات، وكانت ترغب في عرقلتها، إلا أنها كانت تريد أن تأتي العرقلة من غيرها كي لا تضطر هي إلى دفع الثمن.

:::::

“السفير”