في مواجهة صنّاعٍ الفوضى والإرهاب

ليبيا الدولة المستباحة

توفيق المديني

توهم الليبيون ومعهم العرب أن الشعب الليبي أنجز ثورة حقيقية عندما أسقط نظام العقيد القذافي عن طريق تدخل «حلف شمال الأطلسي»، الذي كان يستهدف وضع الولايات المتحدة الأميركية يدها على النفط الليبي، (ومعه الغاز)، باعتباره السبب الرئيس والوحيد وراء الغزو الأطلسي الذي أريد منه إعادة تشكيل الجغرافيا والسياسة الليبية لضمان السيطرة على البلاد. ولكن بعدما أفاقت ليبيا من نشوة الانتصار على الديكتاتور، وجدت نفسها منذ اندلاع أحداث 17 شباط 2011، تعيش فوق فوهة بركان الإرهاب والتهريب والسلاح وعجز الدولة عن إصلاح نفسها، وأن طريق الحرية وبناء الدولة المدنية الديموقراطية التعددية التي وعد بها المجلس الوطني الانتقالي، بعيدة المنال في ظل عملية استبدال سلطة الديكتاتور الراحل بسلطة الميليشيات المسلحة، التي تدفع البلاد نحو حرب أهلية ستذوق لوعتها لسنوات طويلة.

في الفترة الأخيرة، أصبحت هذه الميليشيات المنتمية في معظمها إلى مجموعات مرتبطة بتنظيم «القاعدة» تفرض قوانينها على الحكومة والبرلمان بقوة الخطف والقتل والاقتحامات والتخريب. ومؤخراً، انتقلت لفرض ما تريده على الدول عبر اختطاف سفرائها وديبلوماسييها واشتـراط الإفـراج عنهم مقابل إطلاق هذه الدول أعضاء من «القاعدة» معتقلين لديها، كما حصل مع اختطاف السفير الأردني فواز العيطان لإجبار الأردن على إطلاق محمد سعيد الدرسي – الليبي من «القاعدة» – والمحكوم بالسجن بعد ثبات تورطه في محاولة تفجير «مطار الملكة علياء الدولي» برفقة ثلاثة آخرين العام 2007. وقبل الأردن كانت مصر هدفاً للسيناريو نفسه، إذ جرى اقتحام السفارة المصرية في كانون الثاني الماضي واقتياد السفير المصري مع أربعة ديبلوماسيين آخرين مختطفين إلى جهة مجهولة، ولم يُفرج عنهم إلا بعد رضوخ مصر لمطالب الميليشيات بإطلاق القيادي الإخواني الليبي شعبان هدية الملقب بـ«أبو عبيدة الزاوي»، وهو قائد ميليشيا تدعى «كتائب ثوار طرابلس»، واعتقل في مصر بجريمة تفجير مبنى مديرية أمن القاهرة في كانون الثاني الماضي. ولم يتوقف إرهاب الميليشيات الليبية هنا، بل امتد إلى تونس، حيث اختطفت مجموعة ليبية تطلق على نفسها «كتيبة الشباب التوحيدي» ديبلوماسيين تونسيين، وهي كتيبة تضم عديد الجنسيات ولها فروع في كل من ليبيا وتونس ومصر ولبنان وبلدان عربية أخرى، وهي متفرعة من تنظيم «أنصار الشريعة» المتشدد المرتبط بتنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي». وتنفذ هذه الكتيبة عملية الاختـطاف بهدف الحصول على مبالغ مالية ضخمة، ومطالبة السلطات التونسية بإطلاق سراح السجينين الليبيين المتورطين في عملية الروحية الإرهابية بتونس، وهما: حافظ الضبع المكنى بأبـو أيوب، وعماد اللواش المكنى بأبو جعفر الليبي، إلى جانب المطالبة ببعض الليبيين من الإرهابيين الذين نشطوا بجبل الشعانبي، وأسهموا في بعض العمليات الإرهابية، وهم حاليا قيد السجون التونسية. ولا تستبعد السلطات التونسية أن يكون وراء عملية اختطاف الدبلوماسيين التونسيين الإرهابي التونسي الرقم واحد أبو عياض زعيم تنظيم «أنصار الشريعة»، المصنف منذ شهر آب 2013، تنظيماً إرهابياً.

لا شك بأن ليبيا تمر بمرحلة انتقاليـة صعـبة، بعدما ورثت مؤسسات دولـة ضعيـفة وفي ظل غـياب الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وفشل «المجلس الوطني الانتـقالي» والحكومة الليبية الحالية في كبح جماح الميليشيات المنتشرة على كامل التراب الليبي، والتي تمارس عمليات النهب المنظمة لثروة الشعب الليبي من نفط وغيره، وهذا ما يجعل الشعب الليبي يعيش مع تركة قاسية جداً.

وكانت السلطات الليبية الجديدة، ممثلة بالمجلس الوطني الليبي، وبتحريض من الإسلاميين المتشددين والفوضويين، قد أقرت قانون العزل السياسي القاضي بإقصاء كل من تولّى مناصب في النظام السابق ولو أسهم في المعارضة والثورة، وكان من ضحايا ذلك رئيس المجلس نفسه محمد المقريف، وكذلك العديد من قيادات الجيش الليبي إبان نظام معمر القذافي، بالرغم من أن بعضهم شارك في الثورة التي أطاحت هذا الأخير، لا سيما اللواء خليفة حفتر الذي حررته وكالة المخابرات المركزية الأميركية «سي أي ايه» بطريقة غامضة بعد أسره في تشاد ومنحته الولايات المتحدة حق اللجوء السياسي على أراضيها في نهاية عقد الثمانينيات من القرن الماضي، وهو متهم بهزيمة القوات الليبية أمام القوات التشادية. وتعتبر بعض الأطراف حفتر لاعباً أساسياً لأميركا في ليبيا، وقد مارست واشنطن ضغوطاً على الأطراف الليبية من أجل القبول بدور أساسي له، لأنه يمثّل ضمانة سياسية للولايات المتحدة.

ضمن هذا السياق من الفوضى وتراكم الأزمات والاضطرابات في ليبيا – وسط حالة من العجز التام من بقايا الدولة عن بسط سيطرتها على أجزاء من العاصمة الليبية طرابلس، ناهيك عن دولة مترامية الأطراف مثل ليبيا – تدخل جزء من الجيش الليبي تحت قيادة اللواء حفتر مدعوماً من القوات الخاصة في بنغازي، ومسنودًا من شريحة من الشعب الليبي التي سئمت حالة اللادولة واللاثورة، لكي يضع حدّاً للانفلات الأمني الذي تشهده البلاد. وأعلن اللواء حفتر أنّ العملية ترمي إلى «تطهير» بنغازي من «المجموعات الإرهابية»، وفق ما ذكر متحدث باسم القوة التي يقودها ويطلق عليها اسم «الجيش الوطني».

ما يجري في ليبيا له تداعيات كبيرة على الصعيد الإقليمي، إذ تتزايد مخاوف دول تونس والجزائر ومصر من تعرضها لهجمات إرهابية جراء تهريب الأسلحة وتسلل الإرهابيين إليها من جارتها ليبيا، التي تشهد اشتباكات ضارية بين متشددين إسلاميين والجيش الليبي. ففي الجزائر، أعلنت حالة الاستنفار القصوى على الحـدود بعد تدهـور الأوضاع الأمنية في ليبيا، حيـث اعتبرت الأزمة الليـبية من «أخطر أزمات المنطقة». وكانت الجزائر قد أعلنت الحدود الليبية ـ الجزائرية منطقة عسكرية في إطار تشديد الرقابة وتجنب تسلل إرهابيين إلى التراب الجزائري وصد أي محاولة تهديد إرهابية. فيما تتابع تونس أحداث بنغازي بتخوف شديد، وتسعى لتفادي الانعكاسات السلبية المتوقعة، حيث تخشى من تدفق عدد جديد من اللاجئين الإضافيين على ترابها، مثلما حصل خلال شهور الاقتتال التي أدت إلى إطاحة النظام الليبي. كما تتوجس من احتمال انتقال الخلافات بين الليبيين إلى تونس، بفعل وجود عدد كبير من أنصار الطرفين دائماً فيها.

أما على الصعيد الدولي، فقد أسهمت الأحداث المتلاحقة في ليبيا في تسريع وتيرة التقارب بين واشنطن والقاهرة عبر عدة مؤشرات، منها تسمية سفير أميركي جديد لمصر بعد فراغ في رأس البعثة الديبلوماسية الأميركية منذ أغسطس الماضي. ويعد تطابق وجهات النظر بين البلدين إزاء خطورة الأوضاع في ليبيا بعدما أصبحت السلطة المركزية في طرابلس على وشك الانهيار، أحد أهم العوامل التي أعطت هذا التقارب زخمًا متزايدًا. وتشير مصادر ديبلوماسية أميركية إلى أن الإدارة الأميركية وصلت إلى قناعة بأن الفراغ في السلطة داخل الدولة الليبية يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي للولايات المتحدة بدأ بقتل سفيرها في بنغازي وتصاعد مع تقارير الأجهزة الاستخباراتية حول استيلاء المليشيات المسلحة على مخازن السلاح الأميركي المكدس بمعسكرات أقامها البنتاغون لتدريب الجيش الليبي ثم أغلقها على أثر تصاعد الاضطرابات في أنحاء البلاد.

وتفيد التقارير الغربية بأن الغضب بلغ مداه لدى قيادات الجيش الأميركي، لا سيما بعدما أصبحت قوات «المارينز» جنوب البلاد هدفاً سهلاً لعناصر «القاعدة» التي تعيش أكثر عصورها ازدهاراً، كما أن عناصر من القوات العراقية التي يدربها الأميركيون في الأردن تنضم لتنظيم «داعش» الذي انتقلت بعض كوادره إلى ليبيا لتتخذها نقـطة انطـلاق للقيام بعمليات داخل الأراضي المصرية. وبحسب هذه التقارير، فإن جنرالات «البنتاغون» أكدوا للرئيس باراك أوباما أنهم بحاجة إلى استعادة العلاقات القوية مع الجيش المصري، حيث إنه يمثل الحليف القوي القادر على مواجهة امتدادات «القاعدة» على «الجبهة الليبية»، شريطة عدم التخلي عنه وتركه يخوض وحيداً المعركة ضد الإرهاب.

:::::

“السفير”