ميشيل كيلو…

الإفلاس من مواجهة الديموقراطية بالديموقراطية!

صادق النابلسي*

 

يحبّ ميشيل كيلو تقديم نفسه على الدوام شخصية إشكالية. من الثقافة واليسار ومواجهة الإمبريالية والاستبداد إلى متعهد (معايير) لدى التحالف الدولي ضد سوريا. استخدم كامل عبقريته السياسية والفكرية لتأويل وتبرير مسار الجماعات الإرهابية المسلحة التي أبلت بلاءً جيداً في دعم الديموقراطية في بلده! ولكي يصبح شريكاً موثوقاً في عملية التغيير الديموقراطي التي تعاني اختلالاً رؤيوياً وأخلاقياً ووظيفياً، كان لا بد من التماس مساعدة غيبيّة ونفطية من ملوك وشيوخ (أم القرى).

الرجل الأممي، رئيس اتحاد الديموقراطيين السوريين يعيد قراءة أفكار هوبس السياسية على ضوء المتطلبات السعودية في مسعى لمنح الثقة للجماعة المعارضة التي ينتمي إليها، وينتابها حالياً قلق من التحولات في موازين القوى الإقليمية والدولية، ومن الانهيارات في صفوف مسلحيها ونخبة أفرادها الذين تزعموا فاشيّات ريفيّة وإمارات همجية!

كيلو الذي صرف وقتاً طويلاً يفكّر في بلده الذي عانى فيه ومن داخل سجونه بسبب قمع الحريات وتكلس المحركات السياسية، لم يجد غير أنظمة ملكية قروسطية سخيفة، وغير تحالف إمبريالي متعجرف لمساعدته على إسقاط النظام الحالي. لكن ليس بالمجان، بل على أن يُستبدل كما يعلم هو علم اليقين بأنظمة، وعلى تدمير دولة، على أن يُستعاض عنها بدويلات، وعلى تقسيم شعب لكن على أن يتم استيلاد شعوب سهلة الانقياد والخضوع. كيلو يقدم الوهم الذي صنعته الإدارة الأميركية له ولأمثاله من المعارضين على قدرة المواطنين السوريين وكفاءاتهم بالتحكم في رهاناتهم وخياراتهم السياسية. لا يرى في الانتخابات الرئاسية ديموقراطية، ولا في المشاركة الشعبية مثالاً حديثاً تتأسس عليه شرعية الحكم الجديد، لأنّ التطلب الديموقراطي بحسب الوصفة الأميركية يجب أن يتلاءم مع أشخاص يُعلنون استعدادهم لإيكال السيادة إلى الخارج. ويُظهرون الشجاعة لتسوية (تصفية) القضية الفلسطينية، وفك التحالف مع إيران وحزب الله، وبناء «رابط سياسي» تقع إسرائيل في وسطه.

كيلو ورفقاؤه يراكمون قدراً كبيراً من التذمر على حصائل الأزمة. ثلاث سنوات والنتيجة خيبات متواصلة وتحلل مريع في أوساط الائتلاف السوري وتحالف الوحوش الدولي بزعامة الولايات المتحدة الأميركية الذي أعطى لنفسه الحق الحصري بمنح شهادات للدول في الديموقراطية والشرعية.

 سيقول هؤلاء جميعاً إنها لفكرة رهيبة أن يبقى الأسد على رأس السلطة بعد كل هذه الحروب الخفية والمعلنة، وأنّ الانتخابات ليست سوى مسرحية ذميمة متهافتة، وأنّها منزوعة الشرعية، وإهانة مبرّحة للشعب السوري، وصناديق الاقتراع لن تعكس إلا صورة الوهن التي عليها النظام وغير ذلك من أقوال لا وجه لها سوى اليأس والإفلاس من مواجهة الديموقراطية بالديموقراطية. كيلو ورفاقه يقفون اليوم بين حقيقتين شديدتي الاختلاف. نريد الديموقراطية ونرفض الانتخابات، اللهم إلا إذا جاءت بواسطة ضغط خارجي مساند يمهد الطريق له ولخلّانه لاعتلاء سدة الحكم، ولو كان في الأمر مسّ خطير بالسيادة والحرية وأهليّة الشعب السوري لاختيار ممثليه. كيف يمكن لشخص بقامة كيلو الثقافية أن ينخرط في مسار النفاق الأميركي، وهو العارف أن الدمقرطة كما يقول أحد المسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية «هي عملية يسيّرها أعضاء المجتمع، المواطنون … وإذا حاولت أميركا أو غيرها فرض زخارف الديموقراطية على بلد، فإنّ النتيجة لن تكون ديموقراطية ولن تدوم. والطريقة الوحيدة لكي تتجذر الديموقراطية هي أن تكون محلية الصنع». فما باله يفضل قوة مهيمنة غازية على إرادة شعبية حرة فقط لأنها تجري عكس ما تشتهيه رغبته. وهو الذي دفع به مشهد الحشود الصاعدة إلى مقر السفارة السورية في اليرزة إلى حالة من الهذيان عندما صرح بأنّ حزب الله عمد إلى تهديد السوريين اللاجئين في لبنان بأنّه سيقصف مناطقهم إذا لم يصوّتوا للدكتور بشار الأسد. مع كيلو وأخلّائه في الائتلاف، يكتشف المرء أنّ السياسة لم ترتق إلى هذا المستوى من الأكاذيب والضحالة والغش والخداع إلا عندما بدأ زمن جديد من النزق والهذيان باسم الثورة السورية بقيادة معارضين على شاكلته!

 * كاتب وأستاذ جامعي

:::::

“الأخبار”