هكذا انتصر الشعب السوري.. رفضا..و فرضا

العميد د. امين محمد حطيط

احتل يوم الثالث من حزيران 2014 موقعا بارزا في سجل تاريخ سورية و الشرق الاوسط و العالم، حيث سجل النصر المعقد المركب، فكان فيه رفض سورية للتبعية و الاملاء، و فرضها لمسارات تخرجها و تخرج المنطقة من الازمة – العدوان عليها. ففي هذا اليوم اجرت سورية انتخابات تعدت في مفاعليها انتخاب رئيس للجمهورية العربية السورية، لتصل الى مستوى حسم الحرب الكونية التي شنت على سورية و المحور المقاوم الذي تنتمي اليه، حرب قادتها اعتى الدول و اغناها و اقدرها في العالم، رمت الى وضع اليد على سورية و شرذمتها و مصادرة قرارها و ثرواتها و استعباد شعبها، و تفكيك محور المقاومة خدمة للمشروع الصهيواميركي الذي يعتقد اصحابه جازمين بان نجاحه في المنطقة رهن باسقاط سورية من موقعها الاستراتيجي الذي صنعته لنفسها بقيادة حكيمة قيضت لها منذ 44 عاما فاستثمرت الجغرافيا السياسية السورية، لتنشئ فضاءا استراتيجيا حيويا يتعدى حدودها. لقد صمدت سورية لنيف و 40 شهرا و احتوت العدوان و افشلته، و ترجمت انتصارها لا بل كللته بانتخابات رئاسية استثنائية بكل ابعادها و مفاعيلها. فاذهلت المراقبين و دفعتهم للبحث عن اسباب نجاحها، و تحديد ما سيترتب عليها من اثار.

و الان و انطلاقا من متابعة غير منقطعة لمجريات الحرب – العدوان و ما رافقها من مواقف على شتى الصعد من جهة، و ما قابلها من مواقف الدفاع و المقاومة، و بحثا عن العوامل التي صنعت بيئة الانتصار و مكنت من تسجيله نرى ان سورية حشدت للمواجهة ما كانت اعدته للدفاع سابقا و ما توفر لها من اسبابه حاضرا و نذكر هنا بشكل خاص:

1) انشاء الدولة العميقة في سورية، و هي الدولة التي اتقن بناءها الرئيس الراحل حافظ الاسد، الذي نظر بواقعية للامور و اعرض عن بناء دولة – الشخص كما هو مألوف في العالم الثالث، ليبني دولة المؤسسات اللصيقة بالشعب، القائمة على توزيع المهام الوطنية و تكاملها مع توسيع قواعدها، و شحنها العقائدي بالفكر القومي و الوطني القائم على العنفوان و التمسك بالحقوق و القرار المستقل والاستعداد للتضحية من اجل ذلك بشهر سيف الحق بوجه اي عدوان مهما كان مصدره و اهدافه. و هنا يحضرني سؤال وجه الي منذ 20 عاما من قبل اجنبي غربي يبحث عن “مصير سورية بعد حافظ الاسد “، فقلت له “ستبقى سورية و تستمر امتدادا و تراكما لانجازات الاسد لان في سورية دولة عميقة مبنية على المؤسسات “، و قد اكد الرئيس بشار بقيادته للدولة الاستمرار في التطوير و تراكم الانجازات، فجاء الشعب الى صناديق الاقتراع ليصادق على حسن المسيرة و يفوض الرئيس بمتابعة البناء على النهج القومي ذاته الذي برع به، بوصفه قائدا لدولة عميقة لا تهزها ريح من هنا او اعصار من هناك، او حريق من هنالك..

2) بناء القوة العسكرية القادرة على الدفاع، قوة امتكلتها سورية بذاتها و عززتها بتحافلتها، فمكنتها من صنع المعجزات في الميدان بشكل اجهض العدوان و اسقط اوراقه الواحدة تلك الاخرى حتى بات مسدود الافق عقيم الاهداف. و في هذا نذكر كيف ادارت سورية معركتها الدفاعية فحللت اهدافها الى مستويات ثلاثة : استراتيجي و عملاني و امني، و جاءت منجزاتها العسكرية لتحقق النصر الاستراتيجي بقطع الطريق على العدوان و منعه من تحقيق غرضه باسقاط سورية و بشكل نهائي، ثم تحقيق 70% من المطلوب في الميدان و بقيت النسبة الاخرى مسألة وقت فقط، و يبقى المستوى الامني المتمثل في ملاحقة الارهاب و تنظيف الاوكار و الجيوب مسألة تتشارك فيها سورية مع كل المنطقة و العالم.

3) شجاعة الشعب السوري وصموده و وعيه، الذي ساعد في فضح اكذوبة “الثورة” و اطهار حقيقة العدوان خارجي عليها.و لذلك نستطيع ان نقول ان الشعب قام بثورة حقيقية عبر عنها بتوجهه الى صناديق الاقتراع، رافضا ثورة مزورة صنعها و لفقها الخارج مستعملا ادوات رخيصة داخلية او اقليمية.

لقد اتقنت سورية بناء و استعمال مثلث القوة ذاك فتمكنت من الصمود و النجاح في الحرب الدفاعية حيث تمكنت من :

1) احتواء الهجوم و استيعابه، و المحافظة على الدولة بهيكليتها القادرة على ادارة الدفاع، و المتمنكة من حشد القوة في الداخل و الخارج، و قد تجلى ذلك في تماسك الجيش و قدرته الميدانية، و ثبات الجسم الدبلوماسي و فاعليته ما افسح المجال امام الحلفاء الاستراتجيين او الظرفيين من تقديم المساعدة و المعونة، اذ لو لم تصمد سورية لما تمكن احد من مد يد العون لها في الخارج.

2) استعادة ثقة من تزعزعت ثقته بالدولة في بداية الحرب. فبعد ان تمكن المعتدي من شويش افكار بعض الشرائح السورية ما دفع البعض الى الانضواء تحت راية العدوان، و نقل البعض الاخر الى منطقة رمادية، انقلبت الصورة و تمكنت سورية عبر صمودها و انجازاتها الميدانية الاعجازية و المصالحات التي قادتها مواكبة مع مواجهة الحرب النفسية و الاعلامية، تمكنت من التأثير على المغرر بهم ما ادى الى ضمور الطبقة الرمادية و تعزيز الاغلبية الساحقة التي تتمسك بدولتها و لهذا و جدنا كيف ان الاستطلاعات التي اجرتها اجهزة مخابرات دول العدوان سجلت تصاعدا في شعبية الرئيس بشارالاسد متدرجة من 55 الى 62 الى 73 الى 78 %، و هذا هو السبب الرئيسي الذي جعل قيادة العدون تصر على رفض الانتخابات و تتمسك بالمرحلة الانتقالية التي يعين الحكام فيها بعيدا عن الارادة الشعبية.

3) نجاح الدولة في مسك الارض الاساسية ذات الثقل الديمغرافي، و ربط المناطق ذات الثقل الاستراتتجي للدولة، ما مكن من استيعاب النازحين من مناطق الاشتباك في الداخل، و احتضانهم و هنا يجب ان لا ننسى بان الملايين السبعة الذين يجري الحديث عن نزوحهم، تم استيعاب 80% منهم في الداخل السوري و خرجت من الارض السورية نسبة 20% فقط، الامر الذي مكن الشعب السوري رغم نزوحه ان يمارس حقة الانتخابي بهذه الكثافة التي لم تصل اليها بلدان الغرب في افضل الظروف الامنية و المعيشية.

هذه الحقائق فرضت واقعا فرضه الشعب السوري على الجميع و الزم بالتعامل معه بوصفه ثوابت لا يمكن التغافل عنها مؤكدا :

1) ان الرئيس بشار الاسد هو المِعلَم الوطني الذي اختاره الشعب السوري قائدا له و بالتالي ان اي ادعاء لتمثيل الشعب بعيدا عن الرئيس الاسد انما هو تزوير و انتحال صفة ينبغي ان يتم التصدي لها بكل الوسائل. فالرئيس بشار الاسد هو وحده المخول بالنطق باسم الشعب السوري و هو المخول وضع الحلول و اتخاذ القرارات باسم الشعب، و ما كان يمكن القبول به او ان يصح القول به قبل الانتخابات لجهة الحلول و التسويات و تعيين جهات تمثل الشعب بالاضافة الى الرئيس او بعيدا عنه، بات الان غير ممكن العمل به او قبوله تحت اي مسمى. خاصة و ان الانتخابات فضحت جماعة نزلاء الفنادق منتحلي صفة ثوار و تمثيل الشعب، و اظهرت هزالهم و حقيقتهم بانهم حفنة من العملاء الساقطين الذين لا يمثلون احدا في سورية.

2) ان من يحارب الدولة السورية و يسلح الارهابين في سورية هو عدو للشعب السوري ينتهك امن سورية و استقرارها و قد اسقطت الانتخابات و فضحت زيف مقولة ” النظام الذي يقتل شعبه ” و اظهرت حقيقة ساطعة بان النظام يحمي شعبه و يدافع عنه بوجه العدوان، اما من يقتل الشعب فهو من يرفع السلاح بوجه الدولة او يسلح الارهابيين.

3) ان من وقف الى جانب الحكومة السورية و ساعدها في قتال الارهابيين انما هو نصير حقيقي للشعب السوري و هنا يتأكد الدور القومي و الاخلاقي لحزب الله في تقديم المساعدة الميدانية لسورية في الحدود المعروفة.

ان الانتخابات الرئاسية السورية حسمت كثيرا من الامور الهامة، و باتت مسارات حل الازمة واضحة المعالم و هي كما كان الرئيس الاسد يقول منذ الايام الاولى للعدوان، مساران متكاملان من فرعين اصلاح سياسي يتولى شأنه السوريون عبر حوار يديرونه بينهم على ارض سورية دونما تدخل اجنبي و اكدت الانتخابات وجوب اجرائه بقيادة الرئيس بشار الاسد المجدد تفويضه شعبيا، و مسار امني عسكري تتولى الجانب الداخلي منه القوات العربية السورية بقيادة الرئيس بشار الاسد بوصفه القائد العام للجيش و القوات المسلحة، يساعدها من تطوع من الحلفاء ضمن الممكن (طالما ان الحرب كونية ) و تتولى الجانب الخارجي منه دول الجوار السوري بضبط حدودها و منع الارهابيين من التسلل عبرها و منع امدادهم بادوات القتل و الاجرام، كما تساهم فيه بقية دول العالم خاصة من شارك في العدوان على سورية باي وجه من الوجوه، مساهمة هدفها تجفيف مصادر الارهاب. و قد باتت عمليات المواجهة الان اكثر سهولة و يسرا بعد ان اعطت الانتخابات زخما كبيرا لها، اذا ان هناك تبادلا في التأثير بين الميدان و السياسة فكما ان الميدان ساهم في صنع بيئة النجاح السياسي فان الانتخابات تساهم في توفير فرص افضل للانتصار في الميدان.

و اخيرا لا بد من التأكيد على ان الانتخابات شكلت استفتاء عاما على اكثر من موضوع يعني سورية و المنطقة، فقد اكد الشعب السوري هوية سورية الواحدة، و موقعها و مستقبلها و رفض اي تدخل خارجي من اي نوع و طبيعة بما يتصل بها باستثناء ما ذكرنا، و على هذا الاساس ينبغي ان تحترم الامم المتحدة ارادة الشعب السوري، و لا تجهد نفسها في الاعداد لمؤتمرات خارج سورية بحثا مظنونا عن حل سلمي تدعيه، و عليها ان لا تهدر وقتها في تفسير البيانات و الوثائق من جنيف 1 او سواها، و لا ترهق نفسها في البحث عن خليفة للاخضر الابراهيمي المستقيل الفاشل في التسويق للمشروع الصهواميركي، فكل ما تطلبه سورية من الامم المتحدة هو العمل على احترام ميثاقها هي و تمنع التدخل الاجنبي في الشؤون الداخلية السورية، و تجفف مصادر الارهاب الوافد الى سورية من 83 دولة اجنبية، و ما عدا ذلك فان سورية قادرة على ادارة امورها بنفسها بعد ان اثبت شعبها شجاعته و ابهر العالم في تمسكه بسيادته و قراره المستقل و سورية ليست بحاجة الى دموع التماسيح التي يذرفها اعداء الشعب السوري الذين ينتحلون صفة صديق و يعقدون المؤتمرات باسم اصدقاء سورية، ثم يأتون اليها بسلاح فتاك او غير فتاك لقتله كما تعمل اميركا و اتباعها.

:::::

“الثورة”، دمشق