هزيمة مقدمة لهزيمة الموقف

عادل سمارة

بدءاً من المفردة وعموم اللغة وما تحمله اللغة من حمولة او محمول، من هذه جميعاً، يبدأ إما تطويع الذهن لصالح قضايا فكرية نظرية ومواقف معينة وإما تطويره بها ومن خلالها.

هذا يعني ان ما نسمعه وما يحاول البعض زرعه في عقولنا إيجابا أو سلبا يشترط علينا وقفة حذر ونقد معه كي لا نصبح اسرى لما يناقض واقعنا أو نغدو أدوات تكرار لما هو جيد ولكن دون فهم.

ويكون الحذر من الطروحات السياسية واجب أكبر واشد من الطروحات النظرية لأن النظرية هي دائما أرقى من السياسة بكل ما فيها من ألاعيب وتغطية على مصالح وجرائم.

مثال: أُعطيت هزيمة 1967 تسمية ناعمة “نكسة”. وكانت هذه بداية الخديعة السياسية للناس. ثم تبعتها فتوى سياسية هي :”تصفية آثار عدوان 1967″ وتفاقم هذا الخطاب التنازلي ليُثمر قرار مصر السادات الاعتراف بالكيان الصهيوني أي الاعتداء على حق الشعب العربي الفلسطيني في وطنه. فليس من حقك أن تعترف بأن وطني هو لغيري حتى لو كنت  انت صديقا له. وتبعتها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ثم النظام الأردني فالقطري ولفيف من الحكام العرب بأشكال مواربة. وتمت تغطية ذلك بخطاب يزعم العمل على إقامة “دولة في الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس-البعض يذكر الشريف والبعض لا”.

من ناحية جوهرية، كل هؤلاء انخرطوا في ما بدأه بلفور بإعطاء من لا يملك لمن لا يستحق. لا فرق جوهرياً، بل موقف هؤلاء العرب والفلسطينيين أخطر .

ومع تكرار السنين وغياب النقد القكري والسياسي المشتبك، صار الاعتراف بالكيان الصهيوني مهيمنا في الخطاب السياسي وحتى التنظيري العربي. طبعا هناك استثناءات ضئيلة ومقموعة. واصبح حل الدولتين هو الهدف، اي جوهريا شطب حق العودة.

خلال هذه المسيرة الوضيعة اخلاقيا وقومياً، صار بإمكان كثير من “القيادات” أن يلقي خطبة عصماء او تصريحا نارياً لصالح حق العودة، وفي الوقت نفسه يكتفي بدولة في الضفة والقطاع ويعترف بالكيان ويفاوضه او يغازله.

وصل التمويه على الناس حد عدم القدرة على الدخول في هذا الموقف شديد التناقض في داخله والمغلف بشكل خادع من خارجه.

فالاعتراف بالكيان يعني ان من حقه أن لا يُعيد اي لاجىء. والزعم بأن رفض الإعادة يتناقض مع مقررات الأمم المتحدة هو تلطي الضعيف او غير الوطني لأن للأمم المتحدة تاريخ طويل من الكذب وممالئة الكيان. والحديث عن إزالة آثار العدوان بدأ بمضمون قتال مسلح وانتهى بمفاوضات لا حدود زمنية لها قلبت المعتقد الفلسطيني من الحياة مقاومة إلى الحياة مفاوضات. ولا تخفى النتائج.

وإذا كان على رافضي الخطاب الغربي وتبعية العرب له أن يشرحوا للأمم الأخرى أن أساس الصراع هو اغتصاب فلسطين عام 1948 وبأن اغتصاب 1967 هو ملحق للاغتصاب الأول، فقد تفاقمت شروط استدخال الهزيمة لنجد انفسنا نشرح للفلسطيني والعربي هذه الحقائق كي نخلع من ذهنه شعارات إزالة آثار العدوان وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ودولة في الرابع من حزيران وعاصمتها القدس …الخ.

الرابع من حزيران ايها الزعماء القدامى ملك السعودية والجدد الرئيس السيسي، تاريخ مضى. وما مضى لن يعود. وإذا خانتكم المفهومية نشرحها، وإذا كنتم تتخابثوا، فذلك مكشوف.

الدولة الواحدة بدأت نهار 5 حزيران 1967، واتخذت عدة اشكال، هذا صحيح، ولكنها دولة يحكمها اليهود وتحت أحذيتهم عرب. هكذا ببساطة ووضوح. فليس من حق من هو تحت الحذاء أن يقول بأنه مستقلً!! لأنه ببساطة تحت الحذاء، وحين يكذب فهو مغتبط بتلك التحتية.

وعليه، فمن يعنيه الأمر أن يضع الأمور في نصابها، بأن المطلوب تحرير كل هذه الدولة /الوطن. وهنا مكسر العصا، اي تناقض معسكرين في الوطن العربي:

 معسكر المقاومة والممانعة

 ومعسكر التبعية والتجزئة القُطرية والاعتداء على المقاومة كجزء من الثورة المضادة.

 من لا يعنيه حق شعبنا في كل فلسطين، أو لا يمكنه الإقرار بحقنا خوفا او طمعا فليصمت او ليقل كلاما عاما، مثلا:”حقوق الشعب الفلسطيني” وليس كما قال الرئيس المصري الجديد يوم تنصيبه “دولة فلسطينية على الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشريف”.

ولكي نكون أكثر وضوحاً، طالما تقبل مصر منه أن يتمسك بمعاهدات مصر كما قال، وهو يقصد تحديدا معاهدة كامب ديفيد، اي الاعتراف بالكيان، وهو اعتراف عدوان على شعبنا بلا مواربة، مع ذلك طالما تسمح له مصر بذلك وربما تحت مبررات ظروفها، فليس من حقه حصر حقنا في الضفة الغربية وقطاع غزة. هذا ليس شأن وليس حق لا رئيس ولا جندي. وخاصة ليس حق رجل رئيس تخيلوه قائداً فإذا به جندي.

يكفي اختصار الأمر في ان مسلسل التنازلات في خدمة الكيان، أنبتت وصول الكيان إلى مطلب”يهودية الدولة” اي انها دولة واحدة ويجب تنظيفها من العرب!