عالم من توحش الرأسمالية

د. أمينة أبو شهاب

الاعتقاد بالرأسمالية وبآثارها ونتائجها الاقتصادية الإيجابية هو شبه دين في الغرب، وكان هذا الاعتقاد قائماً كذلك في الشرق الأوروبي الذي إنفك عن الاتحاد السوفييتي انبهاراً بالنموذج الرأسمالي الأمريكي والأوروبي وأملاً فيه .

قلما تثبت القناعات الفكرية وتتأسس في العلوم الاقتصادية والاجتماعية لتتحول إلى حقيقة مغلقة ومسكوت عنها كما هي القناعة بأن الرأسمالية قد تحولت عن حالتها التوحشية في المراحل الأولى لبداياتها . في تلك البدايات كانت الفروق الاجتماعية جسيمة وحادة، ولكن سرعان ما نضجت تلك الرأسمالية وخضعت للضرورات الاجتماعية لنقل الفروق الطبقية والاجتماعية في المجتمعات الغربية التي تمتعت بالازدهار المعيشي والرفاهية . هذه القناعة كان يمثلها منحنى إحصائي في الاقتصاد الكلاسيكي هو “منحنى كوزينتس” .

هذه القناعة تهتز لأول مرة مع عمل فكري أطلق عليه مؤلفه الفرنسي، توماس بيكيتي عنواناً يتطابق مع عنوان كتاب كارل ماركس أي “رأس المال”، والذي غير في عصره مسار الفكر الاقتصادي والاجتماعي . العنوان الحرفي للكتاب كما صدر بالإنجليزية مؤخراً هو “رأس المال في القرن الحادي والعشرين” .

لقد بيعت عشرات الآلاف من نسخ الكتاب البالغ سبعمئة صفحة والمحتوي على أدلة وبيانات تاريخية عن الثروة والدخل في أوروبا الغربية والولايات المتحدة لفترة تبدأ من القرن الثامن عشر وتصل إلى الزمن الحالي .

المقولة الرئيسية في الكتاب هي أنه في اقتصاد يكون فيه العائد أكبر قيمة من النمو، فإن الثروة ستزداد تركزاً في أيدي النخب الاقتصادية من أصحاب الثروات الموروثة على حساب أصحاب الدخول المكتسبة، هذا التركز للثروة في المجتمعات الغربية في أيدي القلة التي تبلغ نسبة الواحد في المئة هو أمر لا يتماشى مع الديمقراطية ولا مع العدل الاجتماعي .

إنها الرأسمالية العائدة إلى توحشها الأول والتي لم يكن التحسن في أوضاع الطبقات الفقيرة والعمالية منذ الثلاثينات وحتى السبعينات من القرن الماضي إلا صدفة تاريخية . ولقد أسهم في هذه الصدفة التاريخية نشوب الحربين العالميتين، والكساد الكبير ما دعا الحكومات لإعادة توزيع الدخل وتبني سياسات اجتماعية وتوزيعية تلتزم بالطبقات الفقيرة .

فلم يكن وهم المساواة والفروق الطبقية الأقل إلا أسطورة كان عاملها الأساس هو الصدفة التاريخية البحتة .

يعود العالم إذن، في نظر بيكيتي، إلى الرأسمالية المتوحشة، تلك الرأسمالية “الوراثية” أو التي تقوم على الثروات الموروثة حيث سيطرة النخب الاقتصادية التي تخلق “أوليغارشية” جديدة بما يناقض مفهوم الديمقراطية . ولا مكان في هذه البنية الاجتماعية لأولئك الذين يسعون بجهدهم، وحتى لتعليمهم النوعي للمنافسة وخلق الثروة، الثروة هي لأولئك الذين يولدون في الأوساط الغنية فحسب .

إنه عالم تنتج فيه الرأسمالية أكثر الفروق الاجتماعية حدة وهي تسير في طريقها الأحادي الاتجاه مخلفة البؤس الاجتماعي وانعدام الحراك الاجتماعي، ويتنبأ بيكيتي بعالم يسوده النمو الاقتصادي المتباطئ نافياً العودة إلى مستويات النمو في القرن العشرين أو أن التكنولوجيا وتقدمها سوف تخلق ذلك النمو . الرأسمالية المتوحشة وهي التي ستواصل توحشها فقط .

:::::

“الخليج”