تمدد داعش !…و الخطر على وحدة العراق و سورية ؟

العميد د. امين محمد حطيط

 

قبل الانتخابات العراقية الأخيرة، جهدت القوى الخليجية ومن يدور في فلكها، في البحث عن إجابة عن سؤال طرحته حول مصير العراق ووحدته فيما لو عاد نوري المالكي إلى السلطة في ولاية ثالثة، أو استمر الحكم في العراق في يد رئيس وزراء مسلم شيعي يدور في فلك إيران أو يضع العراق في منطقة وسطية بعيدة عن الإملاء الخليجي وقريباً من محور المقاومة الممتدد من إيران الى حزب الله في لبنان شاملاً سورية بقيادة الرئيس بشار الأسد.

و عندما أسفرت الانتخابات العراقية عن تأكيد المخاوف الخليجية لناحية قدرة المالكي عالية الاحتمال بالعودة الى رئاسة الحكومة، وتأكيد التحالف الإسلامي الشيعي قدرته على تشكيل حكومة أكثرية وطنية سياسية (بات يملك 178 صوتاً ويلزمه فقط 165 ) ، كان السؤال الرئيسي هنا كيف سيكون رد خصوم المالكي وأعداء محور المقاومة لقطع الطريق على هذه الإمكانات والاحتمالات سريعاً وقبل فوات الأوان خاصة أن متغيرات استراتيجية عميقة ظهرت في الآونة الأخيرة جعلت الغرب يقترب من إيران ويتهيّأ لحسم موضوع الملف النووي معها وليفتح صفحة جديدة في العلاقة البينية الغربية الإيرانية، ما يتيح لإيران التفرغ لتوسيع فضائها الاستراتيجي الحيوي، فضلاً عن تعزيز قدرات محور المقاومة الذي تلقى جرعة قوة استراتيجية كبرى من البوابة السورية تحت عنوانين، سياسيّ عبر نجاحها في تنظيم الانتخابات الرئاسية وتثبيت الرئيس بشار الأسد في موقعه قائداً لسورية، وميدانيّ من خلال الإنجازات العسكرية المتلاحقة التي قطعت الطريق على أي ظن خارجي أو إرهابي حول امتلاك شيء مؤثر في المشهد السوري يغير وجهة الميدان.

في ظل هذه التطوّرات، وفي ظل العجز الخارجي سياسياً وعسكرياً عن تحقيق الطموحات الغربية أو الخليجية في العراق وسورية، يبدو أن الاتجاه الخليجي بقيادة سعودية اتخذ منحى الضغط ميدانياً في العراق وسورية معاً لقطع الطريق على الجهات المختصة في البلدين بأن تستثمر نجاحاتهما الأخيرة. ووقع الاختيار على شرق سورية ووسط العراق لتنفيذ الضغط، إذ تقوم مناطق ذات لون وطبيعة ديمغرافية معينة من المسلمين السنّة، وقبائل وعشائر في معظمهم ، وينشط تنظيم متطرّف يشكل أحد الفروع الأساسية لتنظيم «القاعدة» الوهابي، الذي أعلن عن سعيه إلى إقامة «الدولة الإسلامية في العراق والشام» دولة يكون فيها الحكم للوهابيين وحدهم من غير شريك، أما الآخرون فيكون مصيرهم، إما تغيير المذهب والدين، أو القتل، أو الطرد، أو الذمية .

 وقع الخيار إذن على «تنظيم» الدولة الإسلامية في العراق والشام» والمختصر بكلمة «داعش» ا(لأحرف الأولى لكلمات التسمية) كي يكون أداة الرد على نجاحات العراق وسورية الأخيرة. و»داعش» كما هو معروف تنظيم نشأ أصلاً في العراق بعد الانسحاب الأميركي منه ومع اندلاع الأعمال الإرهابية في سورية ضد الحكومة الشرعية فيها بقيادة الرئيس الأسد، وكانت نشأته على ما ظهر وأعلن لمواجهة ما اسمي بـ»خروج السلطة من يد أهل السنّة، ومنع النفوذ الإيراني في العراق»، ورفع شعار دولة الخلافة الإسلامية. وللتذكير فحسب، فإن هذا التنظيم خطا خطواته الأولى متكئاً على العراقيين السنّة وحدهم وشملوا عدداً لا بأس به من الضباط السابقين في الجيش العراقي في عهد صدام حسين.

 بعد إنجازات حققتها في الجانب السوري في مواجهة «جبهة النصرة» وغيرها من تنظيمات مسلحة وإرهابية مثل مجلس الشورى «مشمش» ، نفذت «داعش» خطتها، مستفيدة من الدعم الخليجي السخي، ومن خبرات عسكرية مهمة وفرها الضباط العراقيون السابقون سواء بوجودهم في مجلس قيادتها للتخطيط وإدارة الحرب أو في الميدان للمواجهة العسكرية وأفادت من حالة شعبية ملائمة قائمة في المناطق السنّية في العراق و من تعاون ضباط في الجيش العراقي الحالي ،  ونفذت عملية اجتياح سريع  كانت اشبه باستلام المنطقة دون قتال و بسطت خلالها سيطرتها على منطقة واسعة في وسط العراق من نينوى الى صلاح الدين والفلوجة ووصلتها بمناطق سيطرتها في سورية الرقة وريف دير الزور الشرقي وامتلكت بذلك زمام منطقة شاسعة متماسكة، ذات أهمية استراتيجية سواء بموقعها الجيوسياسي أو بثرواتها وهي تتوسط تركيا في الشمال والمنطقة الكردية في الشرق والشمال الشرقي والمنطقة الشيعية في الجنوب وسورية في الغرب، وفيها حجم كبير من آبار النفط كما تمر عبرها أنابيبه من الشرق في اتجاه الغرب الى تركيا وسواها. وهنا يطرح السؤال: هل دق هذا الاجتياح ناقوس الخطر مهدّداً وحدة العراق وسورية؟ خاصة أن للمنطقة من المؤهلات ما يسمح للبعض بالكلام عن قدرة على إنشاء دولة فيها؟

لا شك في أن وصول «داعش» الى هذا الوضع في ظل الظروف الراهنة يعتبر تهديداً خطيراً للأمن القومي العراقي والسوري ولوحدة العراق وسورية لاحقاً، وسيجبر هذا الخطر جميع المتضررين منه على مراجعة مواقفهم وعلاقتهم البينية لمواجهته، وفي حال اتخاذ القرار بالمواجهة الجدية (و هذا ما ظهر جليا خاصة في العراق و سورية ) ، فإني أرى أن أخطار «داعش» سيتم حصرها واحتواؤها ولن تتعاظم لتصل الى درجة تقسيم العراق أو سورية، خاصة أن هناك أكثر من عامل يمنع نجاح مشروع «داعش»:

1.      لن يكون في وسع «داعش» التمدد الى المنطقة الجنوبية في العراق المنطقة الشيعية في أي شكل من الأشكال، ولن تتمكن من الوصول إلى أيّ منفذ بحري في أي اتجاه، وستبقى محصورة في الصحراء والمناطق الداخلية، حتى أن تهديدها الذي يحكى عنه لبغداد لن يكون في الحجم المؤثر بعد التحول الديمغرافي الكبير الذي أصاب بغداد في السنوات العشر الأخيرة.

2 . ستشكل «داعش» تهديداً جدياً للمنطقة الكردية في الشمال وللأكراد في سورية، ما سيلزمهم بالدفاع عن النفس في حال قررت «داعش» التوسع على حسابهم وسيكون عليهم مراجعة علاقتهم بالحكومة المركزية في بغداد وبالدولة السورية في دمشق طلباً للدعم والمساعدة على أكثر من صعيد. و أن التعاون الكردي العراقي في الشمال مع الحكومة المركزية في الجنوب، والارتباط الوثيق مع دمشق سيضع «داعش» بين فكي كماشة لن تقوى على الإفلات منها، خاصة بعد تفرغ سورية من معالجة ما بدأته في جبهات الشمال والوسط .

3 . رغم أن أميركا هي التي انشأت تنظيم «القاعدة» وهي التي أسّست لتفكيك العراق وشرذمته، وأقامت فيه فيدرالية واهنة، وتسعى وفقاً لاستراتيجيتها الى تقسيم الدول العربية الكبرى مثل العراق وسورية ومصر والسعودية الى دويلات صغيرة واهنة إلاّ أنها تريد إقامة الدويلات التي ترتبط بها وتخضع لأوامرها، وبالتالي يكون من المنطقي القول إن حركة «داعش» تستجيب للاستراتيجية الأميركية كونها فرعاً من «القاعدة» التي أنشأتها .

لكن رغم ذلك كله نرى أن أميركا، ومع ما بدر من سلوكيات «داعش» ومحاولتها الظهور معادية للمصالحة الغربية عامة والأميركية خاصة، فإن أميركا قد تجد أن مصلحتها هي في الوقوف ضد التصرف «الداعشي» الأخير لحصر الأخطار الإرهابية التي قد يشكلها على مصالح الغرب. لذا يرجّح أن نشهد تحوّلاً أكثر وضوحاً في مواقف أميركا من الأزمة السورية ومما يدور في العراق، بما في ذلك العودة الى الاتفاق الأمني معه لأنها ستكون مخيّرة بين أمرين تصنفهما بين سيئ وأسوأ، ولن تختار بطبيعة الحال الأسوأ المتمثل على ما يبدو في تنظيم «داعش» ومن الطبيعي ألاّ ننتظر أن ترسل أميركا جيوشاً لقتال «داعش» فهذا أمر طويت صفحته، لكن في وسع أميركا فعل الكثير لتمكين من يواجه «داعش» من عراقيين وغيرهم لمعالجة أمرها واقتلاع خطرها. نقول ذلك رغم أننا لا يمكن أن نعوّل على أميركا لدفع خطر عن المنطقة، إلاّ أنه منطق المصالح الذي تعتنقه هي.

على ضوء ما تقدم، نرى أن انفلات «داعش» وتمددها في العراق بعد سيطرتها على مناطق في الشرق السوري، لم يصل الى درجة التهديد الجدي والخطر الأكيد على وحدة البلدين، فلدى  أصحاب الشأن حتى الآن القدرة على احتوائه ومعالجته بإمكاناتهم الذاتية وبالمساعدات التي يمكن أن تصلهم من الخارج، وأهم المفاعيل المباشرة لهذا التمدد على ما أعتقد ستكون  شد العصب العراقي و التعجيل في تشكيل حكومة عراقية فاعلة تشكل رداً سريعاً على تلك الحركة التفتيتية كما و سيكون تحول بعض القوى ايجابيا لمصلحة الدولة السورية أما في الجانب الخليجي فلا أعتقد أن مثل هذا التمدّد سيخدم المصالح الخليجية، بل على العكس تماماً وستجد دول الخليج التي شجعت ودعمت هذا التمدد أنها أخطأت الطريق ولن تحقق مبتغاها الاستراتيجي أو السياسي لجهة الحؤول دون تشكيل حكومة الأكثرية في العراق ومنعها من التقارب مع محور المقاومة، أو التأثير في نتائج الانتخابات الرئاسية في سورية أو تقسيم العراق وسورية وإقامة دولة سنية في وسطهما، فالتقسيم حتى الآن، ومع «داعش» تحديداً، غير ممكن وغير قابل للحياة، واذا حصل لن تبقى السعودية في منأى عنه.

:::::

“البناء”