حرب الطابورين على العراق

عادل سمارة

 

هذه الدول العربية جميعها من تمفصلات سايكس-بيكو. أنظمة أُقيمت لتدمير الحيز الجغرافي العربي والانتماء العروبي. هذا اقتضى بلا مواربة أنظمة توابع تصل حد الخيانة لتبقى في مواقع السلطة والثروة. ولضمان تخليد سايكس-بيكو تم تنصيب اقليات طائفية على أكثريات طائفية قصداً لإبقاء الطائفية . وأما تثبيت العقل الطائفي فتم ويتم بالحيلولة دون مجتمع إنتاجي صناعي يتحول الفرد فيه من البحث عن أمان الطائفية والعشيرة إلى أمان يقوم على بيع قوة عمله كفرد من طبقة.

والعراق نموذجا. برجوازية طائفية سنية عينها الاستعمار البريطاني مكافئة لها على تخليها عن دولة عربية فحكمت العراق بكل تعدداته وتنوعاته. لكنها لم تتمكن من إرساء مواطنة حقيقية وديمقراطية رغم محاولاتها العلمانية والتنموية والاشتراكية منذ عبد الكريم قاسم وحزب البعث. بكلام آخر، لم تتمكن من تنظيف العقل الطائفي بعقل علماني مواطناتي قائم على أو مفروز من واقع إنتاجي وليس الإمساك بمصادر الريع وتشكيل أجهزة بيروقراطية تحتمي بالنظام وتحميه. شئنا ام ابينا كان العراق تحت حكم برجوازية  الطائفة السنية.

حينما قرر المحافظون الجدد (راسماليون لبراليون تروتسكيون ويهود) احتلال العراق لتفتيت الدول العربية المحيطة بالكيان الصهيوني الإشكنازي (العراق وسوريا خاصة) التحقت المعارضة العراقية ومعظمها شيعية بالاحتلال الأمريكي للعراق الذي اسقط النظام وحل الجيش وحل البعث.

أعادت الطائفة الشيعية سلوك الطائفة السنية وحتى بشكل اسوأ حيث لم يكن البعث العراقي متحالفا مع العدو الأمريكي.ولكنه كما يبدو اليوم شديد التحالف مع امريكا سواء عبر آل سعود او مباشرة. طبعا يزعم كثيرون ان صدام حسين كان عميلا أمريكياً! على رسلهم إلى أن يثبتوا ذلك.

منذ سقوط بغداد البعث 9 نيسان 2003 وحتى اليوم والصراع في العراق طائفي مهما أُحيط بتكاذبات.

صراع بين قيادات الطرفين وأدواته ومادته فقراء الطرفين.

مخطىء من يعتقد ان قيادة السنة في العراق تحاول العودة للسلطة من أجل فلسطين ولا من أجل بغداد بل من أجل السلطة. وحيث عجزت عن هذا، ارتمت في أحضان أعداء الأمة العربية اي أنظمة الخليج وتركيا والغرب والكيان الصهيوني. لتحظى في هكذا تخندق بالمال والسلاح والعدد والجغرافيا.  اي تحاول مد الصراع على نطاق قومي ولكن طبعا بجوهر طائفي بغيض.

ماذا يعني هذا؟

هذا يعني حرب طويلة الأمد وتدفق المال والسلاح والمقاتلين إلى العراق لا لهدف إلا ليعود الحكم في العراق للقيادة السنية!

ولكن، وهنا جذر المعضلة، عودة هذه القيادة الطائفية للحكم على اساس سايكس-بيكو. لا على اساس انتخابات على مستوى كل العراق ولا بهدف محو حدود التجزئة والذهاب إلى وحدة مشرقية على الأقل وحينها فليتم الانتخاب. فأي شكل من الوحدة مرفوض من قِبَل من يقودوا هذا الجماعات. بل إن هؤلاء لن يُعيدوا حتى نموذج بعث العراق السابق. بل سيُعيدوا العراق إلى ما وراء حكم ابناء سعود. فويل للنساء. فمن سمع شريط عزت الدوري وهو يهتف لآل سعود، يتذكر هتاف الرئيس اللبناني المنتهية ولايته وهو يهتف لنفس آل سعود أنفسهم؟  بل إن الثورة المضادة تهدف من هذا الهجوم على العراق امورا أخرى:

·        تدوير طوابير المرتزقة والقتلة من سوريا إلى العراق لأن قرار عدم عودتهم من حيث اتوا هو قطعي.

·        كسر ظهر محور الممانعة والمقاومة بإغلاق الامتداد من طهران إلى دمشق. اي ان الربح الصافي للكيان الصهيوني.

وبعيداً عن مواقف ودور غير العرب، فإن من يقاتل العراق اليوم هما الطابوران:

·        الطابور الخامس من المقاتلين الذين يحاولون احتلال العراق لكسر معسكر المقاومة والممانعة طالما عجزوا بداية عن حزب الله وعن طهران وخاصة الآن عن دمشق

·        والطابور السادس الثقافي الذي تقوده الجزيرة والعربية وفيالق من الصحفيين بمختلف مستوياتهم من جهة ومثقفين من طراز صادق جلال العظم الذي اصبح فيلسوف الطائفية السنية. حين يتقاطع الفيلسوف وابو عمر البغدادي نفهم معنى الانحطاط.

هذه التطورات ودرجة السقوط حيث يصطف الفيلسوف إلى نفس مستوى مقاتل داعش تطرح خلاصتين لا بد منهما:

الأولى: بأن الكثيرين في المجتمع العربي عادوا إلى اشد حالات البدائية المتوحشة، بعضهم عن وعي طبقي مصلحي وبعضهم عن غريزية بهيمية  بحتة. في الجماهير قطيع من المضيعين طبقيا والمهمشين والحثالات. إنهم القطيع حتى لو غضب من يمدحوا الجماهير بعمومها لمجرد أن لينين اوصى بذلك ذات لحظة رومانسية، أو لأن ماركوزة استبدل الحثالات بالطبقة العاملة الصناعية. كثير من الجماهير في مراحل معينة يمكن ان تتخلى عن وطنها وإنسانيتها.

والثانية: بأن هذه التطورات سوف تطول نسبياً، ولكن لا بد أن تفرز قيادة بأفق قومي شامل لتكون بداية الخروج من دائرة استخدام الجميع كأدوات: أمريكا استخدمت الشعية ضد السنة، واليوم تستخدم السنة ضد الشيعة!!!

أما السؤال الذي ربما لا معنى أن نسأله: ما الذي سيحصل عليه المقاتل السني إذا ما وصل عزت الدوري إلى قصور الرئاسة العراقية، أو إن لم يقتله أبو عمر البغدادي؟ هذا إن بقي هذا المقاتل حياً؟ هل سيتغير وضعه عما كان قبل ذلك؟

ما يخشاه المرء، وفي غياب قائد كاريزمي حقيقي في العراق، هو أن يشتد الاستقطاب الطائفي حيث يضطر الشيعة للدفاع طائفياً، وحينها يمتد الذبح ويتدفق مرتزقة من الخارج باضعاف من تدفقوا إلى سوريا…وتطول وتطول وشعارها الله اكبر لكل طائفة!.