أحداث العراق

في سياق مشروع الفوضى الخلاقة

المبادرة الوطنية الأردنية

13 / 6 / 2014

فهم ما يجري في العراق من أحداث بعيداً عن غبار كثيف لمعركة عسكرية محتدمة، غزوة الموصل، التي تحجب الرؤية، وقريباً من وضوح حرب إستراتيجية كبرى تجري فعلياً على أرض الواقع، على امتداد الأرض العربية، يتطلب موضوعية مبنية على تحليل يستند إلى قوانين الصراع العلمي، من أجل فهم كيفية تخطي حروب التدمير الذاتي، وبناء مشروع تحرر وطني يجمع كافة الشرائح الوطنية العراقية الكادحة والمنتجة، وحشّدها ضد مشروع قوى الهيمنة ومجاميع التبعية.

فهم ما يجري من تسونامي – أحداث العراق يتطلب من جميع الوطنيين المخلصين حقاً لوطنهم ومجتمعهم، والحافظين حقاً لدولتهم ومؤسساتها، التي بنيت بكد وجهد وعرق الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة عبر كل هذه العقود، يتطلب العودة إلى التأمل بصفاء ذهن، ومشاعر وطنية صادقة، وحمية غيورة على المجتمع وإنجازاته التراكمية التاريخية، بعيداً عن التهويل والتحشيد والتخوين، وبعيداً عن نصب الشماعات التي يعلق عليها كل المبررات الحقيقية والزائفة، وتعلق فوقها الأعراض والظواهر، وتخفي العلل والأسباب الحقيقية والفعلية لهذا الصراع من جانبية التناحري مع العدو الرئيسي وأتباعه والتنافسي مع الأطراف الوطنية الأخرى.

فهم ما يجري في العراق يتطلب :

 أولاً : العودة إلى تشخيص طبيعة الصراع القائم في العراق وفي المنطقة وفي العالم، وتشخيص التداخل والتمايز في الأهداف وفي الوسائل، صراع التناقض التناحري مع قوى الهيمنة – المركز الرأسمالي – صراع الهيمنة على ثروات ومقدرات الشعوب لصالح الشركات العملاقة متعدية القوميات، وتنافس القوى الوطنية فيما بينها التي تقود إلى حروب تدمير الذات.

وثانياً: تحديد قوى الصراع في العراق وفي المنطقة وفي العالم، القوى الرئيسية – المركز الرأسمالي – والقوى الثانوية التابعة من طرف مقابل قوى التحرر الوطني والعالمي من طرفٍ آخر.

وثالثاً: فهم الخلفيات التاريخية والإيدولوجيات والثقافات وسلوكيات مجموعات ومجاميع أطراف الصراع العراقية، المجاميع الماقبل رأسمالية – المذهبية والطائفية والعشائرية والأثنية – بقيادة “نخب” انتهازية بلا ضمير وطني، تضع مصالحها الذاتية التدميرية فوق مصالح الوطن والمجتمع، وللأسف في ظل غياب ثقل فعلي لأطراف وطنية تحررية تحمل مشروعاً وطنياً تحررياً.

ورابعاً: تتبع مسار هذا الصراع في الداخل بين قوى التحرر الوطني من جانب ومجاميع التبعية في الحكم وفي المجتمع من جانب آخر، وتطور الصراع مع قوى الهيمنة الخارجية في سياقه التاريخي، وتحديداً ما بعد إنجاز مهمة كسر التبعية إثر ثورة تموز عام 1958، وإنجاز بعض جوانب الإستقلال الوطني، وفي المقدمة تأميم النفط، الذي عاد ليصبح أحد الجوانب الرئيسية للصراع بعد الإحتلال الأمريكي للعراق، وغنيمة الهجمة.

 هل من أحد يختلف حول تشخيص المرحلة بأنها صراع ثنائية الهيمنة والتحرر، المركبة والمعقدة؟ ومحاولة المركز الرأسمالي العالمي، بعد إنهيار المعسكر الأشتراكي، من السيطرة المطلقة على ثروات ومقدرات شعوب الأرض، ووضع أسواقها في خدمة مصالح الشركات العملاقة متعدية الجنسيات، بأساليب ووسائل متعددة ومتداخلة، الحرب الغزوة المباشرة والحرب الغزوة غير المباشرة.

هل من أحد ينفي أن غزو العراق من قبل الناتو الذي تم على إمتداد أكثر من عقد( 1991-2003 ) قد تم من أجل السيطرة على ثروات العراق، وفي مقدمتها النفط، وحجز سيرورة التطور العلمي والتقني والمعرفي، الذي حصل في النصف الثاني من القرن الماضي، ومنع العراق الوطني من إحداث التنمية الوطنية المتمحورة حول الذات الوطنية، ومنعه من القيام بدوره في تحقيق أهداف أمته العربية.

هل من أحد لم يسمع بمشروع الشرق الأوسط الجديد / الكبير الذي أعلنته كونداليسا رايس خلال الهجمة والقصف الجنوني للقوات الصهيونية على لبنان إبان حرب تموز عام 2006، والقائم على تفكيك الدول وتفتيت المجتمعات، من أجل إعادة تشكيلها على أسس المجاميع البدائية، مجاميع الماقبل رأسمالية، الطائفية والمذهبية والعشائرية والإثنية، لمحو الهويات الوطنية لهذه المجتمعات القائمة وتلك التي في سيرورة التشكل، مما يسهل مهمة الهيمنة على ثروات هذه المجتمعات، وفي الحالة العراقية تسهيل استحلاب ثروة العراق الهائلة، خاصة النفطية، في ظل غياب الغيرة الوطنية الجامعة، وترك الشعب العراقي بحالة من الفقر والبؤس والجوع والمرض.

هل من أحد ينكر بأن غزو قوات الناتو للعراق قد أعادها إلى الخلف عقوداً من الزمن، وأنتج شعباً موعزاً بعدما كان شعباً مترفاً إلى حد ما، شعباً يعاني من الأمية بعدما كان قد قضى على هذه الظاهرة قبل عقود، وتدمير مجتمع متقدم، بحسب تقارير التنمية للأمم المتحدة بأنه كان سينتقل من العالم الثالث إلى العالم الثاني منتصف العقد السابع من القرن الماضي، حيث أعيد إلى بيئة الجهل بفعل الغزوة الأجنبية، فماذا ستفعل هذه الغزوة الداخلية – غزوة الموصل – في الذي تبقى من المجتمع العراقي؟

هل من أحد ينكر بأن ما دمرته آلة الحرب الهمجية للناتو، وعلى كافة المستويات وفي كافة القطاعات، عجز النظام الذي خلفه الأحتلال من إصلاحه، وعجزت المجموعات الحاكمة من حل المعضلة الوطنية الإجتماعية والإقتصادية والسياسية؟.

وهل من أحد لا يرى ترابط هذه الأحداث التي تجري على الساحة العربية مع بعضها البعض، فهل صدفة تأتي هذه الغزوة بعد إندحار المشروع في سوريا، وإلى حدٍ كبير، وهل صدفة جاءت الهجمة على سوريا بعد انتصار المقاومة في لبنان، وصمود المقاومة في فلسطين؟

وهل صدفة تأتي أحداث ما يسمى بالربيع العربي حشوات بين هذه الأحداث الكبرى.

لمصلحة من يتم هذا التدمير الذاتي؟

ولمصلحة من يتم تدمير ما تبقى من العراق الدولة والمؤسسات والمجتمع، وفي المقدمة مؤسسة الجيش؟

هي أسئلة مطروحة على الجميع، على امتداد الساحة العراقية والعربية، بلا استثناء، وبرسم الإجابة:

على من يدعي أنه يرفع ظلم مجموعة مذهبية – ما قبل رأسمالية – عن مجموعة مذهبية أخرى – ماقبل رأسمالية – من أبناء مجتمع هم معاً مكونه، فهل من عاقل يعتقد بأن قوى الهيمنة التي تقف في المحصلة النهائية خلف هذا المشروع التدميري التفتي الظلامي، ستسمح لطرف التغلب على الطرف الآخر، الجواب واضح، لن تسمح لأن هدف المركز الرأسمالي الذي يقف خلف هذا المخطط التدميري هو الهيمنة على ثروات وإمكانات العراق، ثروات وإمكانات كافة مكونات المجتمع العراقي، بغض النظر عن المذهب والعشيرة والطائفة والإثنية، فهل ستسمح للطرف الذي تدعمه اليوم وذاك الذي دعمته البارحة من أن يقوى ليعيد السيطرة على قراره وثرواته ؟؟

على تلك القوى التي ركبت قطار الغزو الأمريكي بحجة التخلص من الدكتاتور والدكتاتورية، أفلا ترى نتائج فعلتها هذه الأيام ؟

على تلك القوى التي كانت تعتقد بأنها من خلال الفهلوة السياسية واللعب على تناقض المحاور ستتمكن من بناء دولة وطنية وحمايتها، فماذا جنت على وطنها ومجتمعها اليوم ؟؟

على من يدعي أنه يمكن تحرير وطنه من خلال دعم قوى التبعية في المنطقة، ومن خلال التحالف مع قوى ظلامية، ومن خلال تدثر عباءة إيدولوجية مخالفة لإيدولوجيته الأساس، فما هو الوليد الهجين الذي سيولد من رحم هذا التناقض.

لا بديل عن بناء حركة تحرر وطني عراقي تضم كافة الشرائح الوطنية العراقية الكادحة والمنتجة.

لا تزال المهمات المطروحة على جدول أعمال النضال الوطني العراقي، هي تحرير العراق وتحرير ثرواته الوطنية من براثن الشركات العملاقة وخاصة في قطاع الطاقة.

لا تزال مهمة بناء الحامل الأجتماعي من كافة الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة لمشروع التحرر الوطني قائماً على جدول أعمال قوى التحرر الوطني.

ليس بالإحتراب المذهبي والطائفي والإثني والعشائري، تبنى الدول والمجتمعات.

ليس بالتحالف مع قوى الهيمنة الرأسمالية وقوى التبعية تحرر الأوطان.

ليس ببناء حامل من مجاميع الماقبل رأسمالية يبني وطناً حديثاً معافى.

معاً لبناء حركة تحرر وطني عربي من أجل كسر التبعية وتحرير الإرادة السياسية، وتحرير الثروات الطبيعية، وإنفاذ التنمية الوطنية المتمحورة حول الذات، وتحقيق وحدة هذه الأمة العربية.

” كلكم للوطن والوطن لكم “